مشاركة

بسمة قضماني*

أثارت التشكيلة الجديدة لهيئة التفاوض السورية، بضمها مجموعات متنوعة المواقف والآراء ، مخاوف عديدة لدى بعض المعارضين من أن تكون ثوابت الثورة في خطر. لن أتطرق إلى هذه المخاوف المبنية في معظمها على التشكيك في النوايا أكثر من الاستناد على وقائع ملموسة، وبغض النظر عما إذا كان هناك أي أمل في أن ينتج شيء عن مسار جنيف. إلا أن الجديد وربما الأهم في الوقت الحالي هو النقاش الذي يدور داخل المعارضة بين مختلف تياراتها حول شكل سوريا المستقبل.

يقول أحد المشاركين في هيئة التفاوض في  جنيف “من البديهي ان تكون هوية الدولة عربية إسلامية، ويقول آخر “لا بد أن تكون متعددة القوميات وعلمانية وألا تحمل تسميتها أي إشارة  إلى العروبة. وتقول سوريةٌ من الحسكة “نريدها فدرالية” وأخرى تريدها لا مركزية سياسية، بينما تقول ابنة دمشق أو حلب إن اللامركزية الإدارية هي النظام الإداري الأفضل للدولة السورية. لكلٍ مبرراته، لكن هذا التعدد في الرؤى لم يكن مألوفاً عند السوريين، والنظام الإداري للبلاد لم يكن يوماً موضع نقاش جاد، إذ كان النظام الفعلي لعلاقة السلطة المركزية في دمشق بباقي المحافظات محكوماً من قبل فروع أمن تدير شؤون المجتمع بأدق تفاصيل، حياته بل تعمل على إعادة هيكلة المجتمعات المحلية. هكذا أصبح من يحكم العلاقات بين فئات المجتمع وبين أبناء البلدة الواحدة هو والخوف والتوجس من الآخر والتقارير الأمنية، والذي كان يبرر بدوره استمرار القبضة الأمنية وتقطيع العلاقات الأفقية بين المواطنين وقطع الاوكسيجين عن المجتمع بأكمله.

 اليوم وبعد أن نفض الشعب السوري أغلال الخوف والمذلة عن جسده، يجد نفسه مطالباً بإعادة النظر في البنية الإدارية لسوريا، وهذا بدوره يتطلب التفاوض بين مختلف المناطق والشرائح الاجتماعية والثقافية والسياسية من أجل التوصل إلى رؤية مشتركة. في الواقع نحن مطالبون بالقيام بهذا الدور الآن، لإثبات قدرة السوريين على تشكيل البديل عن نظام الأسد وكأن الشعب مطالب بإعادة اختراع سورية من جديد بعد أن دمرها نظام الأسد. كل ذلك يقع اليوم على عاتق المجتمع السوري. كلنا متفقون بالقول أن من دمّر البلد والمجتمع أي الأسد، لا يصلح لإعادة تركيبه وإعماره، لذا يجب أن يرحل. لكن لا نستطيع أن ننفي أن الدمار قد حصل وأن إعادة تركيب المجتمع والدولة أصبح من مسؤولية المجتمع والمعارضة السياسية بكل أطيافها.

ننطلق من الوعي الذي تشكل عند كل سوري، هذا الوعي المؤلم بأن ليس هناك أي جهة ستساعدنا على الخلاص، ونؤكد على أننا لا نسعى  إلى أن تنقذنا جهة غير سورية من بعضنا البعض، وأن مصيرنا اليوم هو أن ننجو سوياً أو أن نغرق جميعاً. دعونا نخوض إذن في هذا النقاش ونبحث في تجربتنا التاريخية وتجارب دول أخرى، قريبة كانت أم بعيدة. لقد ثبت أن حسن إدارة التنوع، وبعد أن عبث النظام بهذا التنوع، يشكل الأولوية من أجل أن يتعافى المجتمع من الشر الذي سعى النظام  إلى إغراقنا فيه.

حسن إدارة التنوع يبدأ من اسم الدولة واختيار رمزها من خلال علمها، ووضع البنود التي تضمن سلامة المجتمع في دستور البلاد ثم صك القوانين لتطبيق المبادئ الدستورية وبناء المؤسسات التي تضمن تطبيق الدستور والقوانين التي تضمن التطبيق الفعلي لمبدأ المساواة، بدءاً بالمساواة بين الرجال والنساء، والقوانين الخاصة بمكافحة التمييز، وصولاً إلى السياسات العامة في مجالات التعليم والثقافة والإعلام والعمل.

من الواضح، ليس فقط من التجارب الأخرى، بل من تجربتنا التاريخية، أنه لا يجوز ان تعطى الدولة هوية دينية، وهذا من منطلق مبدئي، ومنطلق عملي كذلك. فقد كان الدستور العربي السوري لعام 1920، الذي كان الشيخ محمد رشيد رضا أهم من شارك في صياغته، هو الأكثر علمانية وديمقراطية في الشرق الأوسط، إذ ضمن مساواة المسلمين وغير المسلمين في ظل القانون وفي حرية المعتقد، ولم يشر الدستور إلى الشريعة الإسلامية كمصدر للتشريع ولا إلى الدين الإسلامي كدينٍ رسمي للمملكة. وحينما انتقد الإسلاميون غياب ذكر الإسلام كدين الدولة، تصدى لهم رشيد رضا بقوله إن الدستور هو الذي يضع الإطار للوطن وللمواطنين، فكيف تريدونني أن أكتب دستوراً للمسلمين فقط؟

كذلك، ووفقاً للمنطق نفسه، هل يعقل أن نعرّف الدولة بهوية ثقافية، حتى إذا كانت تعرب عن ثقافة الأغلبية، إذا كان هذا التعريف سيجعل جزءاً من الشعب السوري يشعر بأنه مواطن من الدرجة الثانية؟ وكيف يمكننا أن نطلب من السوري الكردي أن يتخلى عن مشروعه القومي إذا لم نقل له إن سوريا تتسع لتطلعاته؟

إذا كنا نؤمن فعلاً بأن وحدة الشعب السوري هي القيمة المقدسة التي تعلو على جميع الهويات الثقافية والدينية والخلفيات الإيديولوجية، فعلينا جميعاً أن نفكر ببناء وطن للجميع حرمنا منه ومن الشعور فيه بالمواطنة على مدى نصف قرن.

في المقابل، نقدر أيضاً أن فرض نمط حياة ونظام اجتماعي على فئات من المجتمع تؤمن بدور الدين في تنظيم أحوالها الشخصية يتعارض مع مبدأ الحرية. لذلك لا بد من نقاش معمق ومن فتح المساحة المدنية المحايدة تجاه كل الأديان والمعتقدات، ليلتقي فيها جميع المواطنين ويصبح من الممكن بناء المواطنة المشتركة التي نتشدق بها دون النظر فيما تعنيه. إذا استطعنا أن نصل  إلى توافق فعلي حول هذه الرؤية، فإنها ستشكل نقطة انطلاق العمل من أجل إنقاذ وطن اسمه سوريا.

*أكاديمية ومديرة تنفيذية لمبادرة الإصلاح العربي