لم تختر آلاف العوائل ذات الأصول القرن إفريقية منطقة الجزيرة شمال شرقي سوريا التي تمتاز بتعدّد المكوّنات العرقية للسكن فيها، لولا أنّ القدر جاء بأجدادها منذ نحو قرن من الزمن إليها.

يقول معمّر (من عشيرة العبيد) وهو من أهالي قرية الشبك، القريبة من بلدة جل آغا/ الجواديّة: “مائة عام مضت ونحن نعاني من التمييز الاجتماعي”. ويضيف: “لم نختر لون بشرتنا، لم نختر هذه الأرض للعيش فيها… (القدر هو اللي جابنا)”. قال الرجل هذه الكلمات ثم مضى في طريقه.

علامة فارقة

أصحاب البشرة السمراء كما يحبّ أبناؤها أن ينادوا بها أو “العبيد” كما هو متداولٌ محليّاً بين أبناء العشائر العربية والكرديّة في منطقة الجزيرة، هم شريحة اجتماعية أتت من العراق، ودخلت إلى منطقة الجزيرة السورية مع عشيرة شمّر بين عامي 1919 – 1920.

عاش هؤلاء خلال العقود الماضية في بيئة اجتماعية منوّعة من حيث المكوّنات العرقية، فهي منطقة تحوي الكرد والعرب والسريان والأرمن وغيرهم، لكن لون بشرتهم السمراء كانت دوما علامة فارقة ووسماً يمتازون به عن غيرهم من مكوّنات الجزيرة.

وعانت هذه الشريحة من حالة طبقية اجتماعية متمايزة، كمجموعة بشريّة وحيدة في تلك المنطقة التي لم تعرف الطبقية بشكل واضح، إلا في مراحل معيّنة خلال القرن العشرين وفقاً لمعمِّرين في ريف القامشلي.

أحفاد بلال الحبشي 

لدى وصولنا إلى بلدة تل كوجر/ اليعربية على الحدود السورية العراقية أقصى الشمال الشرقي للبلاد، قال لنا دليلنا، وهو صحفي يعمل لصالح وكالة أنباء محليّة، إنّه نسّق موعداً مع إحدى عوائل عشيرة “العبيد” بشقّ الأنفس، وهمس في أذني منوّهاً أن أخاطبهم بأصحاب البشرة السمراء لـ “حساسية الموقف”.

يقول “عبد الرزاق الرمضان” وهو رجل ستيني يعيش مع عائلته في منزل متواضع جداً في بلدة تل كوجر، إنّ والده الذي توفي عن عمر ناهز التسعين عاماً قال له إنّ: “عشيرتنا أتت مع شمّر من العراق، وكنّا في السابق نتبع لعائلة دهام الهادي”، ويضيف: “إلا أنّنا في الوقت الراهن لا نتبع لأحد، بل نتبع لأنفسنا فقط”.

وتُعرف عائلة دهام الهادي التي ينحدر منها الشيخ حميدي دهام الذي يشغل الآن منصب الحاكم المشترك لمقاطعة الجزيرة في “الإدارة الذاتية الديمقراطية” كأبرز عائلة في عشيرة شمر بسوريا، وارتبط اسم شريحة “العبيد” بهذه العائلة كـ “أُجراء وخدم” لدى شيوخها، وفقاً لمصدر من عشيرة شمّر فضّل عدم ذكر اسمه.

لكنّ عبد الرزاق الذي يعرف بلقب الحجّي نفى في حديثه لبوابة سوريا هذه الرواية، مشدّداً على أنّ: “العبيد، عبيد الله، نحن أحفاد بلال الحبشي ولم نعش يوماً على صينيّة أحد” على حد تعبيره.

وقال: “عشنا خلال العقود الماضية تحت سلطة زعماء العشائر، وكان الوضع مبنيّاً على أساس الطبقيّة الاجتماعية والغنى والفقر”.

يعمل الستيني وأبناؤه الأربعة مع وحدات حماية الشعب، ويعبّر عن ذلك بالقول: “منذ أن سيطرت الوحدات على البلدة وأنا متطوع فيها، وقد استشهد أربعة من شباب عائلتنا.. والآن يخدم أبنائي الأربعة ضمن صفوف الوحدات”. مضيفاً: “لا فرق في صفوف الوحدات بين أحد، الكلّ يلبّي واجباته ويأخذ حقوقه”.

“عبيدٌ” حتى وإن كانوا أحراراً

في الطريق الدولي إلى تل كوجر أوقفنا شاب ثلاثينيّ، رافقنا في السيارة إلى البلدة حيث كان متوجّهاً، دار بيننا حديث حول أصحاب البشرة السمراء فقال: “نعم هؤلاء عبيد” تماماً كما هو الشائع محلياً.

لكن “عبد” وهو شاب ثلاثيني التقينا به وبمجموعة من أبناء هذه العشيرة بمضافة في قرية قريبة من تل كوجر بنحو 10 كيلومترات (شمال غرب) حيث قادنا الدليل، قال إنّ: “العبوديّة ليست أصلاً، بل العبودية هي عبودية النفس”.

ونفى “عبد” كونه عبداً بشدّة، وقال بنبرة تشوبها غصّة إنّ: “بعض أصحاب النفوس الضعيفة من أبناء عشيرتنا السمراء عملوا لدى مشايخ شمر كأجراء في أوقات سابقة، وفي الوقت الحاضر أيضاً، لذا انسحب الاسم على العشيرة كلها”.

من جهته أوضح أحمد (اسم مستعار) في الحديث عن أصول العشيرة وكيف أتوا إلى سوريا قائلاً: “أصحاب البشرة السمراء عرفوا بالإخلاص ورجاحة العقل، لذلك كان مشايخ شمر يقرّبونهم من مجالسهم”، مضيفاً أنّ: “باقي العشائر لم يكن يروق لهم ذلك فأطلقوا هذه الصفة على أجدادنا”.

وأشار إلى أنّ أصولهم تنحدر من الحبشة، وصلوا إلى العراق وسوريا بسبب الهجرات والترحال في “الأيام السالفة”.

إلا أنّ رجاحة عقل أجداد “أحمد” لم تشفع لنسلهم بأن تزال عنهم صفة العبيد، فالتمييز الاجتماعي واقع على هؤلاء في معظم نواحي الحياة الاجتماعية، فلا أحد يتزوّج منهم، ولا يقبل أبناء العشائر العربية الأخرى تزويجهم بناتهم.

مسألة محرجة جداً!

تعتبر مسألة الخصي من أكبر المسائل ذات الحرج والإشكالية بحكم الحالة الاجتماعية، وفي ظلّ بيئة عشائرية تسعى جاهدة للحفاظ على عاداتها وتقاليدها، خاصة إذا تعلّق الأمر بالرجولة وما شابه.

حاولنا جاهدين قبل طرح الموضوع تمهيد أجواء الجلسة وترطيبها، وأخيراً تمت المصارحة، بدأت الجلسة تحتدم من تلقاء نفسها والحضور يبلغون نحو عشرة أشخاص في تلك القرية، التي فضلوا عدم ذكر اسمها، والتي توجّهنا إليها دون موعد، حيث جرت العادة أن يكون رجال تلك القرى جالسين في المضافات.

لكنّ معظمهم نفوا مسألة قيام مشايخ شمّر بخصي بعض العبيد في السابق أو في الوقت الحاضر، فضلاً عن نفي بعضهم سماعهم بالموضوع أصلاً.

عمت الفوضى وتدخّل كلّ واحد من جانبه، وبدأوا يتكلّمون أحياناً برفع الصوت وأحياناً أخرى بتمتمة.

تساءل أحمد منفعلاً وغطى بصوته على باقي الأصوات: “على فرض لو أنّ الخصي كان موجوداً في السابق، ترى من أين أتى كلّ هؤلاء الذين يسكنون الآن أحد عشرة قرية في هذه المنطقة؟!” وتابع: “أصحاب البشرة السمراء ينحدرون من خمسة أجداد أتوا إلى سوريا والخمسة لديهم أحفاد وامتلكوا قرى كاملة”.

بدا “عبد” أكثر هدوءاً وقال: “من الممكن أن يكون الأمر حقيقة، لكن في إطارٍ ضيقٍ جداً، خاصّة بالنسبة للذين كانوا يخدمون في منزل الشيخ ويدخلون إلى بيوتات الحريم”، وهو ما يؤكده أبناء عشائر عربية أخرى في الجوار منهم.

ومهما يكن من أمر فإنّ بقاء الاسم “عشيرة العبيد” له دلالاته الاجتماعية والطبقية، ولن يستطيع أبناؤها محوها من الذاكرة الجمعية، حتى وإن أرادوا ذلك، والأمر برمّته مرتبط بالنهوض الاجتماعي والانفتاح وتعويم قيم المعاصرة والحداثة، والانفكاك من الفكر والعقلية العشائرية، ويبدو أنّ “الحرب” السورية والفوضى التي تخلّفها ستنهض بنزاع محوره العشائرية، من شأنه تأصيل مشكلات الطبقية المرتبطة به ومنها “العبيد”.

*صحفي كردي سوري