بسام يوسف *

إذا كان مفهوم الدولة تعبيراً مكثفاً عن عقد اجتماعي توافق عليه أفراد مجتمع ما، فإنه من البديهي أن يكون فهم بنية المجتمع وتطور مجالاته الاقتصادية والثقافية والسياسية … مدخلاً لصياغة هذا العقد، وبالتالي لشكل الدولة.

إن أية محاولة لرسم ملامح أفق الدولة السورية وشكلها انطلاقاً من مجريات وتداعيات السنوات السبع الأخيرة فقط، هي محاولة محكومة بالفشل، فسوريا بالتأكيد لا تقرأ بدلالة هذه السنوات “المأساة” فقط، بل يجب قراءتها من خلال بعدها الجغرافي والتاريخي الطويل. إن هذه السنوات لم تغير في حقائق الواقع السوري، ما فعلته هو أنها قامت بتعرية البنية العميقة للدولة وللسياسة والثقافة، هذه البنية التي صيغت عبر مراحل زمنية طويلة.

يمكن القول اليوم إن أخطر ما يواجه السوريين هو فقدانهم للثقة ببعضهم البعض. بعبارة أخرى؛ بلغ التشظي داخل المجتمع السوري حداً يدفع للتخوف من استحالة إيجاد صيغة عقد اجتماعي يتوافق عليها السوريون، فهذا الكم الهائل من التنوع المتنافر، المتناحر والممتلئ بالحقد والرغبة بالثأر، قد يصعب تشاركه في صيغة واحدة.

لقد استطاعت عائلة “الأسد” خلال فترة حكمها لسوريا أن تدمرها تماماً، الوجه الأخطر لهذا الدمار هو أنه لم يطل الاقتصاد والبنية التحتية والسياسة والثقافة وغيرها فحسب، بل ودمر صيغة الهوية السورية، هذه الهوية التي بدأت تتشكل في مطلع القرن السابق، والتي استطاعت أن تنمو وتقوى على حساب الهويات الصغرى، لكن عائلة الأسد هشمتها ودفعت بالهويات الصغرى إلى الواجهة مرة أخرى.

من هنا، فإن سؤال الهوية هو سؤال واجب، والإجابة عليه بالغة الصعوبة، ففي تداخل الجغرافيا والتاريخ والقتل والتهجير تصبح الهوية السورية عرضة للكثير من التعسف والإنكار.

لا يتيح المجال هنا للخوض عميقاً في مختلف الجوانب، لذا سأحاول ما استطعت تكثيف ما أريد قوله:

  • لابديل عن العلمانية الديمقراطية كصيغة للنظام السياسي، هذا ليس تعصباً أو انحيازاً لفكرة أو طرف، إن العلمانية الديمقراطية كنظام سياسي هي الصيغة الوحيدة التي يمكنها نقل سوريا إلى صيغة الوطن الجامع والقابل للحياة والتطور.

إن إخراج الدين من حقل السياسة هو أمر لا بد منه، يجب أن نعترف جميعاً أن الدين في مجتمعاتنا هو مصدر لا ينضب لصراعات لا تنتهي، وأن إقحام الدين في السياسة والدولة، يعني استدامة الصراع، وتقويته إلى حد امتلاك القدرة على الإطاحة بكل ما يمكن أن يؤسس لمجتمع عصري تحكمه المواطنة العادلة.

إن أي صيغة أخرى غير العلمانية الديمقراطية ستكون بوابة لإنتاج استبداد ما، استبداد قد تختلف تسميته لكنه لن يكون إلا استبداداً قاتلاً لإمكانية نقل المجتمع من صيغته الراهنة إلى صيغته القابلة للعيش.

  • لا تصاغ المبادئ فوق الدستورية وفق صناديق الاقتراع فقط، لا بل يمكن القول إن صناديق الاقتراع قد تفضي الى إنهيار الدولة وصيغة العقد الاجتماعي في بعض الحالات، من هنا أرى أن المبادئ فوق الدستورية تمليها المصلحة العليا للمجتمع، والحفاظ عليه، وأنها – أي المبادئ – ليست صراعاً سياسياً كي نخضعه لبرامج سياسية وللتصويت، إنها باختصار المبادئ التي تتيح انخراط جميع أفراد المجتمع في هوية عليا جامعة.

من هنا أرى أن تكريس الانتماء إلى قومية ما قد يكون بالغ الضرر في صيغة العقد الاجتماعي. إن طمس هوية قومية ما، أو مكون ما، بحجة أن الأغلبية تريد إظهار هويتها هو تصديع للهوية الوطنية، وإضعاف لها وتهديد لوجودها.

  • أما فيما يخص صيغة الدولة وشكل إدارتها للمجتمع، فإني أتبنى الدولة المركزية بقوة، لا بل إن أي صيغة أخرى تثير لدي خوفاً كبيراً من التقسيم.

قد تكون صيغة الدولة المركزية غير مرغوبة لدى قسم كبير من السوريين، بعد الويلات التي تجرعوها خلال هذه السنوات السبع، وطوال فترة حكم البعث، وقد يميلون إلى تفضيل الصيغ اللامركزية، وهم بتفضيلهم هذا يستحضرون هذه الويلات تحديداً، لكن هل يمكن لصيغة لامركزية أن تكون حلاً في بلد مدمر مثل سوريا، بلد بالغ التنوع وتتحارب مكوناته؟!

قد يستند كثيرون إلى الظروف التي ذكرتها عن وضع سوريا الحالي، للقول إن اللامركزية هي الحل، لكنني أرى أن أي صيغة من صيغ اللامركزية تعني حتماً الوصول إلى التقسيم.

إن دراسة الاقتصاد السوري والجغرافيا السورية، والدمار المتفاوت في سوريا، وربطه ديموغرافياً، يعني حتماً، في حال تم تبني أي صيغة لامركزية، نشوء كيانات متحاربة، يترافق هذا مع حكم مركزي بالغ الضعف. وإذا أضيفت المصالح الخارجية إلى اللوحة، فإن التقسيم سيكون هو المآل الحتمي لهذه الصيغة، وحدها الحكومة المركزية يمكنها أن تعيد توزيع الثروة بشكل عادل للخروج من نتائج الحرب، ووحدها يمكنها أن تقر العدالة الانتقالية، هذه العدالة التي لا بد من تحقيقها لكي يتعافى الجسد السوري.

إن الصيغة اللامركزية ستكرس إفلات المجرمين من المحاسبة، وستكرس النهب الجائر الذي تعرضت له مناطق واسعة من سوريا، وستكرس عميقاً الشرخ الاجتماعي الذي تسببت به سلطة عائلة الأسد ومآسي الحرب خلال السنوات السبع الأخيرة، بالإضافة إلى أنها ستكون بوابة لإعادة إنتاج استبدادات أخرى.

يمكن لاحقاً الانتقال من صيغة الإدارة المركزية إلى الصيغ الأخرى، لكن بعد أن تنجز هذه الإدارة مهمات بالغة الأهمية، في مقدمتها إعادة الاعتبار للهوية الوطنية السورية، وإعلاء هذه الهوية فوق الهويات الصغرى القاتلة.

لقد علمتنا تجارب الشعوب، وقالها التاريخ بوضوح، أن كل المجتمعات التي تطورت، دفعت ثمن تطورها. ولقد دفع الشعب السوري ثمناً باهظاً لكي ينتقل إلى الدولة التي يحلم بها، دولة تكريس فصل السلطات، التي تحترم بشكل فعلي حقوق الإنسان وتحميهم من الاستبداد والعسف، وتمنحهم حياة حرة وكريمة.

إن أي صيغة قادمة يجب أن تجنب السوريين إعادة إنتاج أي وجه من أوجه الاستبداد، سواء أكان استبداداً دينياً، سياسياً أو قومياً.

لكننا، وقبل كل ذلك، بحاجة إلى حوار هادئ، منفتح ومسؤول، حوار تحضر فيه سوريا كوطن للجميع وليس لطرف دون آخر.

* كاتب سوري