مشاركة

تحولت الجدران في إدلب منذ بداية الثورة السورية إلى وسيلة للتعبير عما يجول في خواطر الأهالي من أحزان وهموم وحتى آمال، حيث منحتهم حرية الكتابة والتعبير عن مشاعر مكبوتة في داخلهم منذ سنوات.

فمنذ انطلاقة الثورة السورية، ظهر الرجل البخاخ الذي يحمل علبة الألوان وينطلق تحت جنح الظلام ليخط عباراته المناهضة للنظام بسرية تامة في زمن يسوده القمع والخوف، وقد دفع الثائرون الذين اتخذوا من بخ الجدران بشعاراتهم وسيلة للاحتجاج أثماناً مضاعفة، فمنهم من اعتقل ومنهم من قضى برصاص النظام، ومع استمرار الثورة تبلورت فكرة الكتابة على الجدران بشكل أوضح لتواكب مجريات أحداث الثورة، وصولاً إلى تحولها لكتابات منظمة ورسومات معبرة بألوان وأشكال مختلفة.

أواخر عام ٢٠١١ كانت بداية الحراك الثوري في مدينة معرة النعمان، حيث كان أبو محمود أحد أهالي المدينة كثيراً ما يستيقظ في الصباح ليجد عبارات مناهضة للنظام ودعوات برحيله خطت على جدران منزله في غفلة من النيام، عن ردة فعله يتحدث قائلاً :”مع أنني كنت أشعر بالتفاؤل والأمل بالتغيير والوصول إلى الحرية عند رؤية العبارات، إلا أنني كنت دائماً أسارع لإزالة ما كتب والرسم فوقه لإزالة معالمه خوفاً على أبنائي من الاعتقال وانتقام قوات الأسد.”

لكن، ومع تمدد الثورة وتحرر بعض المناطق، كان لا بد للكتابة على الجدران أن تتطور وتتخذ أساليب جديدة، فأصبحت أمراً شائعاً ومألوفاً، وباتت الكتابات على الجدران تستوقف الجميع لقراءتها والتمعن بها وتحليلها.

“الثورة لا تقتصر على السلاح ذلك اخترت الرسم والفن طريقاً للنضال”، بهذه الكلمات أكد الفنان عزيز الأسمر من مدينة بنش بريف إدلب انتسابه للثورة حين اختار الجدران المهدمة والمتهالكة ليخط عليها رسائل للعالم تكون أكثر وضوحاً ومواكبة للأحداث والمعطيات السياسية، الأمر الذي جعلها تحافظ على أثرها في نفوس المتلقين، وعن ذلك يتحدث لبوابة سوريا قائلاً :”تتوزع أعمالي فوق جدران البيوت والمدارس والأسقف المنهارة، للجمع بين مشاهد الدمار من جهة ورغبة التشبث بالحياة من جهة أخرى، من خلال رسم لوحات جدارية تحاكي مجريات الثورة السورية أو تسخر من الواقع، وهي مستوحاة من مستجدات الأحداث والتطورات الاجتماعية والسياسية أركز على إيصالها بتفاصيل بسيطة بعيدة عن التعقيد.”

ويؤكد الأسمر بأنه يكتب عبارات لمدن رزحت تحت القصف والمجازر لتأكيد الوحدة والتآخي وتعزيز وجود الآخر في ثقافة المشاهد.

وعن الصعوبات التي تواجه الفنان يضيف :”هناك خوف من تداعيات سقوط الجدران والأسقف المهدمة أثناء الكتابة عليها، لذلك اخترت استخدام الإسفنج للرسم بدلاً من الريشة لتتناسب مع طبيعة الباطون المهدم، فضلاً عن تخوف البعض من تعرضهم للقصف بعد الرسم على جدران منازلهم.”مؤكداً أن التفاعل الإيجابي الذي لقيه هذا الفن على وسائل التواصل الاجتماعي كان عاملاً مشجعاً للاستمرار والمضي قدماً.

مدينة سراقب أيضاً جعلت من جدرانها بريداً لكل العالم، وعن ذلك يتحدث الناشط والرسام علاء الخطاب قائلاً : “ضيق المساحة التعبيرية في سوريا يجعل من الجدران مكاناً للبوح والتعبير، لذلك أصبح لفن الغرافيتي دور كبير في الثورة السورية، فهي (هتاف الصامتين) كما يحب البعض أن يطلقوا عليها، وقد بدأ هذا الفن من درعا التي انطلقت منها شرارة الثورة بعد أن خط الأطفال على جدران مدرستهم عبارات مناهضة للنظام السوري، لتنطلق بعدها إلى باقي المحافظات السورية.”

أما الفنان بلال الموسى من مدينة سراقب، فقد اختار أن يوجه رسوماته لإسعاد الأطفال وإدخال الفرح والأمل بالمستقبل إلى نفوسهم بعد أن حرمتهم الحرب من أبسط حقوقهم. وعن عمله يتحدث لبوابة سوريا : “لقد دفع الأطفال الثمن الأكبر للحرب، وانعدمت سبل التسلية والسعادة في حياتهم لذلك قمت مع اثنين من زملائي الذي جمعني بهم حب الفن والرسم بتشكيل فريق يعمل على رسم لوحات بألوان زاهية على جدران المدارس والروضات والعيادات الطبية والأماكن التي يقضي فيها الأطفال معظم وقتهم، علها تنسيهم ما يحصل خارجها.”

أحمد الخالد أحد أهالي مدينة إدلب يعبر عن رأيه بلغة الجدران بقوله: “كانت الجدران في السابق تحمل عبارات العشق والغرام، لكن الحرب كان لها أثرها في تغيير نمط هذه العبارات، لتصبح الجدران مرآة واقعية تعبر عما يمر به المجتمع، وما تركه الاستبداد والظلم في النفوس، وغالباً ما تتميز هذه العبارات بالنكهة الهزلية التي تكتنفها البساطة والاختصار، فهي لا تحتاج لسلطة الإعلام أو تعديل المحررين لأنها بوح علني يراد بها لفت الانتباه أو إيصال رسالة أو فكرة توثق لحظات من واقعهم المعيشي” لافتاً أن بعض الجمعيات والمنظمات الإنسانية وفرق الدفاع المدني تعتمد أيضاً على الجدران لمخاطبة المجتمع وإيصال المعلومات والإعلان عن الحملات التوعوية التي يتم إطلاقها.

ويشير الخالد أن جدران سوريا لن تنسى الوفاء لمن رحلوا، لشهداء كتبوا بدمائهم قصة عز وحرية وثورة لن تنساهم، ففي مدينة إدلب يخط الناشطون أسماء الشهداء تخليداً لذكراهم وعرفاناً بما قدموه في سبيل الحرية.

براءة الشيخ من مدينة كفرنبل طالبة في السنة الثانية من دراستها الجامعية تعبر عن تأييدها لظاهرة الكتابة على جدران كادت تنفجر من الظلم بقولها: “أجد هذه الكتابات والرسوم قريبة من القلب والواقع والشارع، لأنها تكتب بعيداً عن المجاملات والمثاليات، تعبر عما في داخلنا بالمختصر المفيد”. مبينة أن هناك الكثير من الرسوم والكتابات المخططة بحرفية فنية عالية على “حيطان” المدينة الصامدة، تتنوع بين كتابات تؤيد الثورة وأخرى تحمل رسائل للشهداء والمعتقلين والمفقودين، ورسوماً للأطفال تحاول التخفيف عنهم ومنحهم الأمل والاستبشار بقادم أفضل.

لم تعد الجدران في سوريا حكراً على تمجيد شعارات حزب البعث وتخليد القائد، بل آن لها أن تنطق بعد صمت وتنقل الرسائل السياسية والاجتماعية عبر كلمات ورسوم يريد لها الأهالي أن تلامس قلوباً لم تكترث بآلامهم، وتزرع الأمل في نفوس أنهكتها الحرب.

*إعلامية وناشطة من ريف إدلب