الصفحة الرئيسية المدونة المدارس الميدانية.. “براعم الغد” مثلاً

المدارس الميدانية.. “براعم الغد” مثلاً

0

كمَن يهزأ من بغضاء جعلت الحياة في أعينهم سوداء قاتمة، يحاول البعض من الأحرار السوريين مواجهة الحقيقة الرهيبة بالحلم، كيف؟ كالآتي: “سنطلب العلم ولو بالطين” لافتة رفعها طفل ملطَّخ بالطين فعلاً، يجلس خلفه زملاؤه على التراب في مدرسة “براعم الغد” الابتدائية الثورية، وهي مدرسة ميدانية بسيطة بساطة كافية للإحساس بالوجود، أُسِّست بتعاون من الأهالي في ريف حمص الشمالي المحاصَر، تحديداً في قرية المكرمية، بعدما دُمِّرت المدارس جرّاء قصفها بطائرات نظام الأسد. أُسست المدرسة في الأول من أيلول/ سبتمبر عام 2016، وتضم أكثر من مائتي تلميذ وتلميذة، وكادراً من مدرّسات ومدرسين، متطوعات ومتطوعين.

 أسس الأهالي هذه المدرسة كشكل من أشكال مواجهة الجهل والضياع. بيدَ أن المدرسة المكتوب على أحد حيطان صفوفها “بيتك الثاني”، تفتقر إلى أغلب الخدمات، إذ لا يوجد في بعض الصفوف لا أبواب ولا شبابيك، وفي صفوف أخرى لا توجد مقاعد دراسية، إذ يفترش التلاميذ حصيرة متواضعة وإلى جانبهم تصطفّ أحذيتهم. إضافة إلى ذلك، يفتقر التلاميذ إلى القرطاسية. بعض هؤلاء التلاميذ صاروا أيتاماً بعدما استشهد آباؤهم، بعضهم صار آباؤهم معاقين جراء القصف، وبعضهم نازح من منطقة أخرى.

يبدأ التعليم في هذه المدرسة من الصف الأول وحتى الصف السادس (حلقة أولى)، لكل صف ثلاث حصص أسبوعياً، والدوام في المدرسة أربع ساعات يومياً، يأخذون خلالها دروساً في اللغتين العربية والإنجليزية وفي الرياضيات والعلوم والاجتماعيات والرياضة والرسم والموسيقى. وقد تم تصميم غرفة أنشطة فيها كرة يد وكرة قدم وحبل وبالون.

مدرسة “براعم الغد” الابتدائية الثورية، مدرسة ميدانية متواضعة في الشكل والتجهيز، لكنها ميدان غني في المعنى بوصفه حاضراً جديداً، يقف أمام قسوة العالم، يحفر في الصمت وفي “لا تعليق” يهيله على هذا العالم، وهي أيضاً ميدان غني بوصفه مستقبلاً  ينتظر ويتفكر في بيداء هذه الحياة.

حين أفصحتُ مرة في حوار هادىء مع مدير مدرسة “براعم الغد”، عن رغبتي العميقة والحالمة في التطوع يوماً ما للتدريس في مدارس كهذه، قال لي: “الله ينصرنا وتعودون إلى سوريا بخير وسلامة، واعتبري من الآن أن مكانك محفوظ”، فسألتُه إن كانوا يتقبّلون مدرِّسة لا ترتدي حجاباً، فأجاب: “نحن لسنا من المتشددين. نحن كلنا من سوريا وأنا مع كل الطوائف لكن من دون نزاعات. نحن فقط ضد نظام الأسد”. في سياق الحديث قال لي إنه “يكره الغربة ولو ليوم واحد فقط، ويتمنى الموت في سوريا على ألا يحدث ذلك”. فرحَ حين سألتُه: “كيف عايشين بشمال حمص المحاصَر؟” وقال:” يوجد طعام وشراب يصلان من طريق المعابر الإنسانية، لكن الأسعار تكون مضاعفة”. سألته إن كانوا يخشون أن يحصل في منطقتهم كما حصل في غوطة دمشق وأن يجري تهجيرهم قسراً، فقال:”نحن مؤمنون بالقضاء والقدر، وثمة أناس جاهزة لتقديم أرواحها فداءً لأهلها”.

ذات صباح، أرسل إليّ مدير المدرسة مقطع فيديو، إيقاعه كمثل غناء زنابق الحقول، وترانيم مجد السماوات والغيمات. في الفيديو، يوجّه أحد المعلمين في مدرسة “براعم الغد” نفسها، سؤالاً إلى كل تلميذ من تلامذته:”شو حابب تصير بالمستقبل؟”، ويجيب التلاميذ والتلميذات:”عنصراً في الدفاع المدني. أستاذاً. دكتورة. محامية. صيدلانية. كهربائيّاً. شاباً (شَب)”. تبدو الإجابة الأخيرة الصادقة جداً والعفوية والمنطقية والطبيعية كأنها انتقال من اختلافاتٍ عامة إلى اختلاف فريد، في فيديو يكشف عن أرواح أطفال قد تجعل المرء يسائل نفسه في أيام الاضطراب والألم واليأس القاتل، وربما تحيي في الآن عينه، شيئاً ما في نفس متأمِّلة يعطّر العيش المنكوب.

*كاتبة سوريّة

guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments