مشاركة

بيروز بريك*

من الصعب جداً أن يكتب كردي تصوراته عن مستقبل سوريا فيما يراقب من شاشة التلفزيون أعمدة الدخان ترتفع في السماء نتيجة القصف التركي المركز على عفرين وريفها، ضمن المنطقة التي تستوعب عشرات آلاف النازحين، إلى جانب سكانها. هذا الكردي الذي لم يمتلك خيار الانتساب لهذا البلد، بل أقحمت مناطق تواجده في خريطة كيان استحدث في مطالع القرن المنصرم، ما تزال أسئلة الوجود والانتماء تحوم حوله منذ ذاك الوقت وإلى لحظة استهدافه من دولة «جارة» بحجة دفاع تلك الدولة عن «أمنها القومي»! ولن تزول هذه الأسئلة الكبرى لديه، ولن يستطيع بشكل من الأشكال تجاوزها بينما يُنتظَر منه أن يغير كينونته ويطمر طموحاته.

الكردي ضمن هذه الجغرافيا يشبه نزيل سجن يخير بين أشكال متنوعة من الزنازين، فخيار انفصاله وحريته مرفوض! وخيار تمتعه بحكم ذاتي، أو ضمن إقليم فيدرالي، يجابه بحرب لا هوادة فيها! كما لا يتحصل على أي وثيقة تشتمل على حقوقه أو خصوصيته! وعلى هذه الشاكلة، تطلب المعارضة أن يدار التنوع في البلاد بما لا يختلف عن تصورات النظام ومعالجاته القمعية، القديمة منها والحديثة.

ومهما يكن ما يطرح اليوم عن “إدارة التنوع”، فإن الواقع جعل هذه المسألة بالنسبة لنا كسوريين (مفترضين) أكبر من مجرد تصورات حالمة لعملية إدارة للتنوع، فهذه العملية، مع أهميتها الكبرى في بناء البلدان الحديثة، باتت حديثاً سورياً مؤجلاً، للأسف، من الناحية العملية، بسبب العطالة المستديمة للمعارضة التي حشرت نفسها في زاوية التحرك وفق رغبة محاور الدعم الإقليمي، وعدم امتلاكها تصورات واضحة حول ملفات كالقضية الكردية وشكل الدولة ومصادر تشريع القوانين فيها، مروراً بأدوار المرأة والمجتمع المدني والإعلام. زاد من هذا التأجيل اتساع الفجوة بين القوى السياسية والعسكرية الفاعلة، وتعاظم دور عاملين أساسيين، هما: امتلاك القوة العسكرية ومسك الأرض أولاً، والحصول على دعم خارجي يثبت العامل الأول ثانياً. هذان العاملان هما ما يحتدم النقاش حوله حالياً بين اللاعبين الكبار من روس وأمريكيين وغيرهم.

الحديث اليوم عن إدارة التنوع هو تحصيل حاصل مرتبط بمدى قابلية ماسكي الأرض لهذا النوع من الإدارة، ومدى قوة اشتراط رعاة الصراع الدوليين لهذا التنوع. على هذا الأساس، لا يجد المواطن نفسه معنياً بتشكيلة ما يسمى (هيئة التفاوض) التي استهلت بها السيدة “بسمة قضماني” رسالتها. ومهما كان المواطن متابعاً شغوفاً للحدث ويعيش داخل سوريا ويتلمس جزءاً كبيراً من التحولات بشكل فيزيقي، إلا أن آخر ما يلفت انتباهه هو (هيئة التفاوض) أو تشكيلتها، ويقولها بصراحة إنه لا يجد نفسه صاحب مصلحة حقيقية كمواطن في هذه التشكيلة، ولا أي جسم سياسي آخر على طول الخارطة السورية وعرضها، بالنظر لما يجده قائماً على الأرض من عدم اكتراث غير مبرر من قبل هذه القوى، التي تحول دون قيام حوار وطني جدي وغير مشروط أو خاضع لرغبات من وراء الحدود أو مرسوم على طاولة مهندسي رقعة الشطرنج السورية.

ضمن هذه المعمعة لا يجد المواطن نفسه منشغلاً سوى بتدبير أموره الحياتية ومستقبل أطفاله الدراسي، ومهموماً بارتفاع الدولار، ومبتسماً لهطول الأمطار بعد انحباس، وكذلك أيضاً يفكر الهارب من الحرب والمغترب وينشغل بأمور مشابهة، كما يحرص السوري القابع في المخيمات على إيجاد منفذ للخلاص، ويفقد هذا المواطن الثقة أكثر فأكثر بالسياسي والناشط والكاتب والمحلل وكل من له صلة بالشأن العام.

لا ننكر أن هنالك سوريين فاعلين، غير أن فاعلية معظمهم مستمدة من التموضع ضمن خارطة الصراع وليس بدافع المجيء بحلول جريئة تنفض الغبار عن المسارات السياسية المتكلسة والصماء، ففي ظرفنا الحالي نجد أن العسكريين فاعلون ضمن تلك الخارطة آنفة الذكر، بما أنهم أدوات ضمن المشاريع الدولية القائمة التي تتوضح يوماً بعد يوم، والعسكري المؤثر هو الذي يقاطع مشروعه العسكري في مسك الأرض مع مشاريع الدول الراعية للصراع. ضمن هذه المعادلة يصل فتات المواقف للسياسيين ليترجموه جلوساً كراكوزاتياً في المؤتمرات، وتصاريحاً ومقالات وثرثرة ومشاريع حالمة، وفي الحالة السورية تنعكس الآية، إذ يغدو السياسي رهين العسكر ويتلقى منهم الأوامر، وليس العكس كما درجت العادة. ضمن هذا السياق جاء مثال آستانة كمحفل دولي ترجمت مفاعيل مقرراته على الأرض أكثر مما نتج عن جولات جنيف المتتابعة، وتمدد النفوذ الروسي وتضاءلت مساحة مسك المعارضة للأرض، كونها فضلت على الدوام الارتهان الكلي لمشروع الدولة الجارة في الشمال فزحفت باتجاه عفرين على وقع المزمار التركي تاركة مطار أبو الظهور هدية للروس والنظام.

الحديث عن شكل الدولة ونظامها السياسي وكونها فيدرالية أو مركزية أو مصادر تشريع القوانين فيها أو مدى تمثيل المرأة أو دور المجتمع المدني أو الإعلام أو غيرها من الملفات التي ترافق الانتقالات السياسية للدول المأزومة بالحروب والنزاعات، هو حديث راهني ومحوري دائماً، لا يفقد بريقه رغم كل المعوقات، ولا سيما تلك التي يفرضها الميدان العسكري، ومن الضروري أن تتوفر مساحات حقيقية للحوار حولها بشرط أن تتوفر الجدية أولاً، وأن يتم إشراك كل القوى والمكونات الفاعلة على الأرض، بالتوازي مع رفع الوصاية الإقليمية عن حوار سوري حقيقي تشترك فيه كل المكونات والفئات المجتمعية.

*محرر في مجلة شار، إداري في منظمة شار للتنمية، له مقالات ونصوص في الصحف والمواقع الكردية والعربية.