لم تنطلق الثورة السورية، وضمنها ثورات “الربيع العربي”، باعتبارها خياراً من الخيارات السياسية، كما ذكرت مراراً، إذ إن الثورات، أو الانفجارات، حصلت بسبب انسداد التطور السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي في بنى الدولة والمجتمع، الناجم عن وجود سلطات استبدادية، باتت بمثابة منظومات متكاملة، تعيد إنتاج ذاتها، منذ أكثر من نصف قرن، والحديث هنا طبعاً يطال الأنظمة الجمهورية والملكية.

ويمكن تكثيف دور هذه الأنظمة بتغييبها أو مصادرتها الدولة ومكانة المواطن والحرية، وهذا يعني أن مجرّد قيام الثورات لن يحلّ المشكلة تماماً، وإن كان قيامها يعبّر عن ضرورة تاريخية، تفترض كسر الطغم الاستبدادية الحاكمة، كشرط لازم لتحرير مسار التغيير أو التطوير السياسي والاقتصادي والثقافي في المجتمعات المعنيّة.

اللافت أن معظم مشاريع الإصلاح في العالم العربي كانت تتجاوز تلك المسائل التأسيسيّة، أو تلتفّ عليها، كما حصل في تقارير “التنمية الإنسانية العربية” التي كانت صدرت تباعاً في النصف الأول من العقد الماضي (2002-2005)، وشاركت في إعدادها نخبة من الأكاديميين والمثقفين والباحثين في السياسة والثقافة والمجتمع والاقتصاد. ويذكر أن اجتماعات القمة العربية، التي عقدت تلك الفترة، ناقشت هذه المواضيع، مضطرة، وأصدرت بشأنها قرارات، وإن ظلت حبراً على ورق، وذلك بسبب الضغط الأمريكي، ولا سيما مشروع “نشر الديمقراطية”في العالم العربي، الذي كانت تبنّته الإدارة الأمريكية وطورته فيما سمي مشروع “الشرق الأوسط الكبير” (2002)، الذي نظّر له وقتها تيار “المحافظون الجدد” في الولايات المتحدة.

على أية حال، فإن تلك التقارير لخصت أزمة التنمية الإنسانية العربية بثلاثة نواقص هي: نقص الحرية، نقص المعرفة، ونقص تمكين المرأة، على أساس أن تمكين الناس منها (مع التنمية الاقتصادية والتعاون البيني) قد يمكّن العالم العربي من السير على سكّة التطور، أي إن هذه التقارير، مع التقدير للجهد المميز المبذول فيها، لم تسلم من الحسابات السياسية، التي جعلتها تتجاوز مسائل حاكمة تتمثل بنقص الدولة ونقص المواطنة في العالم العربي، وإن تحدثت بلغة تقريرية وأكاديمية عن نقص الحرية، دون صلة بواقع الدولة والمواطن.

 فيما يخص نقص الدولة، في سوريا (وفي العالم العربي)، فإننا نقصد نقص تطوّرها الكياني/المؤسّساتي والقانوني، وشكل حيازتها على الشرعية نسبة إلى مواطنيها، وتقويض وضعها كجهاز عمومي ناظم، وغيابها، كدولة، وغلبة الوظيفة السلطوية عليها، وافتقارها إلى الشرعية، والفجوة فيما بين الحكام والمحكومين، ولعل الشعار المشين: “الأسد إلى الأبد” أو “الأسد أو نحرق البلد”، يكثف كل ذلك. وقد وصل الأمر بمفكر عربي هو برهان غليون، إلى وضع كتاب عنوانه: “المحنة العربية – الدولة ضد الأمة”، ووضع مفكر عربي آخر هو خلدون النقيب كتاباً عنوانه “الدولة التسلطية في المشرق العربي”.

يستنتج من ذلك أن الثورة السورية، ومثلها ثورات الربيع العربي، معنيّة أساساً بإعادة الاعتبار للدولة أولاً، بما هي دولة مؤسّسات وقانون، لأن قيام دولة كهذه هو حجر الزاوية في فتح باب التطوّر، ولأنه من دون ذلك لا يمكن الحديث عن مواطنين يتشكّلون بوصفهم شعباً، ولا الحديث عن حداثة أو ديمقراطية أو تنمية اقتصادية واجتماعية وثقافية، فهذه هي دروس ستة عقود من تعثر قيام الدولة في واقعنا العربي.

بعد ذلك يأتي نقص المواطنة مع التأكيد بأن ذلك يتأتى من نقص الدولة، التي تتأسس على مواطنين أفراد، أحرار، ومتساوين إزاء القانون. ومعنى المواطنين الأفراد هنا: استقلاليتهم عن الانتماءات القبلية، العشائرية والطائفية والإثنية، دون أن يعني ذلك إلغاء هوياتهم الأولية، أو انفصالهم عن جماعاتهم، لكنه يعني اعتبار هويتهم كمواطنين أساساً لعلاقتهم بالدولة، وأساساً لعلاقتهم بالمجتمع، وببعضهم كأفراد. وعليه فإن نقص الدولة، وتالياً نقص المواطنة، يحيلان إلى نقص المواطنين بصيغة الجمع، أي النقص في إدراك مفهوم المجتمع، أو الشعب، والنقص في تشكله كوحدة بشرية إزاء غيره من المجتمعات.

ثمة ملاحظات مهمة يفترض الإشارة إليها هنا، في معرض التفكير السياسي بالدولة والمواطنة والحرية والديمقراطية، مفادها، أولاً، أن الدولة عندنا نشأت، على الأغلب، بصورة مشوهة، في رحم الحقبة الاستعمارية، بوساطة الجيش، أو بواسطة العشيرة، والجهاز البيروقراطي، وعلى قاعدة وصائية وريعيّة وتسلطية، ولم تنشأ بواسطة التطورات الطبيعية السياسية والاقتصادية والمجتمعية. وفوق ذلك فهي نشأت مأزومة لجهة الشرعية، مما جعلها تبحث عن مصادر مختلفة لشرعيتها من خارج الشرعية المجتمعية، أي المتأتيّة من مواطنيها، من خلال ادعاء التصدي للتحديات الخارجية، أو بتبني أيديولوجيات أو شعارات لا علاقة لها بحاجات المجتمع المعني وأولوياته، الأمر الذي فاقم من غربتها كسلطة. المهم أن الدولة العربية التسلطية اشتغلت على إقصاء المجتمع، وتهميش الفرد، وتحويل جهاز الدولة إلى مجرد جهاز للسيطرة والتحكم. في المقابل، فإن الدولة الأوروبية الحديثة نشأت بواسطة البرجوازية، وعلى قاعدة الضرائب والتمثيل والمساواة أمام القانون، وبدفع من الثورة الصناعية، والتطورات في مجال العلوم والتكنولوجيا وانتشار التعليم والمعرفة في المجتمع، التي أدت إلى ظهور المدن، ونشوء الأسواق القومية، ونمو الطبقة الوسطى (من المثقفين والمتعلمين)، والمجتمع المدني. وكانت هذه التطورات أفضت، في حينه، إلى نشوء دولة مدنية، ودستورية، تكفل حقوق الإنسان، وتحد من السلطة المطلقة، بواسطة الفصل بين السلطات الثلاث (التشريعية والقضائية والتنفيذية)؛ وتلك هي الدولة التي أمكن لها التوجه نحو المسار الديمقراطي، ودولة المواطنين.

ثانياً، بيّنت التجربة أن الثورات في العالم العربي تعاني من مشكلة أساسية ستؤثّر كثيرا على مساراتها، ومستقبلها، وهي المتعلقة بالإجابة على معنى، أو على سؤال، الحرية، وهي الشعار الجامع لها وللقوى المنخرطة فيها، لا سيما أن هذه القوى العلمانية أو الدينية أو الوطنية أو اليسارية، بخاصة في الثورة السورية، كشفت عن ضعف تمثُّلِها لهذا المعنى في إدراكاتها، وفي سلوكياتها السياسية، وذلك على رغم ميلها نحو الديمقراطية. هكذا بتنا في مواجهة مسارين مختلفين ومتمايزين، الأول يجري فيه التشديد على الديمقراطية، وتشكيل الأحزاب والانتخابات، وتداول السلطة والاحتكام لإرادة الشعب باعتباره مصدراً للسلطة. والثاني يتم فيه الاشتراط على معنى الحرية وحدودها، بالنسبة للمواطن الفرد، بدعوى خضوع الأقليّة للأكثرية، وبدعوى الحفاظ على الخصوصيات والعصبيات الهوياتية (الدينية أو الأثنية)، في وضع باتت فيه الثورات كأنها تناقض نفسها، أو تقيد نفسها. هكذا في البحث عن معنى الحرية في الثورات، نقف إزاء إشكاليات وتحديات كبيرة وعميقة، بعضها سياسي نابع من الغياب التاريخي للمشاركة السياسية ولتقاليد العمل السياسي والحزبي، والخضوع لأنظمة استبدادية لقرون. وبعضها اجتماعي اقتصادي ناجم عن ضعف التمدين وعن تخلّف الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية في المجتمعات العربية. وبعضها ناجم عن سياسات “الهوية” في هذه المنطقة، التي تشتغل على ترسيخ الانقسامات العمودية (الدينية والإثنية)، وإضعاف مسارات الاندماج المجتمعي في البلدان العربية، وتغييب المواطن الفرد.

ثالثاً، لعل ما يفاقم تعقيدات هذه المشكلة وصعوبتها أن الثورات الحاصلة هي الأولى من نوعها في تاريخ المجتمعات العربية، وأن هذه المجتمعات تتوخّى الدخول مباشرة في الثورة الديمقراطية، على خلاف التجربة الأوروبية، أي دون المرور في ثورة تحرير العقل والعلمنة، ودون الدخول في الثورات الليبرالية التي أدّت إلى تحرير الفرد بوصفه قيمة عليا، واعتبار المواطن بمثابة الوحدة الأساسية في المجتمع، بعيداً عن أية تنميطات أو انتماءات أخرى (على أساس الدين أو العرق أو الجنس أو الوضع الطبقي)، وهما أمران لا يبدو أن بمقدور الثورات الراهنة تحقيقهما في ظل هيمنة سياسات الهوية والتنميطات الجمعية العمودية (الدينية أو العشائرية أو الإثنية). هذا يعني أن الديمقراطية في البلدان العربية ستبقى ناقصة، وقد تنطوي على ما يثير المخاوف، إذا إنها لم تطعم بحمولات ليبرالية، تتعلق بالحرية والمواطنة وإعلاء شأن الإنسان الفرد، وضمن ذلك ضمان حقه في الاختيار والمساواة وتكافؤ الفرص.

*كاتب سياسي فلسطيني