مشاركة

منذ الأسابيع، إن لم نقل الأيام الأولى لانطلاقة الثورة السورية، ظهر بشكل واضح الاهتمام الدولي والإقليمي بالحدث السوري الكبير. فالموقع الجيوسياسي المهمّ لسوريا، وما يمكن أن يسفر عنه انفجار الوضع فيها من تداعيات على جوارها القلق والمثقل أصلاً بالمشاكل، جعل من الثورة السورية محط تركيز وتدخّلات وتنافس إقليميّ ودوليّ، فاق بدرجات ما حازته بقية ثورات وانتفاضات “الربيع العربي” مجتمعة من اهتمامٍ خارجي.

الأميركيون والروس والصينيون والأوروبيون والأتراك والإيرانيون ودول الخليج وغيرها، فضلاً عن إسرائيل بطبيعة الحال، جميعاً لهم مصالحهم ورؤاهم ومقارباتهم المتباينة والمتشابكة في المشهد السوري المعقّد. مما لا شكّ فيه أنّ التدخّل العسكري المباشر من قبل روسيا وإيران كان الأوضح والأكبر تأثيراً في مجرى الأحداث وتطوّراتها حتى اللحظة، نظراً لدورهما في إنقاذ سفّاح سوريا من سقوط محتّم. غير أنّ هذا لم يكن التدخّل الوحيد مطلقاً في أيّ من مراحل الصراع، حيث كان لكلّ طرف دوليّ وإقليميّ ممن سبقت الإشارة إليهم إسهامه ووسائل تدخّله في صور مختلفة وبدرجات متفاوتة. وإنّ انخراط كثيرين منهم في “اللعبة” القذرة تدرّج صعوداً، بدأ من التصريحات وإعلان المواقف السياسية مروراً بتقديم أشكال معيّنة من الدعم للمعارضة، وصولاً إلى العمل العسكري وإرسال القوات وإقامة قواعد عسكرية ثابتة على الأراضي السورية.

كان هذا البعد الدولي في الصراع السوري سلاحاً ذا حدّين، فبقدر ما أن من شأنه الدفع باتّجاه سيناريوهات مختلفة تضبط الصراع وتجنّب البلاد الوقوع في الكارثة، حمل في الآن ذاته عناصر حاسمة كفيلة حال تفاعلها أن تقود إلى ذلك المآل الكارثي. غير أنّ ما أصاب السوريين وثورتهم، منذ البداية، كان التأثير بالغ السلبية لهذا البعد الدولي، ليس على الثورة فحسب بل وعلى الكيان السوري برمّته. ولأنّ نظام الأسد بتعنّته وإجرامه وسبل تعاطيه مع الثورة منذ مظاهراتها الأولى هو العلّة الأولى التي تقف وراء الكوارث والويلات التي لحقت بالبلاد، فإنّ المسؤولية الأكبر تقع عليه في ما يخص الأثر السلبي للبعد الدولي في الصراع السوري. ذلك أنّ النظام هو من فتح البلاد على مصراعيها بدايةً لداعميه الإيرانيين والروس، وقدّمها لهم ولمرتزقتهم وميليشياتهم ثمناً لحمايته من السقوط، ومكافأةً لهم على دورهم في القضاء على الثورة.

في المقابل، ثمّة للمعارضة السورية بمؤسّساتها الأبرز التي تصدّرت المشهد طيلة سنوات الثورة، نصيبها أيضاً في أن يكون أثر العامل الدولي سلبياً. فإنّ من السقطات الكبرى التي وقعت فيها قوى المعارضة تلك، أنّها بدلاً من الحرص على العامل الثوري – أي السوري – سارعت إلى تعليق الآمال والأوهام على تدخّل خارجيّ يقوم بمهمّة إسقاط النظام، سواء كان تدخّلاً أمريكياً وفق النموذج العراقي، أو أطلسياً يحاكي السيناريو الليبي الذي جرى في الأشهر الأولى من “الربيع العربي”. وهي إذ بالغت إعلامياً في إطلاق فقاعات من هذا القبيل، وتوهّمت في نفسها القدرة على دفع الغرب في اتّجاهات كهذه، ساهمت – نظرياً على الأقلّ – في تثقيل سيناريو “الصراع الدولي على سوريا”  الذي اندرجت أطرافها المتناحرة في اصطفافاته بصور مختلفة، على حساب نضال السوريين وثورتهم التي هي بالأساس “من أجل سوريا حرة ديمقراطية ومستقلة”.

وعلى فرض أنّ ثمّة بين المتدخّلين الخارجيين “سيّء” و”أقل سوءاً”، فإنه استناداً إلى نتائج التدخلاّت الأميركية، تاريخياً، وإلى طبيعة النظم اللاديمقراطية في دول الخليج، يمكن وصف هؤلاء بأنهم متدخّلون سيّئون، مقابل متدخّلين “أقلّ سوءاً”، كالدول الأوروبية التي تحكمها نظم ديمقراطية، وتزعم حكوماتها الانحياز إلى قيم الحرية وحقوق الإنسان. حتّى في هذا لم تفلح المعارضة في رهاناتها. فهي إذ وضعت بيضاً كثيراً في سلّة الوهم الأمريكي نتيجة قراءاتها السياسية الخاطئة، وألقت بنفسها في سلال خليجية وتركية، لأسباب مالية أو “حزبية” أو حتى طائفية، كانت تخسر شيئاً فشيئاً مواقف الدول الأوروبية التي أيّدت الثورة وأعلنت دعمها للمعارضة السورية صراحةً. لقد كان القادة الأوروبيون في طليعة من صعّدوا لهجتهم تجاه الأسد ونظامه مطالبينه بالتنحّي، وشاركت دول أوروبية فاعلة في مؤتمرات “أصدقاء الشعب السوري”، وعملت كلّ من بريطانيا وفرنسا، وهما من الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي، لاستصدار قرارات من المجلس تدين النظام، كان “الفيتو” الروسي يحول دون تمريرها.

ثم جاءت حكاية “الإرهاب” والموقف منها وكيفية التعامل معها لتلعب دوراً حاسما ًفي خسارة المعارضة مزيداً من الثقة والتأييد الدولي بعامّة والأوروبي على نحو خاص. فما الذي كسبته المعارضة من مباركتها “انتصارات المجاهدين”، ومحاباتهم وتبرير ممارساتهم، ومن ضمنهم مجموعات مصنّفة دولياً على قوائم الإرهاب؟ إن هذا الموقف الممالئ للجماعات الجهادية، يعكس قصر نظر من اختزلوا الثورة إلى محض الإطاحة برأس النظام بالقوّة، فوجدوا في “المجاهدين” قوة ضاربة قد تساعدهم في ذلك، لكن النتيجة كانت إحلال الرايات السوداء محلّ أعلام الثورة، حتى بات “الإرهاب” والحرب عليه أولى أولويات مختلف القوى الدولية. ولأنّ نظام الأسد ورعاته لم يكونوا غافلين عن أهمّية الموقف الدولي، فإنّ أجهزتهم الدعائية وشبكات العلاقات العامة التي تخدم مصالحهم لم تتوقف يوماً عن العمل في مختلف عواصم القرار على الضخّ الإعلامي والدعائي، بما يضمن نشر وتسويق أكاذيبهم التي تصوّر جرائمهم بحقّ المدنيين العزل “حرباً على الإرهاب”، وأنّ الأمر لم يكن يوماً إلا على هذا النحو.

إنّ إلقاء اللوم على القوى الإقليمية والدولية وتحميلها مسؤولية فشل المعارضة، هو شكل من أشكال التهرّب من المسؤولية التي تتحمّل المعارضة القسط الأوفر منها، نظراً إلى أنّ القضية قضيتها أولاً. وثانياً لأنها لم تفلح في توظيف تناقضات الدول وتباين مصالحها بحيث تكون نقطة قوة في صالح الثورة. لقد أصاب العامل الدولي والإقليمي المعارضة بهيئاتها ومجموعاتها السياسية والعسكرية في مقتل، نتيجة ارتهانها لهذه الجهة الداعمة أو تلك، والعمل بدلالة مصالح الداعمين لا مصلحة الثورة. وإن هذا ما كان ليحدث بتلك السهولة لو أنّ لدى من تصدّروا المشهد المعارض قدراً من الاستقلالية والنزاهة والحس بالمسؤولية الوطنية.

فهل يمكن التفكير مليّاً في هذا والتراجع عن الأخطاء واتباع استراتيجيات مختلفة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه؟

*كاتب سوري