أصدر مجلس الشعب السوري في بداية شهر نيسان/ أبريل 2018، ما سمي بالقانون رقم 10 لعام 2018، والقاضي بجواز إحداث منطقة تنظيمية أو أكثر ضمن المخطط التنظيمي العام للوحدات الإدارية، وذلك بمرسوم، بناء على اقتراح وزير الإدارة المحلية والبيئة، وتعديل بعض مواد المرسوم التشريعي ٦٦  لعام ٢٠١٢.

وجاء القانون، ليمنح السلطة التنفيذية تفويضاً مطلقاً، لإعادة تنظيم أي منطقة ترتأي تلك السلطة إعادة تنظيمها في سوريا، ولم يقتصر على مناطق محددة، كمناطق المخالفات والعشوائيات كما يحاول بعض مسؤولي الحكومة السورية الترويج.

أصول القانون رقم 10 التاريخية

يقول المحامي عارف الشعال: ”بما أن القانون رقم 10، يعتبر من القوانين العمرانية، فإن جذوره التاريخية تعود إلى قانون تنظيم وعمران المدن الصادر في كانون الثاني/ يناير عام 1933، وهو أول قانون سوري لتنظيم المدن، حل محل قانون الأبنية العثماني”.

ويضيف المحامي الشعال: “يعد قانون عام 1933 الأصل لمعظم الأفكار الواردة في القانون رقم 10، كاعتبار كافة المالكين في المنطقة التنظيمية شركاء على الشيوع فيما بينهم، وهو الذي حدد فترة وجيزة للمالكين، للتصريح عن حقوقهم العقارية، في المادة الثانية منه، وجاء في نفس المادة السماح لأقارب ذوي العلاقة القيام بالتصريح عن العقارات دون الحاجة لتوكيل رسمي”.

هناك نقطة مهمة ينبغي النظر إليها، وهي أن المبرر لإقرار مبدأ التصريح عن العقارات من قبل مالكيها في قانون 1933، جاء لأن عمليات التحديد والتحرير بدأت قبل صدور ذلك القانون بسبع سنوات، إذ كانت معظم العقارات لا تزال على الشيوع، ولم تسجل بعد في السجل العقاري، وكان لا بد من دعوة المالكين لتثبيت حقوقهم عند إحداث منطقة تنظيمية، تجعل كافة المالكين فيها، مالكين على الشيوع.

ولكن بعد 90 عاماً من عمليات التحديد والتحرير، كان لا بد للمشرع من التوقف عن النقل الأعمى من قانون لآخر، وكان يكفي أن يدعى أصحاب الحقوق العقارية غير المسجلة، من أجل تسجيل عقاراتهم.

تبريرات واهية لمسؤولي النظام السوري حول القانون رقم 10

يبرر بعض مسؤولي النظام القانون بضرورة تنظيم مناطق العشوائيات، والمناطق التي طالها الدمار بسبب الحرب. وقد صرح وزير الإدارة المحلية أن إعادة تنظيم المناطق المنظمة أصلاً سيتم وفق دراسات اجتماعية واقتصادية، في تخبط واضح حول تفسير القانون وعدم فهمه له، على الرغم من أن القانون فوض الوزير نفسه باعتماد جدوى اقتصادية فقط، دون التطرق لأي جانب اجتماعي.

كما أن القانون وبتفويضه المطلق للسلطة التنفيذية، لإعادة تنظيم المناطق العمرانية المنظمة أصلاً، وضع شرط وجود دراسة جدوى اقتصادية، مع ترك هذا الشرط فضفاضاً، دون تحديد أي معايير للدراسة، سواء للجهة التي تصدرها، أو التي تعتمدها، وحتى لو كانت الدراسة ستقدم من مؤسسات حكومية، فهي تتبع للسلطة التنفيذية الممنوحة تفويضاً مطلقاً في الأصل.

المركز القانوني لمالك العقار في المناطق التي يشملها القانون رقم 10

يقول المحامي الشعال: “بمجرد تطبيق القانون الجديد، يفقد مالك العقار مركزه القانوني كمالك مستقل للعقار (يفقد حقوق الملكية)، حسب المادة 768 من القانوني المدني السوري، التي تنص على أنه «لمالك الشيء وحده، وفي حدود القانون، حق استعماله، واستغلاله، والتصرف فيه»”.

أي إن القانون الجديد يخالف هذه المادة، ولا يعود بإمكان مالك العقار إجراء عقود البيع أو التنازل أو الرهن أو حتى ترخيص البناء، إذ يتحول مالك العقار من مالك مستقل إلى مالك أسهم تنظيمية على الشيوع.

وبناء على ذلك حدد القانون آليات معينة، لكيفية التصرف في الأسهم التنظيمية الشائعة:

أولاً: خيار البيع بالتراضي: ويتم بعد معرفة العدد النهائي للأسهم التي يملكها الشخص، خلال سنة من صدور شهادات الأسهم، ويمكن بيعها كاملة أو بيع جزء منها.

ثانياً: توزيع المقاسم، ونقل ملكيتها وتسجيلها في السجل العقاري، وفق ثلاثة خيارات حددتها المادة 29 من القانون رقم 10، وهي:

1: التخصص بالمقاسم.

2: المساهمة في تأسيس شركة مساهمة مغفلة، وفق قانون الشركات النافذ، أو قانون التطوير والاستثمار العقاري لبناء وبيع واستثمار المقاسم.

3: البيع بالمزاد العلني.

ويتم العمل وفق الخيارات الثلاثة، خلال ستة أشهر من بداية المدة المحددة لإصدار وتوزيع سندات الملكية.

القانون رقم 10، قانون لجباية الأموال 

اللافت في القانون رقم 10، أنه لم يرد فيه أي نص، أو حالة إعفاء من الرسوم والأعباء المالية المتعلقة برخص البناء، خاصة عند رغبة المواطنين ممن تهدمت عقاراتهم بإعادة بنائها.

يأتي ذلك من أجل إيقاف العمل بشكل غير مباشر، بالفقرة /ب/ من المادة 49 من قانون تنظيم وعمران المدن، رقم 23 للعام 2015، التي تنص على أنه «تعفى العقارات المنكوبة بسبب الكوارث الطبيعية، أو الحرب من الرسوم المالية، والتكاليف المحلية، والرسوم الأخرى المترتبة على إعادة البناء»، ما يدل على أن مشرع هذا القانون أخذ بعين الاعتبار إعادة ملء خزينة الدولة الفارغة بسبب الحرب، من خلال فرض رسوم رخص بناء باهضة على المواطنين المنكوبين أصلاً.

اضطراب وتناقضات

عند دراسة القانون رقم 10، يتبين مدى الجهل العميق بالقانون، والقوانين المتعلقة بعمران المدن ذات الصلة، عند وضعه، بالإضافة لمخالفته للدستور السوري النافذ حالياً، هناك تناقض بين القانون والدستور السوري، الذي ينص على أن «الملكية مصانة بموجب الدستور»، كما ينص صراحة على أنه «لاتنزع الملكية إلا مقابل تعويض مادي». والقانون رقم 10 مس بشكل صريح بهاتين القاعدتين، من خلال المساس بالملكية، وتغيير مركز المالك القانوني، وأجاز اقتطاعات “مجانية” للعقارات حسب رؤية السلطة التنفيذية.

من ناحية أخرى، فإن مالك العقار (المدرج العقار تحت اسمه) في سجل عقاري، أو مؤسسة إسكان، أو جمعية سكنية، لا حاجة له للتصريح بأي حق حول ملكيته للعقار، لأن “حقوقه مصانة بقوة التسجيل”، وهي إحدى مخالفات القانون الجديد, فحسب القانون المدني السوري، الفقرة الأولى من المادة 825: ”تكتسب الحقوق العينية العقارية وتنتقل بتسجيلها في السجل العقاري”، فبالنسبة للعقارات داخل المناطق المنظمة لا يستطيع أحد أن ينازع مالكًا على ملكيته، ما دامت مسجلة في السجل العقاري، فالسجل العقاري هو سند الملكية المطلق.

وعن تنظيم المناطق العشوائية، والمخالفات داخل المدن، فكان بالإمكان تطبيق القانون رقم ٣٣ لعام ٢٠٠٨.

أما بالنسبة للأبنية التي دمرتها الحرب، فيمكن تطبيق القانون رقم 23 لعام 2015، أو المرسوم التشريعي رقم ٨٢ لعام ٢٠١٠، والخاص بإعمار التجمعات العمرانية.

النقاط العديدة المشار إليها بخصوص تخبط واضعي القانون، وتعارضه مع الدستور والقوانين الأخرى، تؤكد على الجهل القانوني المتعلق بالناحية العمرانية وقوانينها، أو العمد لاستغلال هذا القانون لإحداث تغيير سكاني، قد يرقى إلى جريمة تغيير ديموغرافي إذا لم يتم الاعتراض عليه وإلغاء العمل به.

القانون رقم 10، لم يطبق حتى الآن

لم يشمل القانون رقم 10 أي منطقة بعينها، ويجب أن تصدر مراسيم تتضمن المناطق التي يشملها هذا القانون، وهو ما لم يحدث بعد. وحتى بعد صدور مرسوم بتنظيم منطقة ما، لا بد من انتظار أن تعلن المحافظة أو البلدية التي يتبع لها العقار، من أجل قيام أصحاب العقارات بالتصريح عن حقوقهم بالملكية.

ويحق لكل من يدعي حقاً بعقار ضمن المنطقة المشمولة بالمرسوم، ويملك ما يثبت حقه، كحكم محكمة، أو وكالة، أو عقد بيع، أن يتقدم للجهة المعلنة بتصريح عن حقوقه بالعقار، وإذا كان مسافراً أو مطلوباً أمنياً ولا يمكنه القدوم والتصريح، فيمكن أن يقوم بذلك أحد أقربائه حتى الدرجة الرابعة نيابة عنه، دون اشتراط وكالة رسمية، إذ يكفي إبراز بيان عائلي لإثبات درجة قرابته له.

*ناشط حقوقي سوري