محمود درويش*

ترتفع وتيرة المعارك بين كتائب الثوار وقوات الأسد في ريف حماة الشمالي لفترات معينة وتنخفض في فترات أخرى. ورغم تمكن كتائب الثوار من إحراز تقدم ملوس في معاركهم، إلا أنه سرعان ما تستعيد قوات الأسد السيطرة على المساحات الجغرافية التي سيطرت عليها الكتائب، بسبب شراسة المعارك، واستماتة قوات الأسد في الدفاع عن نقاط تعتبرها خطوطاً حمراء، وامتصاص الهجوم وشن هجمات معاكسة تفضي دائماً إلى عودة خارطة السيطرة إلى سابق عهدها.

شراسة المعارك هناك تفتح باب التساؤل دائماً عن الأهمية الاستراتيجية للمنطقة التي تستخدم فيها قوات الأسد جميع أنواع الأسلحة، للحفاظ عليها ومنع تقدم كتائب الثوار إليها، كانت أشرسها صيف عام 2016، إذ استخدمت قوات الأسد الأسلحة الكيميائية المحرمة دولياً، بعد عجزها عن صد هجمات الثوار الذين طرقوا يومها أبواب مدينة حماة ومطارها العسكري.

كذلك يتمتع ريف حماة الشمالي بطبيعة جغرافية متنوعة، بين السهول والوديان ونهر العاصي الذي يشكل حاجزاً طبيعياً وسط جغرافية حماة، من مدينة اللطامنة شمالاً حتى مدينة حماة جنوباً، فضلاً انخفاض الأرض قرب نهر العاصي (الزوار) وكثافة الأشجار في تلك المنطقة، ناهيك عن سلسلة الوديان المعقدة المتوزعة في شرق نهر العاصي وصولاً إلى الأوتوستراد الدولي (حماة -حلب).

العقيد “مصطفى بكور” القيادي في جيش العزة قال لبوابة حماة: “يعد ريف حماة الشمالي ذا موقع استراتيجي هام بالنسبة للثورة والنظام على حد سواء، بسبب متاخمته من جهة الشرق للمناطق الموالية للنظام. كما أن اتصاله الجغرافي مع ريف إدلب الجنوبي، ومنطقة الغاب التي تعتبر مدخلاً إلى ريف اللاذقية حيث تمر أهم الطرق الرئيسية في ريف حماة الشمالي، كطريق حماة حلب، وطريق (السقيلبية – قلعة المضيق) منحه أهمية كبيرة بالنسبة لنا كثوار”.

وأضاف “بكور” أن “ريف حماة الشمالي تلقى النصيب الأكبر من التدمير المتعمد للبنى التحتية، والمجازر، خاصة كفرزيتا واللطامنة والمزارع المحيطة بها، وقد صمد ريف حماة الشمالي صموداً أسطورياً في وجه هجمات النظام المتتالية، ومنها الهجمة الروسية أواخر عام 2015، ما جعله يشكل نقطة سوداء لدى النظام وداعميه، هذا بالإضافة إلى إشراف ريف حماة الشمالي على العديد من المرافق الحيوية، كسد محردة، ومحطة محردة الحرارية، ومرافق أخرى تؤثر على حياة شريحة كبيرة من الناس في مناطق متعددة”.

وتابع “بكور” أن “ريف حماة الشمالي الشرقي، يتمتع بخصوصية تفرضها طبيعة المنطقة الصحراوية التي تمتد من شرق صوران، إلى أوتوستراد السلمية حلب (طريق إثرية – خناصر)، الذي يعد طريق إمداد إلى عقيربات وحلب والرقة، والسيطرة عليه تهدد طرق الإمداد تلك”.

وعلى الرغم من تحويل قوات الأسد القرى والمدن التي يَعتبر سكانَها أقلياتٍ دينية، إلى ثكنات عسكرية كمحردة والسقيلبية، إلا أن كتائب الثوار في كل مرة تصل إلى خطوط التماس مع هذه المدن، ترسل رسائل تطمين إلى سكانها، مفادها أن الهدف هو قوات الأسد والميليشيات المساندة له، والسكان هم أخوة وأشقاء في الوطن.

يرى الملازم أول “أبو الحمزة” أحد القادة الميدانيين، أن النظام يعتبر محافظة حمص خزاناً استراتيجياً له، وحماة الخزان الاستراتيجي والبشري للثوار، وبمجرد سيطرة الثوار على حماة سيستفيدون من الخزان البشري، الأمر الذي ينعكس سلباً على النظام خاصة أنه يستميل قسماً قليلاً منهم الآن إلى جانبه، بالإضافة إلى تحييد الأكثرية.

ويتابع، “يتجاوز عدد سكان مدينة حماة /900000/ نسمة شارك معظمهم في المظاهرات السلمية في بداية الثورة، ويتوقع أن ينخرط الآلاف من شبابها في صفوف الثوار سواء في المجالات العسكرية أم المدنية”.

وأضاف “أبو الحمزة”، أن مطار حماة العسكري يتمتع أيضاً بموقع استراتيجي حيث تنطلق منه قذائف المدفعية والصواريخ نحو مناطق الشمال بشكل كامل نظراً لموقعه الذي يتوسط سوريا، وبالتالي تستطيع طائرات حربية وحوامات  تنطلق منه، الوصول إلى أي مكان في الاتجاهات الأربع المحيطة.

كما يجاور المطار العديد من القرى الموالية، التي يقاتل جزء من أبنائها إلى جانب قوات الأسد على جبهات عدة في سوريا، وسقوط المطار يعني انسحاب المقاتلين والعودة إلى قراهم للدفاع عنها، ما يحدث تراجعاً وبالتالي خلخلة في صفوف قواته.

ولعل السبب الأبرز والأهم اقتصادي، حيث يعتبر ريف حماة الجنوبي والشمالي بأرضه الخصبة سلة غذائية مهمة لكافة أنواع الخضروات والفواكه، التي تغذي المناطق الساحلية. كما أن الريف الشرقي الذي تغلب عليه الطبيعة الصحراوية البدوية، يعد مصدراً مهماً للمنتجات الحيوانية من أجبان وألبان ولحوم، وفقدان النظام لمثل تلك الأرياف يفقد مدينة حماة أهميتها كمدينة تعتمد بشكل رئيسي على اقتصاد قائم على المنتجات الزراعية والحيوانية”.

وأردف “أبو الحمزة”، أن النظام فكر ملياً في طريقة لكسب حماة، فكان التجار أول من وقف في صفه حماية لتجارتهم وأعمالهم. وبعد تكرار المحاولات التي انتهت بالفشل في الوصول إلى المدينة، باتت مدينة حماة اليوم من أكبر الداعمين لاقتصاد حكومة الأسد، بسبب حفاظها على تجارتها واقتصادها، وبسبب ما رآه التجار من استماتة النظام في الدفاع عنها، وعدم قدرة الثوار الوصول إليها، ما كرسها لتكون سلته الآمنة المنشودة”.

هذا وتعتبر فصائل جيش العزة وجيش النصر والفرقة الوسطى من كبرى الفصائل التابعة للجيش الحر المتواجدة في المنطقة، والتي يشكل غالبها عناصر من أرياف حماة الشمالية والغربية، بالإضافة إلى هيئة تحرير الشام التي تتواجد في ريف حماة الشرقي والشمالي الشرقي من المحافظة. وتتمركز مجموعات تابعة للفصائل الأساسية (جيش العزة، جيش النصر، الفرقة الوسطى) بالإضافة إلى مجموعات أخرى، مقابل الحواجز العسكرية لقوات الأسد في المنطقة، منعاً لتقدم القوات المتواجدة في الحواجز باتجاه المناطق المحررة، ولحماية المدنيين الموجودين على قلتهم في القرى المحاذية لها.

وتقدم المكاتب الخدمية والإغاثية في تلك الفصائل، خدماتها للمدنيين الذين آثروا البقاء في قراهم رغم تعرضها اليومي للقصف بالطيران الحربي، الذي لم يستثن مدنياً ولا بيتاً ولا أرضاً زراعية، إلا أن الطبيعة الوعرة لعبت دوراً إيجابياً مكّن المدنيين من حفر “المغاور” واللجوء إليها عند الشعور بالخطر، أو استخدامها للسكن بشكل دائم.

يخبرنا “زكريا العمر” مدير جمعية العزة للأعمال الإنسانية: “تمثل جمعيتنا المكتب الإنساني والإغاثي في جيش العزة، وتقدم خدمات عديدة للمدنيين في المناطق التي يمتلك فيها جيش العزة حاضنة شعبية، كالخبز والكهرباء والماء، وهي خدمات تقدم بشكل يومي للمدنيين، ما يخفف من معاناتهم في ظل استمرار القصف”.

ويتابع “العمر”، حول الوضع الأمني الذي يعيق بشكل كبير تقديم الخدمات في الوقت المحدد وباستمرار: “نحن في خط جبهة مستهدف بشكل دائم، فعلى سبيل المثال قمنا بتوصيل شبكة بسيطة للكهرباء، وعندما تقصف المدينة تدمر الشبكة، ويلحق الخراب بالمولدات وشبكاتها، نفس الأمر بالنسبة لشبكة المياه القديمة، فما إن أعدنا تأهيلها حتى دمرت الهجمة الأخيرة أغلب خطوط الشبكة، أما بالنسبة لمادة الخبز فإننا نعاني دائماً من التأخير في وصوله إلى مستحقيه في المناطق السكانية بسبب القصف”.

وفي ظل الهدنة السابقة ساد هدوء جبهات أرياف حماة الشمالي والشمالي الشرقي، ما منح المدنيين متنفساً لمتابعة أعمالهم والوصول إلى مزارعهم، إلا أن النظام عاد لسياسته القديمة في منع أي مظاهر للحياة في المنطقة من تعليم وصحة وخدمات، الأمر الذي يجعل المنظمات تمتنع عن تقديم خدماتها للريف حفاظاً على سلامة كوادرها، وإيماناً منها بعدم جدوى تنفيذ المشاريع في منطقة هي أشبه ما تكون بجبهة مفتوحة على فوهة بركان، متوقع انفجارها في أي لحظة.

هناك عدة نقاط طبية تقدم المساعدات الصحية للمدنيين، ومشفى يحتوي على غرفة عمليات يتم فيها إجراء العمليات الجراحية والعظمية مجاناً. وتعد مدن وقرى ريف حماة الشمالي منكوبة، إذ لا يتجاوز عدد سكانها الحاليين ١٠٪ من سكانها سابقاً، معظمهم من عوائل المقاتلين، إضافة للمزارعين الذين أصروا على متابعة أعمالهم في الأراضي الزراعية، وخاصة مزارعي أشجار الفستق الحلبي والزيتون والفاكهة، التي تحتاج لرعاية مستمرة وتأتي بمردود اقتصادي جيد لهم.

 “نافع البرازي” رئيس مجلس محافظة حماة الحرة، قال “إن المجلس الحالي والمجالس السابقة للمحافظة حرصت على تقديم خدماتها للمتضررين من أرياف حماة، خاصة الشمالية والشمالية الشرقية، وقدمت مشاريع تمت الموافقة عليها من الجهات الداعمة، إلا أنه لم يتم تنفيذها بسبب الوضع الأمني المتوتر هناك”.

وأضاف “البرازي”، أن مجلس المحافظة يقدم السلل الإغاثية للمتضررين، “وهذا أضعف الإيمان”، إضافة لخدمات عديدة أخرى قامت بها المجالس المحلية الفرعية، “كمشروع إزالة الركام في مدينة مورك الذي بدأ تنفيذه، لكنه توقف في وقت لاحق لأسباب أمنية، وبعض مشاريع الصيانة لبعض الطرقات والنظافة”.

تحاول مكونات المجتمع المدني والعسكري في حماة، تهيئة ظروف مناسبة لاستقرار المدنيين في قراهم ومدنهم المحررة، إلا أن الأهمية الاستراتيجية للمنطقة واستمرار قصف النظام لها، تجعل المدنيين الخاسر الأكبر، لوقوعهم في المنطقة الحساسة التي تهم السيطرة عليها جميع الأطراف العسكرية، كونها تشكل بوابة لريف إدلب، عدا عن كونها بوابة لمدينة حماة.

*فريق بوابة سوريا – حماة