مشاركة

ثمة أخبار تستثير ردود فعل، وتكشف الغطاء عن نوازع أشد هولاً من الأحداث التي انبثقت منها. لذلك هناك دائماً جهات خبيرة في تسريب أخبار بعينها، أو اصطناع أحداث، أو فبركة أخبار كاذبة، تعرف مسبقاً ما يمكن أن تؤدي إليه من ردود فعل، لمعرفتها بنوازع كامنة موجودة لدى الجمهور المستهدف. يمكن أن نذكر، على سبيل المثال، ردود الفعل على صدور رواية سلمان رشدي الشهيرة “آيات شيطانية” أو الرسوم الكاريكاتيرية المسيئة لرسول المسلمين التي نشرتها جريدة دانماركية. ففي الحالتين كان يمكن أن يمر الحدثان بلا ضجيج، لولا حرص جهات معينة على إيصال خبرهما إلى الجمهور المستهدف. فهو جمهور لا يقرأ روايات، وبخاصة إذا كانت منشورة بلغة أجنبية، ولا يتابع صحفاً، وبخاصة أنها صادرة في بلد بعيد عن “مركز العالم” إذا جاز التعبير.

ليس المقصود بهذه المقدمة التشكيك بحادثة التمثيل، أو التنكيل، بجثة المقاتلة الكردية بارين كوباني، ففي بيئة الحروب الدائرة على الأراضي السورية، ارتكبت كل أنواع الفظاعات التي يمكن تصورها، أو لا يمكن تصورها. كما أن الحروب السورية ليست فريدة من نوعها في باب الفظاعات، فقد حدث الكثير مما يماثلها أو يفوقها في التاريخ، سواء في الحروب النظامية بين جيوش دول، أو الحروب الأهلية، أو الثورات التي لم تكن، غالباً، سلمية أو “ملونة”.

بل المقصود هو أن نشر مقطع الفيديو الذي وثق لتعامل مقاتلين سوريين في قوات عملية “غصن الزيتون” التركية مع جثة مقاتلة كردية في قوات “وحدات الحماية” بطريقة مثيرة للاشمئزاز، قد أدى الغاية منه: استثارة غرائز بهيمية عند جمهور مهيأ وجاهز سلفاً للتعاطي مع هذا النوع من الأخبار، بما يرفع منسوب الكراهية للآخر، وقوداً مثالياً لاستدامة الحروب السورية المدمرة.

فما استطعت رصده من ردود الفعل، أظهر غرائز كراهية مخيفة لم تعد تأبه للتستر بأي غطاءات تجميلية. ثمة اصطفاف مسبق بين من وقفوا مع الغزو التركي لعفرين، ومن وقفوا ضده، مع وجود هامش ضيق لأولئك الذين تنازعتهم دوافع متناقضة أكثر تعقيداً بقليل. وكان للسجل المشين لحزب الاتحاد الديموقراطي، في سوابق حروبه وسلطته حيثما سيطر، دور كبير في مواقف الأفراد والجماعات السورية من الحرب التركية على عفرين، وإن لم يكن العامل الوحيد وحتى الرئيسي. لكن استعادة هذا السجل استثار استعادة مقابلة لسجل الحروب على المناطق الكردية منذ معركة رأس العين في العام 2012. وهكذا دخلنا دوامة منطق الثأر الذي لا يمكن الخروج منه بسلام، بل هو يراكم مزيداً من الأحقاد والكراهية المتقابلة بين عرب وكرد.

كان لافتاً لدى الطرف الكردي في حملة الكراهية الراهنة، الهجوم على “الثورة” و”الجيش الحر” أكثر من الهجوم على “العرب القومجيين” أو “العرب السنة الدواعش” كما في سوابق الحملات المشابهة، وذلك بنسب فظاعة التمثيل بجثة المقاتلة لقيم الثورة والجيش الحر. وهذا مما يشير إلى نوازع قطيعة مبكرة مع ثورة السوريين في 2011، لم تكن تمتلك الجرأة على الظهور العلني، وجاءتها الفرصة اليوم. كما يشير إلى الجهة المستفيدة من هذه الحفلة الهمجية.

وفي الطرف الآخر ركزت الحملة على سجل انتهاكات الحزب الكردي وقواته المسلحة، كما على اصطفافاته السياسية أو “إرهابيته” المزعومة، من غير أن تخفي عداءها الأصلي المكشوف لـ”للنزعة الانفصالية الكردية”، وذلك بسبب موقفها الدفاعي، هذه المرة، عن شناعة لا يمكن لإنسان سوي أن يبررها.

“أين كنتم حين استعرضت قوات وحدات الحماية الكردية جثث مقاتلي الجيش الحر في عفرين؟” هكذا يبرر المشاركون في حملة الكراهية، من أحد طرفيها، بهيمية ذلك المسلح الذي يضع قدمه فوق صدر جثة بارين المعراة. أو يقول آخر: “إنها مقاتلة انفصالية، وليست مدنية” وعقله الصغير غير قادر على رؤية تلك الحقيقة البسيطة المتمثلة في أن وحدات الحماية تخوض اليوم، في عفرين، واحدة من معاركها القليلة المشرفة دفاعاً عن أرضها ضد جيش الغزاة والمرتزقة السوريين المرافقين لهم.

في حين أن قادة حملة الكراهية من الكرد، يستثمرون مقطع الفيديو، ليس لإدانة العمل الشنيع الذي تصوره، بل ليقولوا بلا لف أو دوران: “هذه هي أخلاقهم” وكأن “أخلاقنا” لم تتلوث بأعمال شنيعة في السنوات السابقة.

لفت نظري أيضاً وجود نساء لم يخجلن من تبرير التمثيل بالجثة، إما بصراحة أو مداورةً من خلال التشكيك بصحة الفيديو. في حين أن الحادثة تنطوي، أيضاً، على جانب يهم المرأة بوصفها كذلك، أي بمعزل عن كل السياق السياسي.

ولم يسلم المستوى السياسي من لوثة الجنون هذه، فبعدما أيد الائتلاف المعارض صراحةً الحرب التركية على عفرين، وتبناها بوصف المرتزقة السوريين الملتحقين بالجيش الغازي بأنهم “جيش وطني” يأتمر بأوامر الحكومة المؤقتة (!) أصدر بياناً مخزياً آخر بخصوص مقطع الفيديو موضوع حديثنا.

مهما امتدت المأساة السورية، لا بد لكل هذا أن ينتهي في يوم من الأيام، كما سبق لمآسي شعوب أخرى كالأرمن واليهود والفلسطينيين والكرد أن انتهت، أو ستنتهي. تقصدت ذكر أمثلة ما زالت آثارها المؤلمة إلى اليوم، على رغم مرور زمن طويل على وقوع أحداثها الأصلية، لأنها لم تعالج بطريقة صحيحة ولا عادلة، لأقول إنه حتى مآس كبيرة وممتدة في آثارها إلى اليوم، أصبحت، أو ستصبح، جزءاًس من الماضي. فالتوق إلى الحياة هو ما يدفع الإنسان دائماً إلى البحث عن صيغ الاستقرار والأمان وعادية الحياة، حتى قبل الحرية.

حين ينتهي كل هذا الألم والجنون، سنقف ونقول: ليتنا لم نتفوه بذلك الكلام.

*كاتب سوري