عاش السوريون سبع سنوات من الحروب الدامية، فقدوا فيها أهلهم وأحبتهم قتلاً أو في المعتقلات، وخسروا بيوتهم وأحياءهم بالقصف والنزوح والتهجير.

من هنا كانت المفاوضات والمباحثات الدولية بما تمخض عنها من هدن، بارقة أمل للشعب الذي فاقت معاناته حد الاحتمال. في الجنوب السوري، وتحديداً في محافظة القنيطرة، ورغم كل المعوقات، وما يشوب الهدن من قصف واختراقات على الجبهة الشمالية للمحافظة، إلا أنها تبقى قائمة، ويبقى الشعب يأمل ويتطلع من خلالها رغم خوفه الذي لا يستطيع أن يخفيه على أحد. وقد ساعدت الهدن على استقرار نسبي، فشهدت المحافظة في الفترة الأخيرة عودة لكثير من عائلات الريف إلى قراهم وبيوتهم.

كما أتيح العمل على ما نشاهده من نشاط للمنظمات الإنسانية، من إعادة ترميم المدارس، و ما نراه جلياً من حركة للعمران والبناء التي تشهدها أغلب مناطق المحافظة، كذلك الحركة التجارية بيعاً وشراء و افتتاح الأسواق، ولانغفل ازدياد مساحة الأراضي المزروعة بالحبوب من قبل الأهالي، وزيادة إنتاج الدواجن وافتتاح مزارع جديدة له، وهذا ما يظهر في انخفاض أسعاره بشكل ملحوظ.

كان من نتائج الهدنة كذلك افتتاح الطرق التي تربط مناطق سيطرة المعارضة بمناطق سيطرة النظام، وفي هذا الصدد أجرت بوابة القنيطرة استطلاعاً لرأي الشارع في محافظة القنيطرة حول فتح المعابر، وما هي الفوائد المرجوة من فتحها، فكانت الآراء في أغلبها مع فتح المعابر، لما في ذلك من انتعاش اقتصادي للمحافظة بدخول المواد التموينية والسلع الاستهلاكية، ومن تصريف للمنتجات المحلية كالحليب والأجبان والخضراوات بدلاً من كسادها في السوق المحلي، ومن تخفيف أعباء التنقل للموظفين وطلاب الجامعات حسب رأيهم.

 لكن رفض فصائل الجيش الحر حال دون ذلك، وفي تحرينا عن أسباب عدم فتح المعابر مع النظام، أوضح لنا قائد فوج المدفعية “عبدالله الموسى”، أن عدة أسباب حالت دون فتح معبر “أم باطنة – جبا” منها، قطع دابر المصالحات التي يقوم بها النظام عن طريق أعضاء لجان المصالحة. وبالفعل فقد تم اعتقال أعضاء من لجان المصالحات في محافظة درعا من قبل فصائل الجيش الحر، والسبب الآخر هو عدم الثقة بهذا النظام، الذي يمكن أن يقوم بعمليات تفجير عن طريق عبوات ناسفة وسيارات مفخخة، وقد جرت العادة باتباعه هذه الأساليب. وأضاف “الموسى”أن بعض الفصائل، على قلتها، تعارض فتح المعابر مع النظام من أجل إجبار المواطنين على التعامل مع إسرائيل و فتح المعابر معها.

هذا والتقت بوابة القنيطرة مع الاستاذ “مهند الفنيش” رئيس المجلس المحلي لبلدة “الرفيد”، الذي حدثنا عن الوضع الإنساني والمعيشي في ظل الهدنة: “منذ أعلن عنها، التزمت بها قوات المعارضة، على الرغم من بعض الخروقات في المنطقة الشمالية، انطلاقاً من أن المواطنين بحاجة لهذه الهدنة لأنهم عاشوا سنوات من القصف والمعاناة، وهم بحاجة العودة إلى بيوتهم، خاصة تلك القريبة من مناطق سيطرة النظام، يزيد ذلك اقتراب فصل الشتاء البارد، حيث يقطن الأهالي في مراكز إيواء جماعية، وخيم لا تقيهم البرد”. وأضاف، أن حركة التجارة ازدادت في المنطقة، ما زاد من اطمئنان المواطنين وعودتهم إلى بيوتهم. وتابع “الفنيش”: أن من نتائج الهدنة “زج وتحشيد قوات النظام على بيت جن، التي لم تخضع يوماً واحداً للهدنة، خاصة في الفترة الأخيرة التي شهدت معارك شديدة”، على حد تعبيره.

لكن المنظور العسكري يختلف قليلاً عما يراه المدنيون، فالهدنة تطبق من طرف واحد هو “قوات المعارضة” أما النظام فلا يلتزم بها البتة، حسب ما أوضح قائد فوج المدفعية “عبدالله الموسى”، وأن خروقات النظام كانت بقصف “نبع الصخر” و”جباثا الخشب” و”مسحرة” و محاولة اقتحام “بيت جن”، ما دفع فوج المدفعية بمؤازرة فصائل “بين جن” إلى قصف قوات النظام بقذائف المدفعية 130، كماقامت فصائل قوات المعارضة بحملات تصفية واغتيالات لبعض قياداتهم، وكان من إرهاصاتها أيضاً فتح المعابر والتعامل مع”اسرائيل”.

 وأوضح ” قتيبة العبود “القائد العسكري في لواء “السبطين” لبوابة القنيطرة، أن الجيش الحر ما كان إلا من أجل الشعب وتطلعاته، وأنه يذود عنهم ويحميهم، وأن الهدنة رغم ما يشوبها من اختراقات، قد ساعدت على تنشيط الحركة التجارية والتعليمية في المحافظة.

وفي استطلاع رأي أجرته بوابة القنيطرة للشارع في قرية “مجدولية”، وهي من قرى الجبهة الشمالية، تراوحت الآراء بين مؤيد ومعارض للهدنة، فلا تسلم مناطقهم من قصف بين الحين والآخر، فتراهم آملين فيها دون أن يستطيعوا إخفاء خوفهم كذلك.

ومن نتائج الهدنة حسب الاستطلاع، “أنها ساعدت في حرية التنقل من قرية إلى أخرى، فلم تعد القرى مناطق عسكرية” بحسب المواطن “أحمد العلي”، كما ساعدت على وضع أكثر استقراراً، فقام الأهالي ببناء بيوت لهم عوضاً عن بيوتهم التي طالها القصف، أو ترميمها على الأقل حسب ما أفاد به “محمد السعيد”، الذي أضاف، أنه في هذا العام تمت زراعة مساحات كبيرة من الأراضي بمحصول القمح، الذي يعتبر المحصول الرئيسي في المحافظة، خاصة تلك الأرض لم تزرع منذ فترة تزيد على أربع سنوات.

رغم كل شيء يبقى الناس على أملهم بالتهدئة، وحلم أن تثمر حلاً سياسياً يحقق آمال السوريين وتطلعاتهم، حتى يتجاوزوا الخوف من مستقبل قريب لا يعلمون ما قد يأتيهم به.

*فريق بوابة سوريا – القنيطرة

guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments