الصفحة الرئيسية في سوريا وقف دعم المجالس المحلية شمال سوريا وسيلة لمكافحة التطرف!

وقف دعم المجالس المحلية شمال سوريا وسيلة لمكافحة التطرف!

0

“بقي مجلس مدينة سراقب المحلي يعمل بشكل مستقل حتى بعد ثلاثة أشهر من تغلب هيئة تحرير الشام (النصرة سابقاً) على حركة أحرار الشام وإخراجها من المنطقة، وعندما شكلت الهيئة حكومة الإنقاذ التابعة لها كان مجلسنا يدير أكثر من ثمانية مشاريع من ضمنها الكهرباء والمياه والسجل العقاري والنفوس والنظافة وغيرها، وكنا قد حصلنا على موافقات من جهات داعمة لتنفيذ أكثر من ستة مشاريع جديدة منها مشروع إنارة الشوارع بالطاقة الشمسية من كيمونيكس، ومشروع إنشاء بنك الدم من مؤسسة الإغاثة والتنمية الدولية IRD وغيرها. لكن كل ذلك توقف تقريباً بعد أشهر من الصراع بين المجلس المحلي وحكومة الإنقاذ انتهت بتدخل القوة العسكرية لهيئة تحرير الشام واستيلائها بالقوة على مشاريع المجلس لصالح حكومة الإنقاذ خاصتها”. كان ذلك جزءاً من مقابلة طويلة مع مسؤول في المجلس المحلي لسراقب فضل عدم ذكر اسمه، خشية أن يتعرض للملاحقة، حول واقع الإدارات المحلية في الشمال السوري بعد اتجاه معظم البرامج والمنظمات الدولية إلى وقف الدعم عن تلك المناطق.

شكلت المجالس وغيرها من الإدارات المحلية الساحة الأبرز للصراع الإداري الذي تعيشه مناطق شمال سوريا منذ منتصف العام الماضي، بين حكومة الإنقاذ التي تشكلت بدعم من هيئة تحرير الشام من جهة والحكومة السورية المؤقتة التي تمثل المعارضة من جهة أخرى، ارتبطت المجالس المحلية بالحكومة المؤقتة من خلال مجالس المحافظات التابعة لوزارة الإدارة المحلية، لكن بعد تشكيل حكومة الإنقاذ تحاول الأخيرة الهيمنة على مؤسسات الحكم من مجالس محلية ومديريات بشتى الطرق، بدءاً من الإغراء بتقديم الدعم، وصولاً لاقتحام المكاتب والاستيلاء على محتوياتها واحتجاز غير المنصاعين، كما حدث مع مكاتب الحكومة المؤقتة ومجلس المحافظة ومديرية التربية وغيرها. وللاقتراب من فهم حجم ساحة الصراع الإداري تلك نذكر أنه في إدلب وحدها يوجد 156 وحدة إدارية بينها 15 مجلس مدينة و96 بلدة بالإضافة لـ 45 مجلس قرية، ويزداد العدد بإضافة مجالس ريفي حلب وحماة. كل تلك المجالس تأثرت تقريباً بقرار وقف التمويل حسب ما يقول معاون وزير الإدارة المحلية في الحكومة المؤقتة أحمد قسوم، يضيف الرجل: “أساساً لم يكن الدعم المقدم للمجالس المحلية كبيراً، قياساً بحجم الأعباء المترتبة عليها في محافظة تضم ملايين السكان والمهجرين، ولم يكن هناك تمويل لمشاريع كبيرة أو طويلة الأمد، والآن حتى المشاريع الصغيرة توقف تمويلها”. يصعب تقدير حجم التمويلات الفائتة على الإدارات المحلية في الشمال في ظل شح المعلومات، لكن الرئيس الأسبق لمجلس سراقب والمختص في شؤون المجالس المحلية أسامة الحسين يؤكد أن قيمة التمويل الذي خسره المجلس المحلي فقط في ثلاثة مشاريع جديدة كان يفترض تنفيذها بلغت أكثر ربع مليون دولار، وذلك من أصل أكثر من عشرة مشاريع قائمة أو جديدة في المدينة. ويرجح أن الأمر عينه حدث في مدن إدلب وخان شيخون والأتارب ودارة عزة وغيرها. وبذلك نكون أمام أزمة يرجح أن يكون لها انعكاسات اجتماعية عديدة.

هل ندعم المتطرفين؟

معظم التمويل الذي تحصل عليه مؤسسات الإدارة المحلية في الشمال السوري يأتي من دول مانحة مثل أمريكا وبريطانيا وألمانيا ودول أوروبية أخرى ضمن برامج مثل برنامج إعادة الاستقرار SRM وبرنامج بناء شرعية المجالس المحلية BLLC وغيرها، كما يشرح أسامة الحسين “توكل الدول المانحة هذا العمل إلى شركات أو منظمات دولية خاصة تقوم بدور المنفذ مثل كيمونيكس وآدم سميث وإنتغريتي وغيرها، في المرحلة الثالثة تأتي المجالس المحلية والمديريات ومنظمات المجتمع المدني السورية المستفيدة من تلك المنح. وقرار إيقاف المنح أو عدم تجديدها يأتي من الدول المانحة نفسها”. لقد تبنت الدول المانحة في البداية سياسة دعم الإدارات المدنية في تلك المناطق لعدة أهداف اهمها مكافحة التطرف ومواجهة نفوذ هيئة تحرير الشام بشكل خاص، “لكن بعد توسع نفوذ الهيئة وتشكيلها حكومة الإنقاذ أواخر العام الماضي، بدا أن استمرار التمويل هو بمثابة دعم غير مباشر للهيئة المتطرفة، أو في أفضل الحالات تخفيف للأعباء عنها” كما يقول أحد العاملين في منظمة دولية، طلب عدم ذكر اسمه لأنهم ملزمون بعدم التصريح بأي معلومات متعلقة بعملهم لأي جهة خارجية. ولا يستبعد المصدر عودة قنوات التمويل للعمل مجدداً إذا ما تغيرات خارطة النفوذ على الأرض لصالح القوى المعتدلة، “لكن إذا ما بقيت السيطرة للمتطرفين فإن الدول المانحة تعول على وقف الدعم كوسيلة جديدة لمكافحة التطرف، فغياب الخدمات لا بد سينتج غضباً شعبياً ضد الهيئة وقد يكسر سطوتها في المستقبل”.

لعلكم حقاً تدعمون المتطرفين!

الجانب الآخر في قصة الإدارات المحلية وصراعها ضد حكومة الإنقاذ ودور التمويل في هذه العملية يكشفه لنا أحمد قسوم معاون وزير الإدارة المحلية: “على مدار السنوات الماضية اتجه الدعم إلى المجالس المحلية الفرعية بشكل مباشر، متجاهلاً مجلس المحافظة المنتخب كمؤسسة مرجعية يفترض أن تلعب دوراً في رسم ملامح الحكم المحلي، ومتجاهلاً كذلك الحكومة المؤقتة ومؤسساتها، لذلك لم يساهم الدعم فعلياً في بلورة إدارة محلية متماسكة في إدلب كمحافظة. لأسباب ما، وجد الداعمون في المجالس الفرعية على مستوى المدن والبلدات شريكاً أفضل، ونحن الآن نحصد نتائج ذلك الخطأ. حرمان مجالس إدلب من الدعم وحرمان سكانها البالغ عددهم أكثر من مليونين من الخدمات الأساسية، في وقت تبحث فيه حكومة الإنقاذ عن الشرعية هو مجازفة لا تحمد عقباها”.

تتحمل الدول المانحة والمنظمات العاملة لديها جزءاً من المسؤولية عما يحدث اليوم في إدلب والشمال السوري عموماً، إخفاق قراءاتها وسياساتها في سوريا أحد أسباب الاستعصاء القائم اليوم بين خياري ضخ موارد قد تصل لأيدي المتطرفين في النهاية أو التضحية بحقوق ملايين المدنيين من السكان والمهجرين في الحصول على السلع والخدمات الأساسية، وأيضاً بالبنى الإدارية المحلية التي تشكلت وتعمل منذ سنوات ضمن أقسى ظروف الحرب، أولئك المهندسون والمحامون والطلاب وغيرهم ممن تطوعوا لتشكيل المجالس المحلية وإدارتها ليس لديهم الكثير ليفعلوه أمام بنادق جهاديي هيئة تحرير الشام وعنف مهاجريها، لكنهم ما زالوا يقاومون هناك بشجاعة. قبل أيام صدرت بيانات موحدة المضمون عن أكثر من عشرين مؤسسة وفعالية مدنية وأهلية في الشمال، تدين ممارسات حكومة الإنقاذ وتعلن عدم الاعتراف بها وتدعو لاستقلالية العمل المدني عن أي فصيل عسكري. على المانحين ألا يتركوا هؤلاء لوحدهم في المواجهة، فإيقاف رواتب الكوادر الإدارية لمديرية التربية الحرة في إدلب قد لا يعني سوى تعريض مستقبل تعليم مئات آلاف التلاميذ للخطر، ورفع سعر الخبز في سراقب وغيرها من المدن والبلدات قد يؤدي فقط إلى زيادة عدد غير القادرين على تحصيل كفايتهم منه.

*باحث وصحفي سوري

guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments