مشاركة

يجري التفكير في قضية أو قضايا اللاجئين المتعددة بمنطق محلي عموماً، يركز على الإكراهات السياسية، وربما الاقتصادية في البلد المصدر للاجئين، ويغفل أبعاداً أخرى. هذه المقالة الوجيزة تريد القول إن قضية اللاجئين والمهجرين عالمية ومتعددة الأبعاد، متصلة ببنى دولية للسياسة والاقتصاد والقرابة الثقافية. نحتاج إلى التفكير في تعدد أبعاد قضية اللاجئين من أجل التقدم في معالجتها التي لا يمكن لها بدورها إلا أن تكون عالمية. هذه المقالة عن أبعاد قضية اللاجئين هي مدخل أولي، مبني على مشاهدات وانطباعات شخصية، لا تُغني عن تفحص ميداني مُفصّل وعن قرب.

أول أبعاد قضية اللاجئين يتصل بالحرب والإكراهات السياسية. يهجر الناس من مواطنهم، إن لم يكونوا هجروا بالقوة، كي ينجوا بحياتهم من القصف أو المجازر أو الاعتقال والتعذيب والتغييب القسري. كان هذا حال معظم اللاجئين الفلسطينيين في النكبة، ثم “النكسة”، وحال معظم اللاجئين السوريين بدءاً من أواخر عام 2011 ولعامين بعدها. يتعلق الأمر باضطرار عسكري – سياسي إلى اللجوء، يغلب أن يفكر فيه اللاجئون كاضطرار مؤقت، قصير الأمد، يعودون بعده إلى مدنهم وبلداتهم وقراهم. أو بالأحرى لا يستطيعون التفكير فيه وقت اللجوء كتحول طويل الأمد في وضعهم. يحتاج اللاجئون إلى وقت قد يتبينوا بعده أنهم لاجئون وأن اقتلاعهم قد يطول فلا ترى له نهاية. متعجلين تحت ضغط الخوف من الأسوأ، يذهب معظم اللاجئين إلى أقرب مكان آمن، أو إلى أقرب بلد مجاور: لبنان لدمشق وحمص ومناطقهما، والأردن لحوران، وتركيا للشمال السوري. لكن القادرين من اللاجئين ومن يملكون أوراق السفر قد يذهبون إلى بلدان أبعد. وكلما طال أمد الصراع المفضي إلى اللجوء ارتفعت نسبة من يبتعدون أكثر. وبقدر ما يقتضي هذا الخيار الأخير تخطيطاً أطول أمداً للحياة في البيئة الجديدة، ويستوجب إنفاق موارد غير قليلة على اللجوء البعيد، فإن احتمال عودة من لجؤوا إلى بلدان أبعد أقل بكثير  مقارنة بمن ظلوا أقرب إلى مواطنهم.

وهناك صنفان فرعيان لهذا الضرب من اللجوء الخارجي. صنف عائلي، حيث تلجأ العائلة بكاملها إلى بلد مجاور بانتظار جلاء الأوضاع التي أدت إلى اللجوء، وصنف فردي يخص ناشطين أو مناضلين سياسيين بعينهم، معرضين للخطر المباشر. معظم اللجوء السوري منذ عام 2012 عائلي الطابع، سببه القصف غير التمييزي لبؤر الثورة. وهو يندرج تالياً ضمن ما يسمى بلغة قانونية “اللجوء الإنساني”، هذا حتى حين تكون الأسر معادية سياسياً للنظام. وليس من المحتم أن اللاجئين السوريين إلى خارج البلد كانوا معارضين ناشطين للنظام في طور اللجوء السوري الباكر، 2012-2014. لكن لعل مواقف أكثر جذرية تطورت في أوساطهم بفعل التجربة المباشرة. من لم يكونوا كذلك يرجح أنهم لجؤوا في وقت أبكر إلى مناطق يسيطر عليها النظام. لا يعني ذلك أن كل من لجؤوا إلى مناطق النظام موالون، بعضهم ليس لهم رأي أو هم فقراء، يفضلون المسافة الأقرب.

هناك لجوء اضطرراي فردي، من مناطق لم تتعرض للقصف، وهذا لجوء ناشطين ومعارضين، مدينيين غالباً، ينحدرون من الطبقة الوسطى، ظلت أسرهم في المدن. في جيل سابق كان اللجوء اليساري من هذا الصنف عموماً، أما اللجوء الإسلامي، إن جاز التعبير، فكان عائلياً لأن النظام اعتمد حيال الإسلاميين معاقبة الأسر وأخذ الرهائن والتوسع في تجريف بيئاتهم الاجتماعية.

 البعد الثاني للجوء يتصل بالتوزع غير المتكافئ عالمياً لفرص الحياة الكريمة كما نقول بالعربية (والحياة الطيبة بالإنجليزية). هذه لا ترتد إلى قضايا الدخل والأمان الاقتصادي، إذ يتعلق الأمر بحياة آمنة، يمكن التخطيط لها والتحكم بها، وتعد بمستقبل أفضل، خاصة للأولاد. لذلك هناك لاجئون سوريون كثيرون في أوروبا موالون للنظام في الواقع، وفدوا بعد 2014، وبخاصة عام 2015، حين صار اللجوء الأوربي أيسر وقتياً. يبحث هؤلاء اللاجؤون عن حياة أفضل، عن خدمات ميسرة، وعن حرية وأمان شخصي أيضاً. ولا يخلو الأمر من عنصر اضطرار في بعض الحالات: هروب من الخدمة العسكرية. السمة الغالبة للجوء الموالين للنظام فردية، ولعلها شبابية. الأسر الموالية ليست مهددة نسقياً في حياتها، ومناطقها ليست تحت حصار أو قصف منظم. ولأن اللجوء اختياري هنا بقدر كبير، فإن المقصد المختار عموماً ليس البلدان المجاورة، بل أوروبا، حيث الحياة أكرم. الدخل عنصر فحسب من عناصر هذا اللجوء، خلافاً للاختزال الاقتصادوي للجوء، الرائج في بلدان الاستقبال. اللجوء الاقتصادي بحصر المعنى، أي بحث فقراء عن عمل ودخل يجري غالباً إلى بلد مجاور، إلى لبنان، وبدرجة ما إلى تركيا، وليس إلى الأردن مثلاً. لا يطيق الفقراء القادرون على العمل والباحثون عنه الذهاب إلى مواقع أبعد، فيما الذين قد يستطيعون ليسوا مضطرين بالقدر نفسه إلى العمل.

وعموم اللاجئين الاقتصاديين كانوا يلجؤون قبل الثورة والحرب لو استطاعوا، وإلى أوربا لو كانت قريبة، بمن فيهم عدد كبير من العمال السوريين في لبنان. ولو تيسرت لموالين للنظام قبل الثورة فرص اللجوء التي أتيحت لهم بعد الثورة لفعلوا الشيء نفسه. في عام 2002 قال تقرير التنمية الإنسانية العربي الأول الذي صدر عن الأمم المتحدة، إن 48% من الشباب العربي يحلم بالهجرة من بلده لو تسنت له الفرصة. لكن يبقى صحيحاً في تقديري أن محرك اللجوء هو فرص الحياة، وليس فرص العمل والدخل حصراً.

البعد الثالث للجوء يتصل بالشعور بـ”القُربة”، إن جاز التعبير، أو الغربة في بلد الأصل وبلدان الاستقبال. في سورية قادت اللبرلة الجديدة للاقتصاد في سنوات “بشار” إلى صعود حاد للهويات والوعي الذاتي التمايزي وسياسيات الهوية، فصار السني سنياً أكثر والعلوي علوياً أكثر والمسيحي مسيحياً أكثر والكردي كردياً أكثر…، وهو ما يسير جنباً إلى جنب مع اتساع الفجوة بين الجماعات وشعورها بالغربة عن بعضها، وتنامي شعورها بفقدان الأمان حيال بعضها، مع توجس جامع من المستقبل. التسلطية السياسية لم تتعزز فقط، ولكن كان هذا التطور مناسباً لها، فهي وحدها تبقى “سورية” حين تتراجع الصفة السورية لعموم السكان. التماهي بالنظام والأوضاع السياسية القائمة في البلد كان متفاوتاً، والغربة و”القربة” حيال الدولة لم تكن متساوية. فإذا اضطر الناس إلى الخروج من البلد، اتجه تفضيلهم مبدئياً إلى بلدان يشعرون فيها بغربة أقل. قلما نهاجر بلداننا لهذا السبب حصراً، لكن يشيع أن يكون هذا عنصراً من “باكج” يدفعنا إلى بلدان نفضل منها ما نتوقع فيه غربة أقل حين تتساوى العوامل الأخرى.

على هذا النحو يتجه تفضيل المسيحي المتوسط مثلاً إلى بلدان الغرب إن اضطر للهجرة من سوريا، وذلك لأنه يحس فيها بغربة أقل بالمقارنة مع المسلم المتوسط. ويشعر الكردي السوري بالغربة في بلد لا يعترف بلغته ولا بوجوده حتى، فيفضل اللجوء إن اضطر إلى أوربا أيضاً، حيث هناك جاليات كردية كبيرة، وحيث الأمان السياسي والاقتصادي. وفي كل حال، وجود بيئة استقبال مترسخة سلفاً من جماعة اللاجئ في بلد محدد يشجع اللجوء إليه. ولو توفرت في تركيا فرص حد أدنى للعيش والتخطيط للمستقبل، لفضلت نسبة أعلى من السوريين، وبخاصة السُّنَّة، البقاء هناك. من المفهوم في كل حال أن وزن هذا العامل “الثقافي” أكبر عند الأقل فقراً والأقدر على الاختيار، الفقراء تتحكم بهم الجغرافيا أكثر.

في كل حال، اللجوء اضطراري، ولا يكاد أحد يغير موطنه مختاراً أو سعيداً، لكنه ضمن اضطراره قد يختار هذا البلد أو ذاك موطناً جديداً، مؤقتاً أو دائماً، وفق اعتبارات تحيل إلى يسر التماهي أو عسره.

هذا العامل سياسي ضمناً، لكنه أوثق اتصالاً بالهويات وسياسة الهويات، على النطاقين المحلي والدولي. المسلم المؤمن ذاته، أو حتى الإسلامي، قد يلجأ إلى الغرب، وليس إلى بلد إسلامي، بفعل حساب عقلاني يوازن فيه بين الاضطرارات السياسية والاستقرار الحياتي ومشاعر الغربة.

وما يحدد إن كنا سنلجأ، وإلى أين، هو تفاعل هذه العوامل الثلاثة. الإكراهات السياسية المباشرة المهددة للحياة، والإكراهات الحياتية في عالم واحد يرى فيه الجميع تفاوت توزيع فرص الحياة الكريمة التي يرغبونها كلهم، وإن أنكروا إيديولوجياً، جوانب منها، ثم ميزان الغربة والقربة في بلد الأصل وبلد الملجأ.

في تركيا اليوم 3,4 مليون سوري، وفي لبنان مليون واحد، وفي الأردن 660 ألفاً وفي العراق ربع مليون، وفي مصر 130 ألفاً، وفي ألمانيا 530 ألفاً، وفي السويد 110 آلاف، وفي النمسا 50 ألفاً، وفي كندا 54 ألفاً وفي أميركا 33 ألفاً (أرقام UNHCR). وقبل ثلاث سنوات ونيف كان هناك سوري واحد في هونغ كونغ. هؤلاء وازنوا بين العوامل الثلاثة وبين الخيارات المتاحة، في ذهابهم وبقائهم هنا أو هناك. ويبدو أنه بعد زوال الاضطرار السياسي المباشر، تؤول الأرجحية إلى فرص الحياة الكريمة، لذلك تجد مسلماً ملتزماً، بل إسلامياً، يفضل أوروبا على ما يتوقع من بلد إسلامي. بالمقابل، تفضل عوائل محافظة من الطبقة الوسطى القادرة، لأنها قادرة، البقاء في بلد إسلامي لأسباب اجتماعية وتربوية، تتصل بالمعتقد الديني.

من وجهة نظر عالمية، أعني التفكير في العالم كموطن واحد للبشر، الكل مضطرون، والكل لاجئون، يخرجون من مواطن أصلية طاردة إلى بيئات يؤمل أن تكون واعدة. هذا بقدر ما إن توزع فرص الحياة، والتماهيات النشطة، فضلاً عن الحروب والتفجرات العنيفة، وفضلاً كذلك عن التصحر والتغيرات المناخية المتصلة بظاهرة تسخن الكوكب، هذه كلها وقائع عالمية أكثر وأكثر.

ما يمكن بناؤه على هذه التقديرات السريعة، أن معالجة جذرية لمشكلة اللجوء تمر حتماً بالعمل العالمي من أجل أوضاع سياسية لا يضطر أحد فيها إلى النجاة بحياته مقتلعاً من موطنه، أو يشعر بالغربة في أرض ميلاده، أو لا توفر له توقعات حياته فرصاً تبدو متاحة في بلدان أخرى. ليس هناك حلول محلية لمشكلة اللاجئين. التفكير في أن من شأن توقف الحرب في سوريا مثلاً وضمان أمن اللاجئين العائدين يكفل عودتهم، قاصر عن الإحاطة بالتكوين المركب للمشكلة، تركيب لا يستنفد في التمييز بين لجوء سياسي ولجوء إنساني. اللجوء أرسخ جذوراً في عالم منقسم إلى دول بعضها أقرب إلى مسالخ أو مغارات لصوص أو مزارع رقيق، وبعضها مزدهر وآمن، مع كونها كلها مترابطة بنيوياً في عالم واحد، يزداد وحدة وانقساماً في الوقت نفسه.

هل نقلل من فرص السكان الذين لجأنا إلى بلدهم في حياة أكرم؟ ربما. لكن ليس هناك وجه للومنا على الرغبة في الفرص الأكرم للعيش في عالم توحده ديناميكيات اقتصادية وتكنولوجية، ولا يكف المرتاحون فيه عن استعراض راحتهم وتأكيد أفضليتهم أمام أعيننا. اللجوء قضية عالمية، سببها البنيوي هو… العالم.

هذا يحتاج لتوضيح: العالم الموحد هو سبب اللجوء لأنه يعرض علينا فرص حياة نرغبها. والعالم المنقسم هو سبب اللجوء لأنه ينكر علينا فرص الحياة المرغوبة التي لا يكف عن عرضها علينا. ونحن من العالم في كل حال، بقدر ما إن هذا عملية تعولم مفتوحة، لا يتحكم فيها أحد وإن كان البعض في مواقع أفضل للتأثير عليها بصورة تناسبهم من بعض آخر. ومن موقع سوري للنظر إلى العالم، يقع تحطم حيوات ما لا يحصى من السوريين، وتناثرهم قريباً أو بعيداً من بلدهم في العالم، في هذه العملية العالمية التي يندرج ويتغير ضمنها أيضاً الحكم الأسدي وشركاؤه في القتل والتهجير. عالمنا السوري هو علاقة بين دولة إبادة سياسية وفيزيائية وهياكل دولية تكيفت مع هذه الإبادة أو تواطأت معها. نستطيع القول بالقدر نفسه من الوجاهة إن السبب البنيوي للجوء هو الدولة، سيادتها وعنفها الضاري ووجودها.

والخلاصة أن زوال اللجوء من دول إلى دول غير ممكن في عالم اليوم الواحد المكون من دول.

*كاتب سوري