الصفحة الرئيسية رأي وتحليل عن ثورة السوريين في تحولاتها ومآلاتها

عن ثورة السوريين في تحولاتها ومآلاتها

اندلعت الثورة السورية، مثلها مثل الثورات في البلدان العربية الأخرى، بسبب تضافر مجموعة من العوامل العميقة والمؤثرة، أهمها، الانعتاق من الاستبداد السياسي، الذي هيمن على البلد لنصف قرن، فقوض الدولة والمجتمع، بتحويله الدولة إلى مجرد جهاز للسلطة، بدلاً من كونها دولة مؤسسات وقانون، وبحرمانه المواطنين من الحقوق والحريات الأساسية، أي بتقويضه مكانة المواطن، وبالتالي حؤوله دون قيام المجتمع السوري، كمجتمع مواطنين أحرار ومتساوين. وفي كل الأحوال فقد تضافر الاستبداد السياسي مع سياسات النهب والإفقار على الصعيد الاقتصادي، إذ إن السلطة التي استولت على الدولة واحتكرت السياسة والقرار في القضايا السيادية، هيمنت على الموارد الاقتصادية أيضاَ، وانتهجت سياسة الليبرالية المتوحشة المتحررة من أية قوانين أو معايير، تمثل ذلك في احتكار القطاعات الأساسية في الاقتصاد، ووضع اليد على الأراضي واحتكار الاتجار بالسلع الأساسية، كل ذلك مع سياسة إفقار للمجتمع، وتدني الحد الأدنى للأجور. وقد شملت حال الاستبداد كل المجال العام، من تعليم وإعلام بل ورياضة وفنون، ناهيك التسلط على التشريع والقضاء، السلطتين اللتين باتتا تتحركان وفقاً لتعاليم المسؤولين في أجهزة الأمن المعنية، أي إن كل شيء بات ملكاً لنظام الأسد، بحيث بات الشعار المشين: “سوريا الأسد إلى الأبد”، هو الناظم لمسار البلد منذ نصف قرن، مع كل ما يشكله ذلك من امتهان لكرامات الشعب السوري، بحيث أن قصة أطفال درعا، التي حرّضت على الثورة، كانت بمثابة الشعلة التي أضرمت النار في الهشيم.

هذه هي المحرّضات على الثورة، لكن، في المقابل، هل كان ثمة طريق آخر للتغيير، أو للخروج من هذا الاستعصاء التاريخي؟ هل كان ثمة طريق ديمقراطي أو سلمي؟ أو هل كان ثمة مجال لحراك شعبي؟ في الحقيقة فإن النظام لم يترك مجالاً للسوريين للتغيير، إلا وسدّه بالقوة وبوسائل الهيمنة، فمجلس الشعب انتخاباته مزوّرة وأعضاؤه مجرد أدوت، والسلطة القضائية يتولى رئاستها الرئيس ذاته، وهي “لا تحل ولا تربط” ناهيك عن انخراطها في علاقات الفساد. أما المجتمع المدني فلا وجود له، إلا على شكل اتحادات شعبية يعين قياداتها النظام، وبالنسبة للأحزاب السياسية فهي ممنوعة باستثناء أحزاب الجبهة التقدمية التي تشتغل تحت سقف الوطن، أو سقف النظام، في حين كان ثمن الانتماء لباقي الأحزاب الممنوعة، التي ظهرت بين فترة وأخرى، باهظاً جداً، إذ اعتقل معظم منتسبيها لعشر سنوات أو لعشرين سنة، وذاقوا صنوف التعذيب.

هكذا اندلعت الثورة السورية، ضمن المعطيات المذكورة، وقد واجهها النظام كما هو متوقع بالحديد والنار، بالهراوات وعصابات الشبيحة، منذ البداية، في حقبة الكفاح الشعبي السلمي في السنة الأولى، الأمر الذي أدى إلى ولادة ظاهرة “الجيش الحر”، وبداية تكون الظاهرة المسلحة.

بعد ذلك، أي بعد العام الأول للثورة (بين مطلع 2011 ومطلع 2012)، وحصول مجازر الحولة والتريمسة وبانياس، وفض اعتصام ساحتي النواعير في حماه والساعة في حمص بالرصاص والدبابات، انفجر الصراع السوري في كل الاتجاهات، وبات كل شيء خارجاً عن السيطرة والمعقول: النظام، والثورة، والمكونات المجتمعية، والتشكيلات العسكرية، والقوى الإقليمية والدولية. وثمة عوامل رئيسة، تسلسلت، وأدت إلى ذلك، أولها العنف التدميري الذي انتهجه النظام، الذي تصرّف ضدّ شعبه، منذ البداية، كأنه قوة غريبة، أو قوة احتلال. وثانيها تخاذل المجتمع الدولي، رغم أن ما حصل، وضمنه استخدام الطائرات والكيماوي، لكسر أكثرية السوريين، غير مسبوق، وغير مقبول في المعايير الدولية. وثالثها طول أمد الثورة، مع استعصاء أحوالها، وتهتّك قواها، وتقيّح جراحاتها. ورابعها تفجّر التناقضات والانشقاقات في معمعان الثورة، وقبل إسقاط النظام، على خلاف ما حصل في الثورتين المصرية والتونسية. وخامسها تعذّر توليد مركز قيادي أو مرجعية مؤسّسية للثورة، في السياسة والعسكرة والعمل المدني.

المشكلة أن هذه العوامل ولّدت بدينامياتها وتداعياتها ومداخلاتها الخارجية تحوّلات نوعية، وعميقة، بحيث لم تعد الثورة تلك التي عرفناها، أو وضعنا أملنا فيها في أشهر انطلاقتها الأولى، على عديد الصعد.

هذا حصل، أولاً، بسبب إزاحة الناشطين المدنيين، والسلميين، وتمثيلاتهم السياسية، مقابل طغيان البعد العسكري، وهيمنة الجماعات العسكرية، على تبايناتها، على مشهد الثورة. وقد لعب النظام دوراً كبيراً في إيصال الأمور إلى هذه الحال، لطبع الثورة بلون معين، وذلك بتقصدّه استهداف هؤلاء، بالقتل والاعتقال والمطاردة، فبات يستحيل عليهم التواجد في مناطق سيطرة النظام. أما في المناطق التي باتت تخضع لجماعات «الفصائل العسكرية “الإسلامية”» فإنها لم تخل من التضييق عليهم، أيضاً، بمختلف الأشكال، سيما في حال شكلوا حالة نديّة لهذه الجماعات؛ وهذا حصل باعتقال الناشطة والحقوقية المعروفة رزان زيتونة وسميرة الخليل وناظم حمادي ووائل حمادة في دوما.

الإزاحة الثانية تمثلت باحتلال الصراع العسكري مشهد الثورة السورية، وحصل ذلك، أيضاً، باختفاء اشكال النضال السلمية والشعبية، إذ بات الصراع كأنه بين النظام ومجرد جماعات مسلحة، ما سهل على النظام استخدام قوته المفرطة في محاولته وأد الثورة، والترويج لروايته على الصعيدين الداخلي والخارجي بأنه يقاتل الإرهاب، مع استدعائه للتدخل الإيراني والروسي.

الإزاحة الثالثة تمثلت بإحلال الفصائل العسكرية “الإسلامية” محل «الجيش الحرّ»، الذي كان انبثق من ظاهرة المنشقين عن الجيش النظامي، علماً أن تلك الفصائل مدعومة من دول إقليمية ومرتهنة لها. وبالنتيجة فإن هذه الفصائل احتلت مشهد الصراع السوري، بحيث أضرت بالثورة وبالسوريين، إن في غياب استراتيجية عسكرية واضحة لها، أو في تخبّطها في إدارة المناطق المحررة، وانتهاكها الحريات فيها، وارتهاناتها الإقليمية، ونمط خطاباتها المستندة إلى خطابات دينية متطرفة. وفي المحصلة، فقد ثبت الآن أن هذه الفصائل، في معظمها، لم تكن تتمثل مصالح السوريين، بقدر تمثلها لمصالح الداعمين، والارتهان لتوظيفاتهم، ثم إنها لم تستطع الحفاظ على المناطق التي كانت في حوزتها.

وقد تمظهرت الإزاحة الرابعة بدفع الثورة من المدن وحصرها بالأرياف الطرفية، حيث توخّى النظام من ذلك الظهور بمظهر المدافع عن الطبقات الوسطى، والاستقرار المديني، ونمط الحياة في المدن، في ما يعتبره مواجهة مع الفئات الريفية، والقوى الطائفية، والجماعات الدينية المتطرفة. وبالطبع، فإن النظام توخّى من ذلك، أيضاً، الحفاظ على تجميع قواته العسكرية، وعدم نشرها أو تشتيتها في المناطق السورية الواسعة.

الإزاحة الخامسة، والأكثر عمقاً وخطورة، تتعلق بإخراج الشعب أو أغلبية السوريين من معادلات الصراع، وهو أمر ما كان ليحصل لولا انتهاج النظام لمبدأ تدمير البيئات الحاضنة للثورة والمتعاطفة معها، وتدفيعها أثماناً باهظة، وضمن ذلك تدميره أحياء بأكملها في المدن، ما أدى إلى تشريد الملايين، مع حرمانهم من الأملاك وأماكن العمل والقدرة على العيش. ولا شك في أن هذه الحالة أثقلت على الثورة، كما جعلتها بمثابة عبء على المجتمع، مع كل هذه الكلفة البشرية والمادية. 

أما الإزاحة السادسة، فتتمثل بتغير معنى ثورة السوريين، فهذه لم تعد ثورة على الاستبداد، فقط، إذ بات الأمر، كما قدمنا، يتعلق بتحقيق أو عدم تحقيق توافقات حول المستقبل المشترك للسوريين، وضمنه ما إذا كانت هذه ثورة سياسية وديموقراطية أم أنها ثورة طائفية أو دينية.

الإزاحة السابعة وهي تفيد بانحسار البعد الداخلي، أو تآكل أدوار طرفي الصراع الأساسيين (النظام والمعارضة)، لمصلحة البعد الخارجي، أي القوى الدولية والإقليمة، مع عدم قدرة النظام على الاستمرار، وعدم قدرة الثورة على الحسم لمصلحتها، بالوسائل السلمية أو العسكرية، سيما مع ارتهانها للخارج، واختفاء الشعب من هذه المعادلة، ومع كل التلاعبات والتوظيفات  في الوضع السوري، من قبل اللاعبين الدوليين والإقليميين، بخاصة الولايات المتحدة وروسيا وإيران وتركيا.

وعلى الأرجح فإن مصير سوريا اليوم بات في عهدة التوافقات الدولية والإقليمية أكثر مما هو في عهدة نتائج الصراع الدامي والمدمر على الأرض. كان الله في عون السوريين.

*كاتب سياسي فلسطيني