تعيش محافظة إدلب حالة من الشتات العسكري والمدني بسبب تنوع المشارب السياسية والفكرية الموجودة فيها، خصوصاً بعد أن أصبحت نقطة تجمع كبيرة لثوار حلب والغوطة وحمص وإدلب.
هذا الشتات قد يجعل منها لقمة سائغة وهدفاً لقوات الأسد، ويضعها في مواجهة تحديات وهواجس جديدة، لعل أهمها وجه الشبه بين إدلب وحلب، وما إذا كان أهل إدلب سيشهدون ما شهده أهل حلب في ظل التآمر الدولي على الثورة السورية من جهة، والتخبط الفصائلي الذي تعيشه إدلب من جهة أخرى.

بحثاً عن إجابة مقنعة، التقينا بأكثر من خمسين شاباً يعيشون في إدلب وخارجها، ممن يحملون شهادات في اختصاصات مختلفة، وينتمون لتيارات فكرية مختلفة أيضاً. فكان جواب ثمانين بالمائة من هؤلاء الأشخاص، أنه لا يمكن أن تكرر تجربة حلب في إدلب.

محمد منصور (35 عاماً مهندس زراعي، يعيش في إدلب المدينة) يقول: “إدلب لا تشبه حلب بأي شكل من الأشكال، وموضوع تكرار التجربة الحلبية بعيد للغاية لأسباب عدة، فقد عاشت حلب فترة طويلة من الهدن مع قوات الأسد، وأمضى ثوار حلب أكثر من عامين في ظل تلك الهدن، ما انعكس بشكل سلبي على الجناح المسلح في الثورة، كما ألف المدنيون حال الهدنة وباشروا بأعمالهم وتجارتهم، وبدأت منظمات المجتمع المدني تنتشر في حلب، تلك العوامل ساهمت بشكل كبير في ابتعاد الثوار عن سلاحهم، ورضوخهم لأي هدنة قد تساهم في إنعاش الوضع الاقتصادي”.
يتابع “منصور”: “تلك الأمور وغيرها جعلت قدرة ثوار حلب على التحمل ضعيفة في ظل الحصار الذي فرضته قوات الأسد والميليشيات الطائفية (حزب الله، والميلشيات العراقية والإيرانية)، إضافة للقصف اليومي الذي تعرضت له أحياء حلب بهدف القبول بالحل الدولي وتسليم المدينة. وهذا ما تم في وقت لاحق”.
أما سامر المحمود (25 سنة، عنصر في الجيش السوري الحر يعيش في جسر الشغور) فيرى أن حلب تعرضت لمؤامرة دولية كبيرة، إذ تلقى قادة المعارضة وعوداً بالحصول على منطقة آمنة خالية من قوات الأسد في كل من حلب وحماة وإدلب، وعليهم الخروج من حلب حينها، والعودة إليها حالما يتم الاتفاق بشكله الكامل. لكن كل تلك الوعود تلاشت بعد انسحاب الثوار من حلب.
يتابع “المحمود”: “الوضع في إدلب يختلف نوعاً ما، لكن المؤامرات الدولية ما تزال تحاك، وأطماع الدول الغربية تزداد وضوحاً، وقد يتشابه حال حلب وإدلب، فمن يضمن عدم دخول قوات روسية بعد دخول القوات التركية؟ والقوات الروسية كفيلة بتسليم إدلب لقوات الأسد”.

في السياق، يقول عمار الإبراهيم (35 عاماً، يعيش في كفربنل): “إن طبيعة إدلب الجغرافية والسكانية تختلف عن طبيعة حلب، والتفكير بدخولها يحتاج جهداً وإعداداً كبيراً من قبل قوات الأسد، التي أنهكتها معاركها في المناطق الشرقية. إضافة لوجود أعداد كبيرة من المقاتلين في إدلب، خصوصاً بعد انتقال عدد كبير من ثوار ريف دمشق وحمص إليها”.
يتابع “الإبراهيم”: “لو فكر النظام بهجوم على إدلب، فسيكون قد فتح أبواب جهنم، لأن المقاتلين لن يجدوا سبيلاً سوى القتال، ومع مساحة الجغرافيا الواسعة، سيفقد النظام أضعاف ما فقده خلال السنوات الماضية، وستكون معركة طويلة الأمد لن تكون له السيطرة فيها، وستنتهي بقرار دولي”.
من جانبه يستبعد خالد عبد الرحمن (24 سنة، ناشط إعلامي)، تكرار سيناريو حلب في إدلب، وذلك لأسباب أهمها، أن حلب لم تكن حاضنة شعبية للثورة، ما جعل الدول التي تتدخل في القضية السورية تسمح بسيطرة قوات الأسد عليها دون أن تحدث تلك السيطرة أي ضغط على تلك الدول بالنازحين واللاجئين، حيث فضل غالبية سكان منطقة شرقي حلب البقاء تحت سيطرة النظام، أو الانتقال إلى ريفي حلب الغربي والشمالي.

ويتابع: “حلب مدينة صناعية تضم أعداداً كبيرة من الصناعيين والسكان، الأمر الذي يجعل منهم أداة ضغط على النظام لتسيير أعمالهم، وتأمين الخدمات الأولية لهم من كهرباء وماء واتصالات، وهذا ما يريده النظام، بل يشجع عليه لضمان استقرار عملته المتدهورة، والحد من التضخم الاقتصادي الذي أثقل عاتق حاضنته الشعبية. لكننا إذا تحدثنا عن إدلب، فهي لا تمثل للنظام ما تمثله حلب، باستثناء أنها منطقة جغرافية خارجة عن سلطته، وهي محررة بالكامل، وبإمكان السكان المحليين العيش فيها دون الحاجة للأسد وخدماته”.
ويشير خالد أنه يجب ألا ننسى أن إدلب آلمت النظام كثيراً خلال الأعوام الماضية، وقتل على أرضها الآلاف من قوات النظام والقوات الموالية له، ما يجعل نقمة النظام عليها أكبر، كنوع من الثأر، الأمر الذي سيجعل سكانها يفكرون بالهرب إلى دول أخرى إذا حاول النظام التقدم باتجاهها، محدثين بذلك أزمة حقيقة لتلك الدول، خاصة أننا نتحدث عن أكثر من مليون ونصف المليون، و”أعتقد أنه لا مصلحة للدول المجاورة باستقبال هكذا عدد أو جزء منه، كما اعتقد أن دخول القوات التركية إلى سوريا هو لمنع حدوث هذا الأمر”.

هذا ويظهر الدور التركي بشكل جلي في هذه الأيام، في ظل دخول قوات تركية بشكل شبه يومي إلى المناطق المحررة بهدف استطلاع نقاط التماس بين الثوار وقوات “قسد الانفصالية”. وقد صرح الرئيس التركي عبر قناة “”TRT أن “تركيا لن تسمح بحال من الأحوال، بقيام دولة إرهابية في الجنوب التركي”، فكانت مخرجات «آستانة» سبباً للدخول التركي الذي من شأنه أن يمنع أي اقتراب لقوات الأسد من إدلب، حسب ما تقتضي تلك المخرجات.

يقول الدكتورنصر اليوسف (محلل سياسي مقيم في موسكو): “تختلف تجربة حلب بشكل كبير عن تجربة إدلب، فالمعطيات المحلية والإقليمية مختلفة جداً، وأظن أن تركيا وبعد أن تعرضت لضغط اقتصادي شديد من قبل روسيا، وبعد خذلانها من قبل حلفائها في مواجهتها، لا سيما بعد المحاولة الانقلابية، وجدت نفسها في موقف ضعيف جداً ولم يكن أمامها إلا أن ترضخ للضغوط الروسية، وبالتالي، خسرت الثورة حليفاً قوياً، وكانت نتيجة تلك الخسارة الانسحاب من حلب برضا تركي. وبعد الأزمة الخليجية وتسابق دول الخليج لتقديم الأدلة على أنهم يكافحون الإرهاب، ويجتهدون في تجفيف تمويله، باتت أغلب الفصائل العسكرية في موقف ضعيف أجبرها على الابتعاد عن جبهة النصرة، التي أعلنت سابقاً فك ارتباطها بالقاعدة، وحاولت الظهور بشكل جديد يساعد في قبولها دولياً. وتفادياً لحصول دمار على غرار الذي حصل في حلب، سيتم حل جبهة النصرة سلمياً وفق رغبة روسية وموافقة تركية. وكان وزير الخارجية التركية صرح رسمياً بذلك، وبدأ فعلاً دخول القوات التركية إلى مناطق في إدلب، وسيتعزز وجودها وفق مخرجات آستانة، إذ تسعى روسيا لإتمام الأمر وفي وقت قصير، قبل الانتخابات الرئاسية الروسية”.

تتفق رؤية الدكتور رياض نعسان آغا، المتحدث الرسمي باسم الهيئة العليا للمفاوضات، مع رؤية “نصر اليوسف” إذا يرى الأول أن “المعطيات الدولية مختلفة اليوم، ومن غير المتوقع أن تتكرر تجربة حلب في إدلب”.
في حين يرى البعض أن اتفاق المصالح الروسية التركية هو الضامن الوحيد لإدلب، فروسيا ترغب بتفكيك جبهة النصرة وتركيا تحاول إبعاد خطر “القوات الانفصالية”.
الصحفي والعضو السابق في المجلس الوطني، منهل باريش، يرى أن سيناريو حلب يختلف عن سيناريو إدلب، لكن بشكل أو بآخر قد تتفق مصالح الدول التي نفذت سيناريو حلب (تركيا وروسيا)، على سيناريو جديد في إدلب.
يضيف “باريش”: “لا توجد حتى الآن خريطة واضحة للعملية التركية في إدلب، فالهدف الأساسي الظاهر حتى الآن من طرف الأتراك، هو حصار «عفرين» وقطع الطريق على «وحدات الحماية الكردية» لمنعها من أي تقدم مستقبلي باتجاه الغرب «إدلب»”.
ويرى “باريش”، أن هذا غير كاف بالنسبة لروسيا، لان تفكيك “جبهة النصرة” هدف رئيس.

وحسب المتغيرات الأخيرة على الأرض، نلاحظ دعم الطيران الروسي لقوات الأسد في محاولات تقدمها شرق حماة، بهدف الوصول إلى مطار «أبو الظهور». ما يدل على أن التفاهمات الأخيرة تأخذ طابع التدخل العسكري أكثر من طابع حماية المدنيين، وهو ما قد يشكل خطراً مستقبلياً على حياة الأخيرين في إدلب.

الصحفي والناشط الإعلامي محمد سلوم يرى أن تجربة حلب تختلف عن تجربة إدلب، فالثوار في حلب كانوا أمام أحياء محاصرة، تلك الأحياء تعرضت لضغوط أجبرت ثوارها على تسليمها والخروج إلى مناطق أخرى، لكن في إدلب لا يوجد مكان للخروج إليه.
يتابع “سلوم”: “أظن أن المقارنة بتجربة الرقة مناسب أكثر في هذا المكان، حيث تم اجتياح المحافظة جزءاً فجزءاً، وكان المدنيون ينتقلون من نقاط الاشتباك إلى نقاط أكثر أماناً، حتى تم الانتهاء من المحافظة بشكل كامل”.
مضيفاً: “الكثافة السكانية الموجودة في إدلب ليست بالأمر السهل، فموضوع الاجتياح العسكري مستبعد في هذه الحالات، ومن الممكن الوصول إلى حل في إدلب بشكل سلمي بالتعاون بين روسيا وتركيا، وبالتنسيق مع مؤسسات وهيئات على الأرض، في محاولة لإبعاد قوات الأسد والقوات الإيرانية عن إدلب”.

في حين يرى عدد آخر ممن استطلعنا آراءهم، أن إمكانية تكرار تجربة حلب في إدلب قائمة. خاصة في ظل انقسام الفصائل وحالة الصراع الداخلي الموجودة على الأرض.

يقول محمد الحسين (30 عاماً، إعلامي وناشط ميداني من ريف حماة): “كل معطيات الوضع في إدلب اليوم، تأخذنا إلى مصير مشترك مع حلب. فحالة الاقتتال الداخلي الموجودة بين الفصائل من جهة، ومحاولات قوات الأسد التقدم من ريف حماة باتجاه إدلب من جهة أخرى، تنذر بما لا نتمناه”، مضيفاً: “مخاوفنا تلاشت بعض الشيء مع توارد أنباء دخول قوات تركية إلى إدلب، ونتمنى أن يصل انتشار تلك القوات إلى مناطق ريف حماة لتنقطع يد قوات الأسد عن المنقطة بشكل كامل”.

من جهة أخرى يرى البعض أن الثوار لم يطرحوا أنفسهم كبديل أفضل من بشار الأسد. يقول خالد العمر (44 سنة، مدرس): “أتوقع أن تتكرر تجربة حلب في إدلب لأننا لم نطرح أنفسنا كبديل مناسب عن بشار الأسد، ما جعل الغرب يتناول الموضوع السوري من زوايا أخرى غير رحيل بشار الأسد، هذا الأمر من شأنه أن يمنح الأخير شرعية جديدة، ويدفعه لمحاولة السيطرة على كل بقعة خارجة عن نفوذه، حتى لو اضطر لاستعمال الأسلحة المحرمة دولياً.

تفاوتت الآراء التي طالعتنا خلال العمل على إنجاز هذه المادة، لكنها في تفاوتها، تعكس حال التشتت والانقسام الذي تعيشه إدلب في ظل مصير ما يزال مجهولاً حتى بالنسبة لعرّابي السياسة الدولية.

*فريق بوابة سوريا – إدلب