الصفحة الرئيسية رأي وتحليل تعقيدات أم تسوية روسية في سوريا؟

تعقيدات أم تسوية روسية في سوريا؟

0

كغيرها من اللقاءات السابقة، يظهر رأس النظام السوري بشار الأسد “فجأة” في مدينة سوتشي الروسية هذه المرة، حيث يلتقي الرئيس فلاديمير بوتين، ويبحث معه “تنظيم العملية السياسية لتسوية الأزمة السورية”. في سوتشي، ظهر العلم السوري الرسمي خلف الأسد، في إشارة روسية ذات مغزى، إذ يريد الروس الإيحاء بأن هذا اللقاء “طبيعي”، وهو كأي “لقاء عمل” رسمي يجمع بين رئيسي دولتين حليفتين، خلافاً لما كان عليه الحال في غير “مفاجآت” من غياب لأبسط القواعد البروتوكولية شكلاً ومضموناً، كما جرى حين استدعي الأسد على عجل إلى موسكو مع بدء التدخل العسكري الروسي المباشر، وكذلك حين “فوجئ” غير مرّة بوزير الدفاع الروسي، الجنرال سيرغي شويغو، يلتقيه في القاعدة العسكرية الروسية في مطار حميميم جنوب اللاذقية.

فأيّ “عملية سياسية” هذه التي يريد بوتين بحثها مع الأسد، وما “الرؤية” التي يُنتظر من الأخير تقديمها، وكلا الرجلين مسؤولان بصورة مباشرة عن تعطيل كافة المحاولات السابقة لإطلاق عملية سياسية جدّية تضع حدّاً للصراع الدائر، وتحقق انتقالاً سياسياً في سوريا، استناداً لبيان جنيف1 والقرارات الدولية ذات الصلة؟

منذ انطلاقة الثورة السورية، انحازت روسيا صراحةً إلى جانب نظام الأسد، وواظبت على دعمه بشتى الوسائل. وعبر استخدامها المتكرر لحق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن الدولي، عطّلت كافّة مشاريع القرارات التي تدين الجرائم التي يرتكبها بحق الشعب السوري، إلى جانب حرصها على تدفّق الأسلحة والمستشارين العسكريين الروس لمساندة الجهد العسكري لقوات النظام. وفي الوقت الذي وجدت أنّ ذلك كلّه لم يعد كافياً، وأنّ حليفها يفقد السيطرة على المزيد من الأراضي السورية، فضلاً عن الخسائر البشرية الكبيرة التي تكبّدتها قواته النظامية والميلشيات التي تساندها، شرعت في التدخّل العسكري المباشر منذ خريف العام 2015، عبر سلاحها الجوي بادئ الأمر، ثم بإرسال وحدات من قواتها البرية والبحرية، شكّلت معاً النويات الأولى للقواعد العسكرية الروسية في سوريا، مستغلّةً حالة الارتباك الأمريكي إزاء الوضع السوري، أو على الأقل عدم وجود رؤية أمريكية واضحة بشـأن هذا الملف.

فالخطوة الروسية حظيت حينها بموافقة ضمنية “إن لم تكن صريحة” من واشنطن، وفقاً لما صرّح به الرئيس الإيراني حسن روحاني، في مقابلة متلفزة مع شبكة سي إن إن الأمريكية، حيث قال إنّ الرئيس الروسي أخبره “أنه تحدث حتى إلى السيد أوباما عن هذا الموضوع وأنه يود أن يجدد التزامه بقتال داعش وهزيمتها”. وأخبره بوتين أيضاً، والكلام لروحاني، أن “أوباما رحّب بتحليله وبخطته. ولذا فحتى مسبقاً، أخطرت الولايات المتحدة الأمريكية”, وقد جرى ذلك كله لا باسم قتال داعش فحسب، ولكن أيضاً، وهو الأهم بكثير، باسم منع انهيار الدولة السورية على النمط الليبي – وهي أولوية لم يكن للولايات المتحدة سوى أن تشاطرها.

صحيح أنّ الذريعة المعلنة لتدخّل الروس كانت “الحرب ضد الإرهاب”، والقضاء على تنظيم “الدولة الإسلامية” على نحو خاص، غير أنّ بوتين إذ تحدّث صراحةً عن نيّته “منع حصول انهيار كامل للسلطة الحكومية من النوع الذي حصل في ليبيا في أعقاب تدخل حلف الناتو هناك”، فهو بذلك وجّه “رسالة ذكية تستغل الشعور الغربي بالذنب إزاء ما حدث منذ الإطاحة بالعقيد القذافي”، إلى جانب أنّ فكرة “الحفاظ على القوات المسلحة والأجهزة الأمنية السورية بينما يجري العمل على إيجاد حكومة انتقالية أو عملية سلام تجد بعض التأييد في البلدان الغربية”، وبالتالي أصبحت مسألة عزل الأسد هدفاً ثانوياً، بالمقارنة مع هدف سحق الدولة الإسلامية.

كل ذلك كان من شأنه أن يسهّل على موسكو المهمّة، ليس في منع سقوط الأسد فحسب، وإنما أيضاً في تثبيت وجودها العسكري عبر إنشاء قواعد ثابتة لها في العديد من المناطق السورية، ومن ضمنها قواعد بحرية وجوية، لا سيما في اللاذقية وطرطوس، ومن ثمّ السعي إلى تحويل جملة التطوّرات الميدانية التي تحقّقت بفعل التدخّل العسكري إلى مكاسب سياسية، تجلت بصورة خاصة في تنامي قدرتها على التأثير مباشرةً وبفعالية واضحة في مسار التسوية السياسية، بل وحتى في تحويل هذا المسار في اتجاهات تتوافق والرؤية الروسية للحل، والتي تكاد تختصر القضية السورية برمتها في “محاربة الإرهاب” من جهة، وفي عقد “مصالحات” محلية في العديد من المناطق الخارجة عن سيطرة النظام، بعد عزلها والاستفراد بقوى المعارضة المسلحة تبعاً لإرغامها على قبول التسويات الروسية، وصولاً إلى إجراء عدد من التعديلات الدستورية، وإشراك فئات من المعارضة المقبولة روسياً بجزء من السلطة.

فالروس، وإن بذلوا كلّ جهد ممكن لإفشال جنيف، مراراً، أكان ذلك بحجة ضرورة توحيد وفود المعارضة ومواقفها، أو من أجل تصنيف الجماعات المسلحة الإرهابية وتمييزها عن الأخرى التي توصف بالاعتدال و”تقبل الحل السياسي”، فضلاً عن “عقدة الأسد” ورفضهم بحث مصيره في المفاوضات، غير أنّهم حرصوا في الوقت نفسه على إنضاج عملية سياسية بديلة تتوافق ورؤيتهم للتسوية.

في آخر أيام العام 2016، اعتمد مجلس الأمن الدولي بالإجماع، القرار رقم (2336) من أجل وضع حد للعنف في سوريا وبدء عملية سياسية في البلاد. والقرار الذي جاء نتيجة مشروع مشترك تقدّمت به روسيا وتركيا، بعد محادثات مطوّلة في العاصمة التركية أنقرة شاركت فيها جماعات من المعارضة السورية وبالتنسيق مع الحكومة السورية، أكّد “التزامه القوي بسيادة الجمهورية العربية السورية واستقلالها ووحدتها وسلامتها الإقليمية وبمقاصد ميثاق الأمم المتحدة ومبادئه”، وهي عبارات لطالما استخدمها الروس لمنع أي تدخّل دولي جدّي من شأنه تقديم دعم فعّال للمعارضة السورية أو إضعاف الأسد. والأهم أنّ مجلس الأمن “فيما أعرب عن تقديره لجهود الوساطة المبذولة من جانب الاتحاد الروسي وجمهورية تركيا لتيسير إرساء وقف لإطلاق النار في الجمهورية العربية السورية، أعرب أيضاً عن تطلعه إلى الاجتماع المقرر عقده في آستانة بكازاخستان، بين الحكومة السورية وممثلي المعارضة باعتباره جزءاً مهماً من العملية السياسية التي تقودها سوريا وخطوة هامة يتم القيام بها قبل استئناف المفاوضات برعاية الأمم المتحدة في جنيف”.

هكذا، لم تعد مفاوضات جنيف برعاية الأمم المتحدة، ممثلة بالمبعوث الأممي الخاص ستيفان ديمستورا، العنوان الأوحد للعملية السياسية على نحو ما كان يُفترض عند بدايتها، فقد أوجدت روسيا مسارها الخاصّ للتسوية من خلال اجتماعات آستانة، حيث استطاعت كسب اعترافٍ أمميّ بتلك الاجتماعات ومخرجاتها، لا سيما بعد أن نجحت في إشراك مزيد من فصائل “المعارضة المسلّحة”، وكذلك من الأطراف الإقليمية الفاعلة والمؤثرة في النزاع الدائر، مثل إيران وتركيا، ضمن ترتيبات ما سمّي بـ “مناطق خفض التوتر”، والتي بموجبها بات للانتشار العسكري التركي في بعض مناطق شمال غرب سوريا صبغة رسمية.

على أنّه من السابق لأوانه الاعتقاد بأن الطريق أمام المشروع الروسي مفروشة بالورود، فهو يتعارض لا محالة مع مشاريع أخرى، في مقدمتها المشروع الإيراني الذي لا يقلّ أصحابه عن الروس اقتناعاً بأن لهم الفضل في حماية النظام و”القضاء على الإرهاب”، وأن لهم بالتالي كلمتهم في سوريا، ومصالحهم الاستراتيجية التي لن يتخلّوا عنها. وإنّ رغبة موسكو في أداء دور الحكم الذي يضبط التوازنات ويدير صراع النفوذ والمصالح الإقليمية على الأرض السورية، من خلال سعيها إلى التنسيق المباشر والمستمر مع إسرائيل وتركيا وإيران، هي رغبة يصعب تحقيقها لسببين رئيسيين: الأول ضرورة التوصل إلى تفاهم عميق مع واشنطن لا يبدو أنه متاح في الوقت الحالي، والثاني أنها لا تتناسب مع الشروط الواقعية الراهنة، لا من حيث المعطيات الميدانية ودور كل من الأطراف، ولا لجهة تناقض المصالح فيما بينهم هم من جهة، وبين روسيا نفسها وبين بعضهم من جهة أخرى، لا سيما وأنهم جميعاً ليسوا بوارد التنازل بأي شكل عن مصالحهم ولا عن “مكتسباتهم” التي تحققت خلال الحرب في سوريا.

*كاتب سوري

guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments