منذ ما بعد الحرب العالمية الثانية، وصعود أمريكا نحو قيادة الغرب أولاً، ثم العالم ثانياً بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، مثّلت أوروبا إحدى الأمكنة الأكثر توازناً في العالم، ولا سيما بعد توقيع معاهدة ماستريخت في هولندا عام 1992، التي نشأ على أساسها ما يُعرف اليوم بالاتحاد الأوروبي. وقد نال الاتحاد عام 2012 جائزة نوبل للسلام لمساهمته في تعزيز السلام والمصالحة والديمقراطية وحقوق الإنسان في أوروبا. وعلى العموم كانت سياسات الاتحاد غير تدخليّة أو عدوانية تجاه العالم على الطريقة الأمريكية، كما بقيت الرأسمالية فيه أقل توحشاً من زميلتها الأمريكية، حيث حضرت الدولة في عدد كبير من بلدانه لتحمي الرعاية الاجتماعية والضمان الصحي والتعليم والمواصلات والمرافق العامة وغيرها من خطر التخصيص المطلق للشركات، لتبدو أوروبا في المحصلة مركزاً للتنوير وأنسنة الحياة وحقوق الإنسان، وداعماً أساسياً لنشر السلام والاستقرار والديمقراطية في العالم.

منذ استدارة أمريكا نحو نفسها في عهد أوباما (إذ كان أوباما فعلياً أول من ابتدأ بسياسة أمريكا أولاً، قبل أن يستخدمها ترامب شعاراً لحملته ويتطرّف في تطبيقها بعد انتخابه)، التي ترافقت مع الأزمة الاقتصادية عام 2008، ثم انسحاب أوباما من العراق عام 2011 وتقليص قواته في أفغانستان، ثم انطلاق ثورات الربيع العربي في العام ذاته، في كل تلك الفترة بقيت السياسات الأوروبية الخارجية تابعة تماماً للسياسة الأمريكية على الرغم من الانحسار الموضوعي للقطبية الأمريكية في العالم، والتي لم تزد سياسات أوباما الخارجية سوى في انحسارها وضعفها.

مع الصعود الروسي على ظهر الديكتاتور السوري وأزمة أوكرانيا وضعف أوباما والحرب الليبية، وفي الوقت الذي كان فيه العالم بأمسّ الحاجة لسياسات أوروبية قوية ومستقلة لتعبئة الفراغ الأمريكي الذي استغله أيّما استغلال أمثال بوتين والخامنئي وبشار والسيسي وغيرهم، بقيت أوروبا مثل “ذيل الكلب” الأمريكي، حيث تراجعت مع تراجع أوباما عن ضرب النظام السوري بعد المجزرة الكيماوية عام 2013، ثم باركت صفقتيه الخسيستين حول النووي الإيراني والكيماوي السوري تحت الرعاية الروسية، وذلك على الرغم من الأضرار التي حلّت بها وهددت بانفراط العقد الأوروبي كاملاً، لا سيما بعد أزمة اللاجئين التي تصاعدت بطرق غير مسبوقة في الفترة ذاتها، وأزمة الإرهاب الذي ضرب في أكثر من عاصمة ومدينة أوروبية مترافقاً مع هجرة أوروبية معكوسة نحو مناطق الخلافة الداعشية، وطرق جديدة في التجنيد، وابتكارات فظيعة في العمل (حالة الدهس في نيس مثلاً)، وأزمة البريكست التي فتحت شهية عدة أحزاب يمينية في البلدان الأوروبية للخروج من الاتحاد، دون أن ننسى انهيار العلاقات الأوروبية التركية وانحدار تركيا الصاروخي نحو النمط الديكتاتوري المتحالف مع بوتين، بعد صعود سابق نحو النمط الديمقراطي المدعوم غربياً وأمريكياً.

لم تدعم أمريكا الأوبامية الثورة الخضراء في إيران عام 2009، وكان ذلك دعماً غير مباشر لثبات الديكتاتورية الدينية في إيران، أما أوروبا، فبقيت على الحياد، ثم لم تلبث إدارة أوباما توقيع الإتفاق النووي مع إيران حتى هرعت أوروبا نحو الاستثمارات الهائلة في إيران عبر شركاتها الضخمة مثل إيرباص وبيجو وتوتال وسيمنس وغيرها، وقد مثّل ذلك دعماً هائلاً للتوسع الإمبراطوري الإقليمي الإيراني الممتد من صنعاء إلى بيروت، وضمانة لبقاء الديكتاتوري السوري المدعوم إيرانياً وروسياً، فانتقلت أوروبا من داعم للاستقرار والديمقراطية وحقوق الإنسان، إلى أهم داعمي الديكتاتوريات وعدم الاستقرار الذي يمثّله بقاؤها بالمعنى الحالي والمستقبلي، ففي الوقت الذي لم تتوقف فيه أوروبا عن الشكوى من أزمة اللاجئين والإرهاب، لم تتوقف عن دعم استمرار وبقاء صانعي ذلك التهجير والإرهاب في المنطقة.

تريد أوروبا اليوم الاستقلال عن القرار الأمريكي في محاولات جادة لإبقاء الاتفاق النووي وتجاوز العقوبات الأمريكية، وعلى الرغم من أن الرئيس الأمريكي لا يهدف من وراء قراره لأي دعم مباشر للديمقراطية، ولا يبدو في أدبياته أصلاً ربط الاتفاق النووي بمصالح شعوب المنطقة الباحثة بيأس عن الديمقراطية والسلام، إلى أن مفاعيل قراره يخدم بشكل غير مباشر تحجيم التمدد الإيراني والطموحات الروسية وذيولهما في المنطقة، وإذا كان مفهوماً دفاع أوروبا عن مصالحها الاقتصادية وعلاقاتها التجارية، إلا أن انفكاك تلك المصالح عن تبعاتها السياسية على الصعيد الدولي، وتعارضها مع جميع القيم التي أفرزتها ودافعت عنها داخل حدودها وخارجها خلال العقود السابقة على الأقل، ينفي أولاً عن ترامب تفرّده في الجشع الرأسمالي والتوحش اليميني المتطرف، ويجعل من أوروبا ثانياً مجرّد قفا للعملة اليمينية المعادية للديمقراطيات في العالم، ويوحي ثالثاً، فيما يخص القضية السورية، بأن استمرار المسار الأوروبي على هذا النحو سيؤدي بالضرورة لدعم إعادة الإعمار في سوريا بالتعاون مع روسيا والنظام وإيران، وبانفصال عن أي مطالب سياسية قام الأمريكان و(الأوروبيون حتى اليوم) بربطها بانتقال سياسي حقيقي عبر مسار جنيف المدعوم من الأمم المتحدة والقرار 2254.

guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments