شكّل ظهور التنظيمات “الجهادية”، بكل تنويعاتها، في المشهد السوري، أول حالة انشقاق عن الكيانات السياسية والعسكرية والمدنية للثورة السورية، بل إن هذا الانشقاق، الذي أضر بالسوريين وبثورتهم، وغيّر صورتهم، إزاء العالم، وإزاء أنفسهم، بدا بمثابة عامل تفتيت في المجتمع، لا عامل إجماع فيه، وعامل هدم لا عامل بناء، وعامل نكوص لا عامل تقدم، بحيث إن النظام استثمر في هذه التنظيمات، وليس فقط في «داعش»، إن باختراقاته لها أو بدون ذلك.

وعلى العموم فإن هذه التنظيمات طبعت الثورة بطابعها، منذ صعودها إلى هبوطها (2012 ـ 2018)، إذ استطاعت جرها نحو العسكرة والتبعية لأجندات خارجية، وضمن ذلك تبني خطط عسكرية غير مدروسة، بما يفوق قدرة السوريين، أو البيئات الشعبية الحاضنة، على التحمّل، وبما يرضي أهواء الموظّفين أو المموّلين. وإلى هذا وذاك فهذه الجماعات حاولت طبع الثورة بطابعها «الديني» والطائفي المتشدّد، والغريب عن طبيعة المجتمع السوري، بوسائل القسر والإرغام وليس بالرضا والإقناع، وبواقع هيمنتها العسكرية والقمعية وليس بسبب النموذج الذي حاولته في المناطق «المحرّرة».

هكذا، فمنذ تموز/ يوليو (2012)، أي منذ حصر الثورة بالصراع المسلح، وبالفصائل العسكرية، ذات الطابع الأيديولوجي ـ الديني، سيما مع دخول «الجيش الحر» إلى مدينة حلب، وسيطرته على أجزاء واسعة منها، بالتزامن مع سيطرته على معظم ريف مدينة دمشق وضواحيها، لم تعد الثورة السورية هي ذاتها، التي كانت في الأشهر الأولى، نسبة إلى شعبيتها، ووضوح أهدافها، وسلامة وسائلها، إذ باتت ثمة مداخلات أخرى، لا سيما عسكرية، أثقلت على هذه الثورة، وأضرّت بصورتها، وبعمقها الشعبي، وشوهت خطاباتها، ورسم علامات الشكّ حول مآلاتها، وبخاصة مع ارتهاناتها لأجندة خارجية.

يشمل هذا الكلام التنظيمات “الجهادية”، التابعة للقاعدة، على غرار جبهة النصرة، أو غيرها، سيما أن هذه التنظيمات ظلّت تؤكد بأنها غير معنيّة بأية هيكلية، سياسية أو عسكرية، في الثورة، مع مبالغاتها بقدراتها، واعتماديتها على الخارج، في مقابل معاداتها العلنية والواضحة للمقاصد الأساسية التي انطلقت من أجلها ثورة السوريين، والمتمثلة بالحرية والكرامة والمواطنة، والانتهاء من نظام الاستبداد بكل أشكاله. ويأتي ضمن ذلك إعلانها أنها تشتغل وفق أهداف خاصّة، تتجاوز أهداف السوريين، إلى إقامة دولة الخلافة الإسلامية، بل وتتموضع ضدّها، أيضاً، بمعاداتها الديموقراطية، التي تعتبرها هرطقة ينبغي وضع حدّ لها. ولا ننسى أن جبهة النصرة، وأخواتها، عملت (مثل “داعش”) على إزاحة “الجيش الحر” من المشهد، كما عملت على الحط من الكيانات السياسية للثورة، والتنكيل بالنشطاء السلميين، الذين كانوا يواجهون رصاص النظام بشجاعة نادرة، من دون أن يكون لديهم أي سلاح، بل إنها فوق كل ذلك انشغلت بالاقتتال فيما بينها على النفوذ والموارد، ناهيك عن التزامها بأجندات لا علاقة للسوريين بها، ما تطلب منها الانسحاب من مدينة حلب إلى عملية “درع الفرات”، الأمر الذي أدى إلى سقوط تلك المدينة أواخر (2016)، وهو ما تكرر أثناء مشاركتها في العملية التركية على عفرين، في الأشهر الماضية، على حساب الحفاظ على مواقعها في إدلب وريفي حلب وحماه.

اللافت أن التحليلات التي تحاول تفسير ظهور وصعود هذه الجماعات اختلطت واختلفت، بيد أن هذا الأمر لا يمكن تناوله بمعزل عن الملاحظات المهمة الآتية:

أولاً، أن النظام مسؤول عن كل ماحصل في سوريا، بسبب إصراره على انتهاج الحل الأمني، لوأد ثورة السوريين، ووأد تطلعاتهم وحقوقهم، باستخدامه أقصى قوته في البطش بهم، في اعتقالهم أو قتلهم أو تشريدهم أو تدمير عمرانهم، أي إن النظام بانتهاجه العنف، ضد المظاهرات السلمية، وضد المعتصمين السلميين في ساحتي النواعير والساعة في حمص، وضد أية مظاهرة في دمشق أو حلب أو درعا، كان يستدرج ردود فعل عنيفة ضده، لأن هذا المربع يتفوق فيه، وهو المربع الذي يمكن أن يأخذ الثورة إلى المواقع التي تبدو فيها كأنها تشبه النظام، بخاصة أن ذلك يضع السوريين في مواجهة افق مسدود، في غياب التطلع إلى أي حل سياسي.

ثانياً، بديهي أن استدعاء النظام تدخل إيران عسكرياً منذ البداية، وكذلك الميلشيات التابعة لها، مثل حزب الله اللبناني وغيرها من ميلشيات طائفية عراقية وافغانية أدى، أيضاً، إلى نشوب ردود فعل من ذات الطراز، بغض النظر أكان النظام يستدرجها عن قصد، كي تتشبه الثورة به، أو من دون ذلك، إذ النتيجة واحدة.

ثالثاً، كان للتدخلات الخارجية في الثورة السورية الدور الكبير في فبركة هذه الجماعات وتظهيرها، ووضعها في صدارة المشهد في الصراع السوري، إذ إن الدول المعنية بمناهضة نظام الأسد، ودعم معارضيه، ليست جمعيات خيرية، ولا جمعيات حقوق إنسان، أي إنها تشتغل وفقاً لمصالحها ورؤاها، ما يفسر عمل الدول على الفصل بين الكيانات السياسية والعسكرية في الثورة السورية، وعملها على شرذمة هذه الكيانات كي تسهل سيطرتها عليها، وعملها كذلك على حجب دعمها عن الجيش الحر مقابل تركيز الدعم المالي والتسليحي على التنظيمات العسكرية الجهادية ومن لف لفها. ومعلوم أن تنظيم «القاعدة» في أفغانستان لم يتأسّس على الفكر فقط، وإنما قام ونما وتوسع بفضل تدفق تمويلات وإمدادات تسليح وتسهيلات استخباراتية ودولتية هائلة. ثم إن «القاعدة» لم يعد هو ذاته إذ بات «قواعد»، تبعاً لجهات التمويل والتوظيف والإسناد.

في الغضون، يفترض الانتباه إلى عديد من الاستدراكات في قراءة هذه الظاهرة، وأولاها، أن المشكلة الأساسية في منشأ هذه الجماعات، التي سكتت عنها الكيانات السياسية، أو جاملتها، أنها حقاً بمثابة نبت غريب عن البيئة الشعبية السورية، في الفكر والبنية والإمكانات، بدليل أن معظم قادة هذه الجماعات، أو نواتها الصلبة، تشكّلت من المقاتلين العرب والأجانب، وهذا يشمل الأفراد الذين يشكّلون الحلقات الصلبة فيها. طبعاً، هذا لا ينفي أنه بات ثمة سوريون في هذه الجماعة أو تلك، لكن وجود هؤلاء ليس أصيلاً، وإنما هو لاحق لوجود هذه الجماعات. وهذا أمر طبيعي بالنظر إلى ما باتت تختبره البيئات الشعبية السورية الخاضعة للنظام، أو الخاضعة لهيمنة هذه الجماعات المسلحة. وثانيتها، أن هذه الجماعات لم تظهر إلا بعد اندلاع ثورة السوريين بأشهر عدة، وأنها لم تنشط ولم تنمُ إلى هذه الدرجة، إلا في المناطق «المحررة». بل إن هذه الجماعات، فوق ما تقدم، لم تظهر بصفتها صاحبة نظرية في الإسلام، أو في السياسة، ولم تكشف عن وجود منظرين بين ظهرانيها، مثلاً، أو عن أدبيات تبين فيها آراءها الفقهية ومحاجّاتها النظرية مع الفرق الإسلامية الأخرى. لذا، فإن القضية لا علاقة لها باطلاع الإسلاميين السوريين، الجهاديين أو غير الجهاديين، على كتب ابن تيمية، أو أبو الأعلى المودودي أو سيد قطب، وتفسير هذه الظاهرة على هذا الأساس لا علاقة له بالواقع، على الأرجح، بمقدار علاقته باستنتاجات بعض المثقفين والباحثين فقط، بدليل أن الأطروحات النظرية والممارسات العملية لهذه الجماعات على الأرض، وفي المجتمع، تنمّ عن سذاجة وتهور، كما عن جهل ومزاجية، أكثر من أي شيء آخر. وثالثتها، أن هذه الجماعات لم تظهر قط باعتبارها نتاجاً للمجادلات، أو للحراكات الفكرية والسياسية في إطار الجماعات الإسلامية في سوريا، أو كتعبير عن التديّن الريفي أو عن ترييف الدين، لأن المسألة ليست على هذا النحو، لا بالنسبة للريف ولا بالنسبة للظاهرة ذاتها. فالريف في سوريا أرياف عدة تبعاً لتنوع المجتمع، وإذا استثنينا الشرق والشمال الشرقي، فإن الأرياف أشبه بمدن صغرى، بمقدار ما أن المدن بمثابة أرياف كبيرة، لكن مع شبكات طرق وكتل معمارية إسمنتية، ومظاهر مدنية استهلاكية وخدمية. وهذا من دون نفي وجود سلفية في سوريا، هي في غالبيتها السائدة مجرد سلفية دعوية ومعتدلة.

ليس القصد من كل ما تقدم التقليل من أهمية أو خطورة هذه الجماعات، وإنما وضع الأمور في نصابها الطبيعي، دون مبالغات أيضاً. فالقول بغربة الجماعات الجهادية عن البيئات الشعبية السورية، واعتبارها جماعات مصطنعة، لا يعني الاستخفاف بما أحدثته من تغييرات في إدراكات السوريين، إذ إن الظواهر المصطنعة يمكن أن تعيد إنتاج ذاتها في الواقع الذي تعمل فيه، بحيث تصبح جزءاً منه، يكيّفها وتكيّفه معها، ما يمكن ملاحظته، مثلاً، في انكفاء «الإخوان»، والجماعات الإسلامية الأخرى، لمصلحة صعود جماعات السلفية الجهادية، وفي محاولة تكيّف بعض البيئات الشعبية معها. ومع ملاحظتنا أن صعود هذه الجماعات أساء للسوريين وثورتهم، إلا أنها أساءت أيضاً إلى تيار الإسلام السياسي المعتدل والمرن والمدني، وأدت إلى وضع علامات شك حول صدقية مواقفه.

*كاتب سياسي فلسطيني

guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments