عبر تاريخنا المُشرق، وإلى اليوم، تتكرر تلك الصورة النمطية: يعيش رجل مع زوجته لعشرين أو ثلاثين عاماً، هو يعمل في الخارج وهي تعمل في البيت، هو يدفع ثمن البيت والسيارة والأرض والأثاث ويسجّل كل شيء باسمه، وهي تدفع ثمن تربية الأطفال وتنظيم الحياة وإدارة شؤون العائلة دون أن تدفع قرشاً واحداً.

لسبب ما يدبُّ الخلاف وينفصل الزوجان، فيخرج هو مالكاً لكل شيء، وتخرج هي خالية الوفاض، بل وإذا طالبت بتقاسم ما صنعاه معاً، سيأتي سؤاله الممهور بالواقعية والوقائع والشهود ووثائق الملكية: ماذا صنعت أو قدمّتِ أصلاً لمنزلنا الخَرِب؟! ثم من موقع القوة والسلطة، ربما “يتحسّن” عليها بنفقة ومؤخر، أو يطلبها لبيت الطاعة! تحاول الزوجة البحث في عقلها عن أي شيء مادي لتشير إليه بإصبع اليد وتقول: هذا ما فعلته، صنعته، دفعت عمري ثمناً له، فلا تجد إلا السراب، لن يصدقها أحد، فلا شيء مرئي ومادي في يدها ليثبت حقيقة قولها.

سيكون مُلهِماً لملهم، وأمثاله، إعطاؤه دور الرجل “الفحل” في تلك القصة، حتى لو كان مخصياً في الواقع، وسيكون سعيداً بتشبيه العلمانيين بالزوجة، وإعطائهم دوراً مؤنثاً في السرد، حيث يتطابق ذلك مع صورة نمطية موجودة أصلاً لدى الجماعات الإسلامية حول “الكائنات” العلمانية، باعتبارهم رجالاً، “ناقصي دينٍ، وعقل”، وكثيراً ما يكون العلماني في تلك الصورة النمطية هو رجل لا يسيطر على بيته وزوجته وما يحيل إليه ذلك من تلميحات وإشارات يعرفها الجميع في حواضرنا العامرة.

الفكرة من تلك القصة هي الإشارة للحال المزري من التسخيف والتخفيف الهائل في ثقافتنا؛ والتي يمثل الإسلاميون جزءاً منها لا كلها، لكل عمل لا تُلمس نتائجه باليد، ولا تُرى ثماره بالعين المجردة، فما قيمة الرسام أو النحّات أو الكاتب، وما قيمة الفنان أو المثقف أو الفيلسوف، ثم ما قيمة الناشط أو المنسِّق أو المتظاهر أو حتى السياسي في العمل الثوري؟! ما قيمة كل هؤلاء مقارنة بقيمة المجاهد أو حامل السلاح أو حامل همّ الأمة؟ لا سيما عندما تتم المقارنة استناداً إلى معيار أعلى هو الحياة، والعدد الأكبر من أولئك الأخيرون دفعوا حياتهم ثمناً للثورة، بغض النظر إن كان انتسابهم لها اختياراً أو إجباراً، وبغض النظر عن أهدافهم النهائية من الثورة، فأمام قيمة الحياة، وبالتالي جلالة الموت، ليس علينا سوى الصمت والتقدير.

هذا التقسيم الأسطوري للعمل في ثقافتنا هو ما يقف بصلابة خلف سؤال “الدروبي” عمّا قدمه العلمانيون في الثورة، لتكون الإجابة واضحة للعيان، إن جلّ هذه الثورة، إن لم يكن كلّها، قد قامت على كتف الإسلاميين، وضمن أساس ايبستمولوجي ونظرة قديمة متجددة للإسلاميين، والإخوان المسلمين تحديداً، في اعتبار المسلمين جميعاً، إسلاميين بالقوة، وتابعين لهم ضمناً، وسوف ينتقلون إلى إسلاميين بالفعل إذا نجحت الثورة وانتصرت الديمقراطية، ومن سيفوز في تلك الديمقراطية المتخيلة يا ترى؟ إنهم الإخوان طبعاً! أو أصدقاؤهم من العائلة الإسلامية الواحدة.

هذا بالضبط (وبالمصادفة!)، ما يروجه النظام عبر تاريخه، وما أعلنه صراحة وزير خارجية الاحتلال الروسي، الذين يؤكدون مع الدروبي أن الإسلاميين هم الإسلام، وأن الأكثرية المسلمة في سوريا ليست سوى إسلاميين متطرفين ومتخفّين بقالب الاعتدال، فيدبّ الرعب عند الأقليات وفي العالم خوفاً من وصول أولئك “الأشرار” إلى السلطة.

والحقيقة أن الكثيرين جداً ممن استهدفهم السؤال، علمانيون وغير علمانيين، يستبطنون نظرة الدروبي نفسه لتقسيم العمل، ويشاركونه فعلاً لا قولاً بتسخيف صورتهم عن أنفسهم تبعاً للصورة النمطية العليا عن العمل في ثقافتنا.

بعد نشر الدروبي لسؤاله البريء؛ براءة الإخوان أنفسهم من تطييف الثورة!، بتنا نسمع الكثير من الردود الدفاعية التي تقول: بالفعل ثورة الإخوان المسلمين هي ليست ثورتي! أنا ثرت لأسباب ولأهداف مختلفة عنهم، وبالفعل بالمعنى الفردي، قد نجد لدى كل فرد سوري ثورته وأسبابه وأهدافه ونتائجه، لكن بالمعنى الجماعي، أي كشعب سوري، يُعد هذا الكلام تضليلاً، فالثورة السورية هي ثورة شعبية نجتمع فيها مع الإخوان وغيرهم وعلينا تحمّل مسؤولية فشلها أو نجاحها معاً، بدل إلقاء التهم والتنصل من المسؤولية عبر إلقائها على عاتق فريق دون آخر كما يفعل الدروبي نفسه.

لقد قدم جميع السوريين الذين آمنوا بأفق الربيع العربي، وحلموا بسوريا ديمقراطية حرة وخالية من الاستبداد، قدموا للثورة السورية ما استطاعوا إليه سبيلاً، وعلينا أن نترحم على من مات منهم، ونحتفل بمن بقي منهم حياً، بدل زرعه في عقد الذنب والتقصير والفشل واللاأهمية، وهو ما يدفع الكثيرين للصمت والاعتكاف، وحتى الهرب من الثورة ومن نتائجها القاسية.

بالعودة لقصتنا ومقاربتنا لتناول الموضوع، وفي سياق إيصال المنطق الذي يتكلم به الدروبي إلى نتائجه، سيكون النظام السوري هو من يمارس دور الزوج المذكر ويجعل جميع السوريين، وأولهم الإسلاميين، بمثابة النساء وما تمثله أوضاع النساء في مجتمعاتنا من استباحة وقهر وتقليل قيمة. وبذات الطريقة التي يخفّض فيها الدروبي عبر سؤاله من قيمة العمل العلماني غير المنظور وغير الموجود ككتلة مادية أو سياسية أو عسكرية واحدة وموحدة في الثورة السورية، كان حافظ الأسد قد قال في عزّ عهده، وبوضوح مطلق مع الذات، إنه باني سوريا الحديثة، فهو من بنى المصانع والسدود والجسور والمدارس والمشافي وحتى المساجد، وهو من عبّد الطرقات وأوصل الكهرباء إلى كل منطقة في سوريا، كل ذلك كان مرئياً للعيان وما زال يردده الموالون إلى اليوم، ليقولوا بالمقابل إن من دمّر تلك الحاضرة هم المعارضة والإسلاميون والثورة. لكن ما “نسي” أن يقوله الأسد، وما مرَّ على أكثرية السوريين مرور الكرام، أنه هو نفسه من دمّر الإنسان السوري في عهده، فمنع الكلام والتعبير واللغة الأجنبية والإعلام والصحافة والأحزاب المعارضة، حوّل أكثرية السوريين إلى قطيع موحد خلف جلالته وقيادته الحكيمة، وجعل ثقافة السوريين كاملة تُبنى على التقليل من أهمية الكلام وأهمية التعبير الحر والعلني وأهمية اللغة والانفتاح على العالم، وذلك على اعتبار أنه لا قيمة حقيقية لجميع تلك الأشياء اللامادية وغير المنظورة سوى في الهواء والكلام والفارغ، طالما أن المأكل والمشرب والمأوى والطبابة ومجانية التعليم قائمة، لكن ما تبين لاحقاً، أن الإنسان الذي فقد حقه في الكلام الحر تحوّل إلى مُخبر بلا كرامة، أو إلى عاجز عن رد الظلم عن نفسه والدفاع عن حقوقه المكتوبة في الدستور، أو مراقب جلاّد لنفسه ولكلماته وحركاته وإيمائاته يمنعها من الكلام الحر ويضطهدها كي لا تزلَّ بحرف أمام عيون الدولة الموجودة في كل الفضاءات، أو آلة يتم تلقينها وتلقيمها في المدارس كيف تفكر، بل وتُكرَّم إن استطاعت الثغاء في قطيع البعث.. وبالفعل، لم تخرج الثورات إلا نتيجة للانفتاح على العالم بشكل أساسي، ولفك الحظر ولو جزئياً عن تلك الأشياء اللامادية “التافهة” حسب منطق الدروبي ونظام الأسد، أي الإعلام والصحافة والاتصالات والفضائيات والإنترنت والفيسبوك وغيرها. ذلك ما أوجد عالماً في كل بيت، وذلك ما جعل ثورات الربيع العربي ثورات أجيال شابة جديدة لا قديمة، وجعل طلباتها الأولى هي الحرية والكرامة قبل الخبز والعيش وتحرير فلسطين.

والحقيقة الأخيرة التي سأوردها ويحيد عنها الدروبي ومعظم منتقدوه، هي أننا شركاء فعلاً في هذه الثورة، مثل شراكة الزوج وزوجته في بيتنا الذي هو سوريا، وبغض النظر عمن سيأخذ هنا دور الزوجة خجلاً أو دور الزوج تباهياً وفحولة، فإن الثورة التي خرج بها السوريين هي فعلياً تريد تساوي الرجل والمرأة في الأدوار والمسؤوليات وتقاسم الثروة والسلطة والسياسة والعمل، وأن الطريقة التي يعتمدها حزب الدروبي وإخوانه وجميع الإسلاميين من أمثاله، لن تؤدي سوى لخراب هذه الشراكة وزيادة الانفصال والمقاطعة بين السوريين، وتمزق البيت السوري الواحد إلى الأبد دون أمل بأي شراكة في المستقبل.

*كاتب سوري