مشاركة

في واحد من أرقى أحياء مدينة إسطنبول التركية هو حي “نيشان تاشيه” يصطدم المارة كل يوم بحشد السوريين المصطفين في طوابير طويلة أمام مبني القنصلية السورية هناك، الرصيف يضيف بالمصطفين ويضطر المارة لنزوله عند المرور من تلك النقطة ما يسبب توتراً دائما في المكان، أهتدي رجل الأمن التركي امام باب القنصلية واسمه (بلال) إلى حل بأن يحشر المصطفين خلف قضبان حديدية ليفسح شريطاً للمارة جوارهم، الجميع يمر وتمر الساعات على عشرات السوريين الواقفين طلباً لجواز سفر أو لتصديق ورقة أو تسجيل مولود أو غيره، لكن ما لا يعرفه المارة عن حشد المصطفين هو أ ن كل منهم دفع ما بين 100 إلى 350 دولار أمريكي ليحجز مكانه في الصف الطويل أمام القنصلية الوحيدة في بلد يضم حوالي ثلاثة ونصف مليون مواطن سوري، والتي لم تهتم حتى بتوفير مكان انتظار لائق لمواطنيها.

سماسرة الدور وبلال وآخرون

تبدأ رحلة استصدار أو تجديد جواز السفر من القنصلية السورية من سماسرة يبيعون مواعيد مراجعة القنصلية بمئتين وخمسين دولاراً وسطياً، وهو المبلغ الذي دفعه (سامر) لسمساره في إسطنبول بعد أكثر من عشرين ساعة سفر حتى وصل المدينة قادماً من احدى مدن الجنوب التركي ” يفترض أن هناك موقع الكتروني للقنصلية يستطيع المواطن أن يحجز الموعد من خلاله، لكن الموقع لا يعمل والطريقة الوحيدة للحصول على الدور هي اللجوء إلى السماسرة.. على كل حال انا سعيد لأنني حصلت على موعد قريب..”. لكن كيف يتمكن السماسرة من حجز المواعيد مادام الموقع لا يعمل؟ لم يجبنا “أبو زهرة” أحد السماسرة الذي التقيناهم على هذا السؤال واكتفى بالقول: “حصتي من هذا المبلغ بالكاد تبلغ خمسين دولاراً أمريكياً أما الباقي فيذهب للآخرين” والآخرون هنا هم سلسلة مجهولة من الوسطاء تنتهي داخل القنصلية نفسها. فورقة الدور التي يستلمها طالب جواز السفر مطبوعة مباشرة من الموقع الإلكتروني للقنصلية، نفسه الذي لا يعمل، ما يشي أن المسألة ليست عطلاً بل تعطيل للموقع في وجه المستخدمين وإبقاء الصلاحيات لعدد صغير من الاشخاص القادرين عن الولوج لجدول المواعيد والحجز فيها.

بالنتيجة الجميع يدفعون ثم ويتسابقون في الوصول مبكراً إلى مقر القنصلية في اليوم الموعود، منذ السابعة صباحاً يبدؤون في التجمع علماً أن القنصلية لا تبدأ باستقبال أحد قبل التاسعة والنصف، خلال ذلك الوقت يكون بلال قد ثبت قضبانه الحديدية ووزع المتجمعين الذين يزيد عددهم عن ستين شخصاً وسطياً في كل صباح إلى صفوف كل حسب غرضه، هنا صف للوكالات وآخر للمعاملات المدنية وثم هناك صفان لطالبي جواز السفر العادي والمستعجل. يقول سامر “الجواز العادي يحتاج لثلاثة أشهر حتى يصدر، وعند البعض تطلب الأمر ستة أشهر ورسومه  325 دولار أمريكي فقط.. أما الجواز المستعجل فيرجح أن يصدر بعد شهر من تقديم الطلب والأخير رسومه 800 دولار أمريكي، وحيث أن بطاقة الإقامة التي احملها في تركيا كانت ستنتهي في وقت قريب اضطررت إلى التقديم على جواز سفر مستعجل”.

ساعات الانتظار امام القنصلية تمر ببطء تتركز فيها الأنظار على بلال في كل مرة يخرج فيها من باب مبنى القنصلية الحديدي متقدماً من المصطفين خلف القضبان، هو بطل هذا المشهد يقتصد في كلماته امام سيل الأسئلة التي تنهال عليه من المصطفين بازدياد مع مرور كل ساعة. يجيب على معظم الأسئلة بالقول “انتظر” ويتجاهل بعضها الاخر كأن احداً لم يتحدث اليه، ينادي على أربعة أو خمسة أسماء في كل مرة غالباً ويفتح مخرجاً بين القضبان ليخرجوا ويتبعوه مجتازين الباب الحديدي الذي يفتح للحظات ثم يغلق من جديد. يتطلب الأمر نصف ساعة أو ساعة أخرى حتى يعود بلال مجدداً، سيبقى خلالها حارساً لباب المبنى حتى لا يعبر أحدهم خلسة. (مريم) السيدة الخمسينية المنحدرة من ريف القامشلي والقادمة من مدينة ماردين في أقصى جنوب شرق تركيا تصطف للمرة الثالثة خلال أسبوعين ولم ينطق بلال اسمها بعد، تحاول أن تجد أي شيء تجلس عليه لأنها لم تعد قادرة على الوقوف على قدميها بعد مرور ثلاث ساعات وتخشى الجلوس على الأرض لأنها قد تعجز على الوقوف على قدميها الضعيفتين بسرعة، تمزح تارة وتشتم تارة أخرى، تتمنى لو يسمح لها بلال بالجلوس على الدرج المفضي إلى باب القنصلية الحديدي قليلا، تقول مريم “لقد تركت زوجي وأبنائي منذ خمسة عشر يوماً ولا أعرف ما حال البيت الأن، أنام في منزل أقارب لنا يقع على بعد ساعتين في ضواحي إسطنبول وأشعر انني أصبحت عبءً ثقيلاً عليهم، لقد انفقت ثمانمائة دولار حتى الأن وهو مبلغ يكفي مصاريف عائلتي لمدة شهرين.. وفي النهاية لا أستطيع حتى رؤية الموظفين وسؤالهم عن سبب كل هذا التأخير”. شابة أخرى في نهاية العقد الثاني من العمر تقول إنها تراجع القنصلية للاستفسار إن كانت الموافقة الأمنية الخاصة بزوجها قد وصلت أم لا، وذلك بات اجراءً روتينياً لكل طالبي جواز السفر في عملية تستغرق شهراً وأحياناً أكثر، فقد مضى أكثر من ستة أشهر على تقديم الزوج لطلبه وراجع القنصلية لعدة أشهر بعدها حتى شاركته الزوجة هذا العبء، وفي كل مرة يطلب بلال منهم مراجعة القنصلية بعد أيام أو أسابيع. في زاوية غائرة بين حشد المصطفين يعلو صوت كهل غاضب، كان يستمع باهتمام إلى الأحاديث التي تدور حوله فهي المرة الأولى التي يأتي فيها إلى هذا المكان، يرفع ورقة الدور وينادي بلال “انا موعدي في التاسعة والنصف!” فيجيبه بلال “انتظر” ويجيبه شاب اخر من بين المصطفين: “يا عم الساعة المحددة في الورقة لا قيمة لها، ستكون محظوظاً إن دخلت اليوم ولم يأجلوك للغد أو ليوم اخر”. يشتعل الكهل بمزيد من الغضب لكن لا مكان اخر يمكن أن يمنحه تلك الوثيقة التي قد تعطل كل حياته، يأخذ نفساً عميقاً ويقول “إنها الطريقة الوحيدة التي يمكن للنظام أن يذلنا بها بعد أن هربنا منه، وهو يستغلها إلى أبعد الحدود”.

فرحة الحصول على الوثيقة البائسة

نجى (سامر) من كابوس القنصلية بعد شهرين ونصف سافر خلالها خمسة مرات لإجراء المراجعات وأنفق حوالي ألفي دولار على جواز سفره الجديد الصالح لمدة عامين فقط، وهو الحال مع كل الذكور ما دون سن الستين ومعظم الإناث كذلك. يقول سامر “يجب أن تكون هذه المرة الأخيرة التي آتي فيها إلى هذا المكان، قبل أن تنتهي صلاحية هذا الجواز يجب أن أكون قد سافرت إلى مكان ما أو حصلت على جنسية ما”. سيتمكن سامر من تجديد إقامته في تركيا مدة سنة ونصف، فقط وهي المهلة الحقيقية المتاحة أمامه قبل أن يتجدد الكابوس الباهظ.

وثيقة جواز السفر سيئة الطباعة الممنوحة تأتي في المرتبة 59 عالمياً وهي المرتبة ما قبل الأخير التي تشاركها مع جواز السفر الصومالي حسب موقع مختص في حرية السفر، وبذلك يكون الجواز السوري قد سبق جوازي السفر الأفغاني فقط. وهو يسمح لحاملة بالدخول إلى حوالي ثلاثين دولة لم يسمع السوريون بأسماء معظمها من قبل، ستة عشر بلداً افريقياً وثمان جزر، مقابل ثلاث دول في اسيا وثلاثة فقط في الشرق الأوسط هي اليمن ولبنان وإيران.