ثمة الكثير مما يمكن أن يقال عن  مؤتمر “سوتشي”، لكن من بين أهم تجليات هذا المؤتمر أنه تمخض عن تشكيل لجنة تحت مسمى “مناقشة دستور سوريا”؛ وهي اللجنة التي ضمت 150 شخصاً، ينتمى معظمهم إلى كتائب الموالاة.

من بين هؤلاء الذين يفترض بهم “مناقشة دستور سوريا”، وفق “سوتشي”، سنجد اسم رئيس نقابات عمال سوريا السابق، وعضو البرلمان، جمال قادري، الذي سنتذكر على الفور الواقعة الشهيرة التي تورط فيها في العام 2015، حين ضرب وصفع وركل صحافياً سورياً، وقام مرافقوه باحتجازه، بعدما أشهروا السلاح في وجهه ووجوه زملائه من الصحافيين والإعلاميين.

سيكون قادري معنياً، وفق ترتيبات “سوتشي”، بمناقشة دستور البلاد، التي تأمل في الخروج من الأزمة المآساوية الراهنة، عبر ترتيب سياسي يفضي إلى دولة يمكن أن تتجاوب مع استحقاقات العصر، ونظام يتعامل مع كافة الجرائم والانتهاكات التي أفضت بالشعب السوري إلى الوضع الكارثي الحالي.

يعطينا هذا الخيار ذريعة واضحة للاعتقاد في تهافت “سوتشي”، واستهانة القائمين عليه بتضحيات السوريين وعقولهم؛ إذ إن واقعة قادري التي اعتدى خلالها على الزميل الصحافي آدم الطريفي، استدعت احتجاجاً نادراً من الجماعة الصحافية السورية التي تعيش ضمن سياق الموالاة، وهو الاحتجاج الذي تبلور في صورة بيان عبّر عن الاستياء، من دون أن تتخذ الدولة أي إجراء عقابي في حق المعتدي.

في مطلع شهر يناير (كانون ثاني) الماضي، كلفت الحكومة السورية وزير الإعلام الجديد عماد سارة “وضع استراتيجية إعلامية جديدة، تعمد إلى نقل حقيقة الحياة العامة في البلاد، بعد الانتصارات التي تحققت، وتوفر آليات للتواصل مع المنظومات الإعلامية الخارجية”.

تريد سلطة الرئيس بشار صياغة استراتيجية إعلامية جديدة إذن، وهي تعتقد أن ثمة ما يمكن أن تنطوي عليه تلك الاستراتيجية من فرص تحسن موقعها التفاوضي، في ظل الانتشاء بالتقدم الميداني، الذي تصنعه عمليات عسكرية، لم تتوقف عشية المفاوضات وأثناءها.

لكن الأوضاع التي تعيشها المنظومة الإعلامية السورية في الداخل لا تبدو ناضجة لأي تأطير استراتيجي؛ إذ يبدو الإعلام الرسمي، كما كان دائماً، ذراعاً دعائية بائسة للنظام، في ظل انقطاع تام عن المعايير المهنية من جانب، وعوز مستديم لموارد صناعة الإعلام واستحقاقاتها الإدارية والمالية والبشرية من جانب آخر.

لقد ظل الإعلام الرسمي السوري، على مدى نحو نصف القرن، بعيداً عن أي صيغة تضمن حداً أدنى من شروط استيفاء مقتضيات “الخدمة العامة الإعلامية”، التي تقدم محتوى إعلامياً يتسم بدرجة من الاستقلالية والموضوعية والتوازن لجمهور يتسع وتتزايد حاجاته الإعلامية، ويحظى بفرص للتعرض إلى منظومات إعلامية بديلة.

ليس هذا فقط، لكن الاعتذار المثير للاهتمام الذي صدر عن الزميلة روزالين الجندي، المعدة بالتلفزة العامة، عن عدم قدرتها على الاستمرار في الإنفاق على جهودها في التواصل مع المصادر، لتأمين ضيوف لأحد برامجها، كان بمنزلة تجسيد للحالة الإدارية والمالية المتردية لتلك المنظومة.

قبل اعتذار الزميلة روزالين، كان وزير الإعلام السابق محمد رامز ترجمان نفسه قد أقر بـ “إفلاس التليفزيون”، وعجزه عن توفير ملابس للمذيعين، قبل أن تكشف صحيفة “الوطن” فضيحة اتهام أحد المحللين دائمي الظهور على شاشات التلفزة العامة بأنه “رئيس شبكة لتزوير الشهادات الجامعية”.

بسبب الأوضاع السياسية التي مرت بها سوريا عشية فترة الانتفاضات العربية وأثناءها، بدا الإعلام السوري المملوك للدولة عاجزاً عن الوفاء بدوره، إذ تحول إلى أداة دعائية للنظام، ولكي يتمكن هذا الإعلام من تطوير بنيته وأدائه، فعليه أن يتحرر من سيطرة الحكومة الراهنة، أو أن يخضع لعملية إصلاح مركزة، تستهدف تغيير خطه التحريري، وتعيين قيادات شابة تتميز بالكفاءة، وتطوير أدواته التقنية، وتعزيز التزامه بالمعايير المهنية، وهو أمر يبدو بعيد المنال.

لقد ظل الإعلام العام السوري أنموذجاً شديد الوضوح على الأحادية والانغلاق والتوجه الدعائي والانقطاع عن القيم المهنية، رغم انطوائه على الكثير من الإعلاميين الأكفاء، وها هو يغرق في المزيد من الفضائح الكاشفة، ويعلن عجزه مالياً وإدارياً عن أداء وظيفته الأساسية، التي هي مسوغ وجوده.

* كاتب ومدرب ومستشار في مجالات الاتصال والإعلام – مصر

guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments