“على المرء أن يتفلسف، شاباً وشيخاً. في الحالة الثانية لاستعادة وهج الشباب بِتذكر الأيام الخوالي، وفي الحالة الأولى للثبات مثلَ شيخ في وجه الآتي، بالرغم من فورة الشباب”1 

معلومٌ للكثيرين أن تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” وبعض الفصائل الإسلامية المرتبطة بالتنظيم، قد فرضوا من جملة ما فرضوه في المناطق السورية التي كانت تحت سيطرتهم سابقاً، في ما يخص “ديوان التعليم” بحسب لغة “داعش”، فرضوا إلغاءَ مادة الفلسفة من المنهاج الدراسيّ. يأتي قتل العقل هذا، كشكل من أشكال القتل كافة التي طالما مورست بحق الأطفال صغاراً ومراهقين، كمِثل الإعدام، الاعتقال، استرقاقهم وبيعهم، تزويجهم قسراً، استخدامهم كدروع بشرية، تدمير المدارس، التشريد والتجويع… (انظُر، على سبيل المثال لا الحصر، تقرير الشبكة السورية لحقوق الإنسان بمناسبة اليوم العالمي للطفل، في تشرين الثاني / نوفمبر 2017 تحت عنوان “أطفال سورية.. الخذلان الفاضح”).

أُلغيَت مادة الفلسفة بحجة عدم استنادها إلى الدين، كذلك حذف من مادة العلوم كل ما يتعلق بنظرية داروين، أو ردِّ الخلق للطبيعة أو الخلق من عدم، لتكريس وجهة نظر واحدة وحيدة ترد الخلق إلى الله. يمكننا هنا على سبيل المناقشة، طرحَ السؤال الآتي: لماذا لا يكون الإيمان بالل، إذا  كان لا بد من هذا الإيمان، من طريق العقل بحيث يجري تعقيل الإيمان، بدلاً من قوقعة العبادة والتعبّد والعبودية الناشئة من إلغاء العقل المتفلسف الحر؟ نطرح هذا السؤال الوعر، مدركين كم يشقّ على ذوي التعصّب والإلغاء تقبّل مجرد طرحه حتى!

وعلى سبيل المناقشة أيضاً يمكننا الحديث عن علاقة ما، بين الفلسفة بوصفها عناية روحية تتبصر في المثل الأعلى وفي القانون الأخلاقي وفي ما ينبغي أن يكون، وبين الدين بوصفه منظومة أخلاقية، كمثل علاقة الفلسفة بالعلم بوصفه محاولة تستند إلى الملاحظة والتجربة، والفن بوصفه خيالاً مبدعاً وخلاّقاً. قد لا نجانب الصواب إنْ قلنا إنّ الفلسفة هي المعيار على تقدم الأمم والشعوب أو تخلّفها. كانت النهضة في ألمانيا – مثلاً- نهضة دينية فلسفية. وكانت مشكلات “كانط” مثالاً أيضاً، عن (ماذا أعرف وماذا يجب عليّ أن أسلك)، ذات قيمة دينية لا تقلّ عن قيمتها الفلسفية. يحتاج الدين إلى عقلانية الفلسفة، والفلسفة غالباً لا تتجاهل المشكلات الدينية، كمِثل حاجتنا نحن البشر إلى الحياة الإنسانية والعالم الطبيعي. إن إشكاليّات كمِثل الله والروح والوحي لا يمكن إلا أن تكون إشكاليّات فلسفية دينية. تُرى ما الضَّير في أن يطّلع التلاميذ في المدرسة، ولو مجرد اطلاع، على جوهر اسبينوزا اللاشخصي مثلاً، أو على مفهوم الواجب عند كانط، أو الدفعة الحيوية عند برغسون، أو إرادة القوة عند نيتشه، أو المدينة الفاضلة عند الفارابي، أو مفهوم العمران عند ابن خلدون…إلخ؟ إن كتاب “تهافت الفلاسفة” مثلاً، لأبي حامد الغزالي هو كتاب يعتمد نهج الفلاسفة في الحجة والبرهان، ويسلك طريق العقل في دحض مقولات الخصوم. وإن الفلسفة العربية الإسلامية تنطلق من نصوص الإسلام، ومن تصور الإسلام للحياة والكون والخالق. كان يشغل عقل فيلسوفٍ كمِثل الكندي (805-873) إيجادُ التوافق بين الفلسفة والعلوم الاسلامية والدين. في الحقيقة، حتى لو أُلغيت الفلسفة بوصفها مادة في منهاجٍ دراسيّ، فالسؤال الفلسفيّ المنبثق عن الحرب وويلاتها لا يمكن إلغاؤه ولا وقفه. الفلسفة سؤال. وكان من أبرز عوامل نشوء الفلسفة الإسلامية، الحروب الداخلية التي شهدها المجتمع الإسلامي، والتي أثّرت بشكل كبير على مسألة النقاش في الموضوعات العقائدية.

يأتي النقد في صلب الفلسفة، وإن التفكّر في الدين فلسفيّاً، يعني التصدي نقداً لتلك العقلية غير العلمية التي تزدري العلم بصفة عامة والعلوم الإنسانية بصفة خاصة، بل تسعى إلى تحطيم العقل العلميّ والنقديّ. إن الفلسفة بوصفها محاولة مستمرة للاستكناه والمشي والبحث والتجريب والمكابدة والمساءلة، ليس من شأنها أن تُلغى، خصوصاً أن أسّها السؤال، والإنسان بطبيعته كائن متسائل. نحتاج إلى الفلسفة بوصفها نظرة حياة، وطريقة ظهور معنانا في الحياة. التفلسف، عشق وشغف يولدان كل يوم بالروح الفلسفية الفذة الممهورة بالبصيرة وبالشعرية والتأمل والشجاعة والإبداع والنحت المفاهيميّ. معه، أي التفلسف، يصعب الخوف من أن يُلقى بنا في الجحيم. إن التفلسف صديق الحياة بوصفها صيرورة وسيرورة، لا يغفل عنها ولا يهجرها. ووحدها الفلسفة تكشف وحدة العالم وقيمته الحقّة.

يتناتشون، وقبل وقف المجزرة، “إعادة إعمار سوريا”! ويقصدون دوماً إعماراً مادياً استثمارياً تجارياً، انتهازياً ووصولياً جشعاً. الإعمار المادي مهم، غير أن الأهم، هو إعمار الحياة العقلية الوجدانية المتفلسفة. قد يهجس بعض اللاجئين في الأصقاع بحلم العودة من أجل المشاركة في “إعادة” إعمار المعنى. كيف يمكن مواجهة كل هذا الخراب العميم بدون تفكير فلسفيّ حر؟ بدون تطوير آليات النقاش والجدل والتحاور والتجرّؤ على الفحص والتفكّر، وبدون السؤال بدلاً من الإجابات القاطعة، والشك الفلسفيّ بدلاً من اليقين والجزم؟!

1- من رسالة أبيقور إلى مينيسي، كتاب “سير وآراء مشاهير الفلاسفة” لـ ديوجين، الجزء 2، ترجمة: هيبتن الحيرش.

* كاتبة سوريّة، لديها مساهمات في صحف ومنابر عديدة. صدر لها كتاب “ثورة الحرية السورية.. أفكار وتأملات في المعنى والمغزى”، وكتاب “الزوبعة”.