مشاركة

محمد عزام*

تعيش مناطق ريف حماة الجنوبي (بقسميها الشرقي والغربي) نوعاً من الحصار الذي تفرضه عليها قوات الأسد منذ سنوات، إلاّ أنه بطبيعة الحال ليس حصاراً تاماً، حيث توجد بعض الحواجز التي تسمح بمرور المدنيين سيراً على الأقدام (دون السيارات)، والانتقال إلى مناطق سيطرة النظام، بينما تسمح حواجز أخرى بمرور بعض السيارات الخاصة فقط.

ولا تتيح تلك الحواجز أو “المعابر” كما يطلق عليها أهالي المنطقة، المرور عبرها بشكل دائم، بل يسير الأمر تبعاً لمتغيرات الحالة العامة للمنطقة، فالمسموح هنا اليوم قد يكون ممنوعاً غداً، والممنوع قد يصبح مسموحاً، لا قاعدة ولا قانون يطبق هنا، وإنما مزاجية من يسيطر على تلك الحواجز ويتحكم بها.

وتضم المنطقة المحاصرة، نسبياً، قسمين متجاورين من ريفي حمص الشمالي وحماة الجنوبي، يقسمهما نهر العاصي إلى (شرقي وغربي)، ولا يمكن الفصل بين الريفين نتيجة التداخل الكبير بينهما. هذا ويوجد في القسم الشرقي حالياً معبران أحدهما معبر (الدار الكبيرة في أقصى الجنوب) وهو معبر مشهور عقدت فيه مؤخراً جلسات الحوار مع القوات الروسية، ويسمح في هذه الفترة بدخول وخروج المدنيين “سيراً على الأقدام” خلال أوقات محددة، كما تمر عبره سيارات البضائع باتجاه المنطقة. والآخر معبر “تقسيس” في الشمال الشرقي، الذي يسمح بمرور المدنيين (من​ أهالي المنطقة المجاورة فقط) بسياراتهم وسيارات النقل العام وشاحنات البضائع.

وفي القسم الغربي من الريف يوجد معبران أيضاً، هما معبر (عقرب – بعرين)، ومعبر (خربة الجامع)، وكلاهما من الجهة الشمالية، وهما مخصصان لإدخال البضائع، حيث يسمح حاجز “معبر” بعرين“ فقط “لأهالي خربة الجامع بالمرور عبره. وأضيف منذ فترة معبر ثالث هو (معبر السمعليل) بهدف خروج ودخول المدنيين، لكنّه لم يدم أكثر من شهر، حيث تم إغلاقه بسبب “اعتراض فرع الأمن العسكري في حمص” على وجوده.

ويمكن تلخيص حالة المعابر في ريف حماة الجنوبي وأسس إنشائها، بأنها تتم بموجب اتفاقات بين ضباط (أمنيين غالباً)، يملكون السلطة على الحاجز بالتنسيق مع بعض التجار للسماح لهم بإدخال المواد بكافة أنواعها، وذلك مقابل دفع مبالغ مالية تختلف بين معبر وآخر، لكنّ الفترة الأخيرة شهدت توحيداً للمبالغ (الإتاوات) التي تفرض على البضائع المنقولة، وتم تعميم ونشر جدول بلائحة الأسعار والقيمة المضافة من قبل المتحكمين بالحواجز على كل سيارة تدخل المعبر، حسب حجمها أولاً، وحسب نوع حمولتها ثانياً، شمل ذلك معابر (تقسيس، الدار الكبيرة، عقرب، وخربة الجامع).

وهكذا، “بين ليلة وضحاها ارتفعت أجرة السيارة من ٢٥٠ ألف ليرة سورية (ما يساوي حوالي خمسمائة دولار أميركي) إلى ثمانمائة ألف ليرة سورية”، بهذا افتتح “أبو عبدو” وهو (تاجر جملة) حديثه، مضيفاً أن “التكلفة تضاعفت أكثر من ٣٠٠٪ وهذا يعني توزيع الكلفة الإضافية على البضائع، ما سيرفع أسعارها. وهذا ليس تلاعباً مني، إنما واقع لا مفر منه، فإما أن تأخذ بالسعر الجديد أو لن تحصل على بضاعة أبداً، فهم من يتحكم بالحاجز ولا خيار لديّ سوى القبول”.

ويتابع أبو عبدو أن “الإتاوة” المفروضة على الحمولة يتم توزيعها على البضائع، موضحاً: ”إذا كانت البضاعة بالوزن كالطحين أو السكر أو الأعلاف، فإن الإضافة تتم على الكيلو الواحد، فيتم تقسيم المبلغ على حمولة السيارة، لنحصل على تكلفة الكيلو الواحد، وبناءً عليه نضيف هذه القيمة لسعر الكيس كاملاً. وكمثال على البضائع المذكورة، يكلف الكيلوغرام الواحد وسطياً من٧٠-٨٠ ليرة سورية، أما إذا كانت البضاعة قِطعاً كالزيت والسمن، فيتم الحساب على القطعة الواحدة التي يتم تحميلها مبلغاً بين٦٠٠ أو ٧٠٠ ليرة سورية، وذلك حسب العدد الكلي، وهكذا..”. ويؤكد أبو عبدو، أن الأسعار ليست مرتفعة كثيراً إذا ما قورنت بأسواق أخرى كمدينة حماة مثلاً، وهي اليوم تعد المصدر الأساسي للبضائع القادمة إلى المنطقة، باستثناء المواد المدعومة هناك من الحكومة كالخبز والمحروقات”.

أما “أبو علي ميرزا” وهو صاحب بقالية صغيرة، فيخبرنا أنه بمجرد أن تنتشر أي إشاعة عن إغلاق الطريق، سرعان ما يهجم الناس على المحلات وكأنّ مجاعةً سوف تحدث، ويقومون بشراء وتخزين كل شيء، (سكر، متة، شاي، سمن…) وهو ما يتسبب بتفاوت كبير بين الطلب والعرض، ويؤدي إلى اختفاء السلع من المحلات نتيجة عدم وجود بديل للمواد المباعة وانقطاعها من المصدر”.

ويضيف، تكرر هذا الأمر كثيراً، وفي كل مرة يعود المعبر ويفتح من جديد، تعود البضائع للسوق، لكنّ الناس لم تتعلم وما زالت تشك في المستقبل دوماً.

ويرى “فادي الفهد” من أبناء المنطقة، أن السبب وراء كل ذلك هو جشع التجار واحتكارهم للبضائع، وأن هذه حقيقة لا شك فيها، غالباً ما تجد كل البضائع في المحلات في نهاية اليوم، ليختفي معظمها صباح اليوم التالي، وبعد ثلاثة أو أربعة أيام (كحدٍ أقصى) لن تجد شيئاً من المواد المطلوبة بشدة، وتستمر الحال ليومين إضافيين ثم تعود المواد للظهور ولكن بسعر جديد.

ويضيف الفهد أنه “عند إغلاق المعبر في المرة السابقة كان سعر علبة المتة ٥٠٠ ليرة سورية، وفي اليوم التالي أصبحت بـ ٥٥٠ وبعد يومين اختفت من السوق بشكل كامل، وبعد أسبوع عادت لتملأ السوق من جديد، لكن سعرها أصبح ٧٠٠ ليرة”.

من ناحية أخرى توقّف السوق المحلي عن الإنتاج، و أدى اعتماده على المواد المستوردة من الخارج بشكل شبه كامل وخصوصاً على البضائع التركية، إلى تأثر السوق بسعر صرف الدولار (المتذبذب) بطبيعة الحال، وهو ما ساهم بتقلبات كثيرة في الأسعار بين الصعود والهبوط.

“الناس لا تحب الاعتراف بالواقع مع أنهم يعلمون الحقيقة”، بهذه الكلمات تحدث أحمد وهو تاجر محروقات، مضيفاً “أدفع ثمن المحروقات بالدولار وأبيعها بالسوري في السوق. هذه المحروقات تأتي من لبنان ومن الطبيعي أن تزيد أسعارها عند ارتفاع سعر الصرف”.

وعند التدقيق في سعر الوقود في المنطقة، وسعره في المناطق الأخرى، وجدنا اختلافاً شاسعاً وفرقاً كبيراً، وهو ما عزاه التاجر “أحمد” لما قال إنه ضرائب كبيرة يفرضها الحاجز على جرة الغاز أو برميل المازوت أو البنزين.

ويرى بعض المدنيين في المنطقة أن التجار يستعملون سعر صرف الدولار كحجة لا أكثر، فعندما يرتفع سعر الصرف ترتفع أثمان البضاعة مباشرة، ولا يتأخر أي تاجر عن تحديث سعر بضاعته ولو للحظة واحدة، أما عندما ينخفض سعر الصرف فإن الأسعار تبقى كما هي، ولا تنخفض إلا نادراً وبمقدار بسيط، وغالباً ما تتوقف المحلات عن بيع بضاعتها بحجة أنهم اشتروها “بالغالي ولن يبيعوها بالرخيص”.

كثيراً ما تحدث عمليات بيع توافقي تجري بين التجار، حيث يتم اعتماد أحدهم كمتخصص بسلعة معينة، فلا توجد عند غيره كأنه (وكيل حصري) لها، ما يجبر السوق على الاتجاه إليه والشراء منه، وهو بالتالي يبيعها بالثمن الذي يريده. ويرى “أبو الوليد” أحد المدنيين في المنطقة، “أن التجار يتقاسمون الأدوار فيما بينهم ليتحكموا بالسوق كما يريدون”.

تشير أغلب الآراء إلى سخط كبير على التجار، حيث يرى الجميع أنهم المسؤولون عن ارتفاع أسعار البضائع في ظل غياب أي نوع من الرقابة عليهم، وتحكمهم بالسوق المحلي بناءً على علاقاتهم الجيدة مع جميع الجهات المؤثرة.

ورغم صعوبة الحياة والغلاء المعيشي والتضخم الكبير، ما زالت الأوضاع العامة في الريف الجنوبي بعيدة عن الانفجار، كونه يعتمد بدرجة كبيرة على إنتاجه الذاتي لدعم حياته اليومية. لكنّ ذلك لا يلغي وجود الكثير من البقع المظلمة، منثورة هنا وهناك في حياة أهل المنطقة جميعاً.

*فريق بوابة حماة