مشاركة

في أيار/ مايو 2017، اجتمع البعض من السوريين والسوريات في إحدى الساحات الشهيرة في مدينة كولونيا غرب ألمانيا، تنديداً بمجزرة الكيماوي التي ارتكبها نظام الأسد، ضد أهالي مدينة خان شيخون بتاريخ 4 نيسان/ أبريل 2017، وراح ضحيتها العشرات بينهم نساء وأطفال.

“الشعب يريد إسقاط النظام”، هكذا ردد المتظاهرون والمتظاهرات يومئذ. “إي اللي سقّطناه بسوريا، هون بدنا نسقطو!” هكذا كان البعض منهم يقول خلسةً. والكلام الأخير هذا ليس نادراً بين أوساط البعض من السوريين والسوريات الذين ما انفكوا يجتمعون في الساحات العامة في بلاد اللجوء، تفاعلاً مع ما يحدث في البلد الأم سوريا، في ثنايا قدَرٍ تنوء بحمله الأرض، وأشد ما يكون من نكد يمكن أن يكون قد ابتلي به السوريون، الأمر الذي قد يدفع إلى التساؤل: هل ينبغي إعادة طرح شعارات الثورة نفسها التي في الداخل أثناء التظاهر في الخارج، أم أن صوغ لغة جديدة تناسب مكان التظاهر الجديد قد صار ضرورياً؟

ربما ينبغي التنويه أولاً إلى أنه ما من داخلٍ مطلق هنا، ولا خارجٍ مطلق، خصوصاً أن القضية السورية غدت قضية داخل وخارج على السواء وفي الآن عينه، وينبغي إدراك ذاك التعاقب القبْلي والبَعدي بوصفه تعاقباً إلزاميّاً، خصوصاً أيضاً أن البعض ممن كان ثائراً يتظاهر في الداخل، هو نفسه مَن يواصل التظاهر في الخارج بعدما صار لاجئاً. وعليه، فإن مواصلة طرح شعارات الثورة نفسها في الخارج هو شكل من أشكال مواصلة دعم الثورة معنوياً، عبر التذكير المستمر بشعاراتها والحفاظ على نضارتها وحرارتها، من خلال إحيائها، كلّما بدا أن هذا الشعار أو ذاك قد صار غير ملحوظ، وكون بعض هذه الشعارات هو بمثابة معايير في الخيّر والشرّير، في العادل والجائر، في الشريف والوضيع.

لم تكُ شعارات الثورة السورية إنشاء محضاً ولا تأليفاً خالصاً، بل كانت نتيجة وترجمة لواقع ووقائع. وإن الاستمرار في ترديد الشعارات نفسها هو بمثابة رسالة ربما ينبغي نقلها في كل مكان وزمان ومن جيل إلى جيل. ففي ذكرى مرور سنة على المجزرة المذكورة آنفاً مثلاً، أي في الرابع من نيسان/ أبريل 2018 نفّذ الناس في مدينة خان شيخون وقفةً، رفعوا خلالها لافتة تقول: “سيبقى شعارنا: الشعب يريد إسقاط النظام”. ما يعني أن ثمة أجيالاً شابة جديدة باستمرار سوف تبعث الروح مجدداً في الثورة الأصلية وتحافظ على رشاقتها، وأن هذا الشعار ينبغي ترديده في الداخل والخارج، كون الخارج هو في معنى ما، امتداداً للداخل، مثلما الداخل هو أصل الخارج، ما يعني أيضاً وأيضاً تهافت قولٍ كـ “اللي سقطناه بسوريا، هون بدنا نسقطو!” الذي ينطوي على يأس قاطع، ربما يقاطعه يوماً ما أملٌ ما.

ليس تكرير الشعارات هنا تبلّداً، ولا هو ذاك الببغائيّ، إنما هو تكرار ما يمكن البدء به مجدداً، بأن يُضاف مكرَّساً مرة ثانية وثالثة إلى الأولى، هذه التي تعني الثورة الأولى الأصلية، والتي تحمل القدرة المستمرة، فيستبطن التكرار نفسه ليشفّ عن روح الثورة الأصل بوصفها تاريخاً، حكاية، رسالة، ذاكرة، أسطورة، ملحمة يتناقلها الناس جيلاً بعد جيل، ومن مكان إلى مكان كمثل احتفال زاخر بوجوه مستبشره لها علة روحية واحدة أصلية وأصيلة هي الثورة المدنية السلمية والبطش الذي قوبلت به من كل حدب وصوب.

 في الخارج، يتظاهر الناس ليعبّروا عن أنفسهم، ليساهموا ربما في المزيد من تشكيل رأي عام، وليتضامنوا مع من ظلّوا في الداخل يقاسون الويلات والمحن، لذا فإنه قد يبدو طبيعياً أن يكون التضامن متجانساً مع الداخل بالشعارات والانتفاضات التي تثيرها النفس المكلومة عينها، وكذلك حين يجري رفع علم الثورة عينه.

كل ذلك لا يعني أننا ضد اختراع وسائل جديدة ولغة جديدة وأدوات جديدة، تلائم المكان الجديد في الخارج، إلى جانب المحافظة على نضارة شعارات الثورة الحقيقية، كمَن يحافظ على إرثٍ عظيم ونادر. إذ تهيم روح الثورة وتطير بأجنحة جديدة تولد من جديد كلما قُصف عمر أجنحة، في مشهد زاخر بالحياة والإثارة، لا تكلّ منه العين ولا القلب، أعني مشهد التظاهرات الثائرة المدنية السلمية في أرجاء سوريا. لكن الخارج غالباً ما يكون غير “ملهِم” وغير ممتلىء بالحمية والحماسة التي تمهر الثورة في الداخل، من أجل طرح شعارات جديدة، أو لتبنّي لغة جديدة ثائرة في المعنى الحقيقي لمفردة ثورة، كون الواقع والوقائع في الميدان الداخلي هي التي أفرزت هذا الشعار أو ذاك، وهذا ما لا يتوافر في الخارج. هكذا تبقى التظاهرات في الخارج متماهية والتظاهرات وشعاراتها في الداخل في ولع مفرط، خصوصاً حين يحيق بالقلب ضيق الغربة الشاسع، وكمَن لم يألف بعدُ لغة المكان الجديد، فيُنظر إليه كالنظرة إلى غريب تُلتَمس له المعذرة لو جرى لسانه بلغة قومه، أي لغة الثورة الأصل في البلاد الأم سوريا.

*كاتبة سورية