الصفحة الرئيسية تحليل الخبراء “اللجنة الدستورية” والالتفاف على القضية السورية

“اللجنة الدستورية” والالتفاف على القضية السورية

 بات الحديث عن “اللجنة الدستورية” العتيدة في الآونة الأخيرة، البند الرئيس على جدول أعمال المبعوث الدولي الخاص بسوريا، السيد ستيفان دي ميستورا في جولاته ومناقشاته التي لا تنتهي، ويبدو أنّه في صدد تشكيلها بالفعل في وقت قريب، فقد صرّح أحد مستشاريه بأن أعمال اللجنة سوف تبدأ قبل نهاية العام الحالي. ومما يدلّ على ذلك أيضاً انشغال النظام وهيئات المعارضة المختلفة بالموضوع نفسه، وإن تباينت طرائق فهم كل منهم له وغايته منه.

التركيز على موضوع الدستور في هذه المرحلة، بما ينطوي عليه الأمر من التفاف على القضايا الأساسية، مثل هيئة الحكم الانتقالي أو ملف المعتقلين، يبدو للوهلة الأولى مرتبطاً بصورة ما مع التطورات الميدانية أو حتى نتيجةً لها، بالنظر إلى المكاسب العسكرية التي حقّقها الأسد ومن ورائه الروس والإيرانيون خلال الفترة القليلة الماضية، وبسط سيطرتهم المطلقة على كامل دمشق وغوطتها وإنهاء أي وجود مسلّح للمعارضة هناك، فضلاً عن استعادة مساحات كبيرة من المناطق التي كانت تحت سيطرة مقاتلي المعارضة. غير أنّ العودة قليلاً إلى الوراء، تبيّن كيف أنّ مسيرة العمل على تمييع المفاوضات والالتفاف على القضية السورية برمّتها عبر حكاية الدستور هذه تجري منذ وقت ليس بقليل.

في أعقاب الجولة السادسة لمؤتمر جنيف حول سوريا، قبل نحو عام من الآن، وعلى الرغم من فشل تلك الجولة كحال “الجنيفات” التي سبقتها، رأى دي ميستورا فيها “خطوة جديدة لتمهيد الطريق لإجراء مفاوضات حقيقية”، وذلك بموافقة جميع الأطراف على لمشاركة معاً في اجتماعات غير رسمية على مستوى الخبراء الدستوريين يشارك فيها فريقه الخاص، وذلك لمناقشة بعض المسائل القانونية والدستورية. طبعاً هذا لم يغيّر في مسار “المفاوضات” شيئاً، وبقي التعثّر والجمود أبرز سماتها. بل إنّ دي مستورا وفريقه، إذ راحوا يركّزون جهودهم باتّجاه إبراز مسألة “السلّة الدستورية” وتظهيرها بوصفها من الأولويات التي يراد لها أن تكون موضع بحث بين الوفود المشاركة، لم يفعل سوى زيادة درجات التعويم والتشويش، الملازمين أصلاً لما يسمّى “العملية السياسية”، بل وتبنّي مقاربات لا تختلف في جوهرها عن الموقف الروسي.

لدى روسيا، حامية نظام الأسد، رؤيتها لتسوية سياسية تناسبها، على النحو الذي يعيد تأهيل النظام ويفرغ كل حديث عن التغيير من أي محتوىً جدّي، وذلك عبر فرض أمر واقع جديد بالقوة، واختزال الحل السياسي في إجراء بعض التعديلات الدستورية والإصلاحات الجزئية بوجود الأسد ومشاركته. ولتحقيق غايتها عملت على إيجاد مساراتها الخاصّة على مستويات عدة، وذلك من خلال “المصالحات” التي تجري برعايتها، وفي اجتماعات أستانة و”مناطق خفض التصعيد” بالتنسيق مع إيران وتركيا، وصولاً إلى “مؤتمر الحوار الوطني السوري” الذي عقدته في مدينة سوتشي نهاية كانون الثاني (يناير) الماضي، بحضور دي ميستورا نفسه.

في مخرجات المؤتمر المذكور لم يكن مهمّاً ما تضمنّه البيان الختامي من كلام إنشائيّ وحشوٍ لا يقول شيئاً، وإنما الإعلان عن اتّفاق المشاركين على “تشكيل لجنة دستورية من ممثلي الحكومة والمعارضة لإصلاح الدستور وفقا لقرار مجلس الأمن الدولي 2254″، وهي ما يعمل عليه المبعوث الدولي الآن، مما يعني أنّ الروس استثمروا الرغبة الديمستورية بالتركيز على المسألة الدستورية، ووظّفوها في خدمة رؤيتهم للتسوية.

وهاهو دي ميستورا اليوم يناقش المسألة مع مختلف الأطراف، مثل تركيا ومصر وروسيا إضافة إلى إيران، التي تلقّى من مساعد وزير خارجيتها “مقترحات” حول بدء عمل اللجنة. كما التقى بوفد هيئة المفاوضات برئاسة نصر الحريري لبحث الموضوع، وفي إثر اللقاء أعلنت الهيئة في بيان رسمي أنها “تدرس كل الحيثيات والتفاصيل المتعلقة باللجنة الدستورية، وكيفية تشكيلها وآلية عملها، وضرورة توافق ذلك كله مع ما تم الاتفاق عليه مسبقاً”. أمّا رندة قسيس، رئيسة منصة أستانة، فتقول إنّ منصّتها “انتهت من العمل على مسودة دستور سوري منذ أشهر، وزودت الأطراف المعنية بنسخة عنها”. على ذلك، يبدو أنّ لدى هيئات المعارضة المختلفة أوهام بأن تمضي الأمور في “عملية دستورية” في سياق الانتقال السياسي المنصوص عليه في القرار 2254 وبيان جنيف الأول، لا كمسألة منفصلة ومحدودة.

في المقابل، يجد الأسد ونظامه في حكاية “اللجنة الدستورية” والمشاركة فيها فرصة لتلميع صورته عبر الظهور بمظهر من ينخرط بإيجابية في “العملية السياسية”، لا بل ويقودها من خلال هذه اللجنة. فهو إذ سلّم المبعوث الدولي قائمة بأسماء مرشحيه المقترحين لعضوية اللجنة، لكنّه أصرّ على “أن تتكون من أكثرية مقترحة من قبل الحكومة السورية”، وفق ما أعلنه وزير الخارجية الأسدي وليد المعلم. علاوةً على ذلك، فإنّ مهمة اللجنة، من وجهة نظر النظام التي يعلنها ممثلوه في وسائل الإعلام، ليست وضع دستور جديد وإنما تقتصر على مناقشة ومراجعة بنود الدستور الحالي الصادر عام 2012، ثم بعد ذلك تجري الأمور وفق مواده نفسها في ما يخصّ الخطوات والإجراءات التي تتطلّبها عملية التعديل، وهذا يعني بوضوح أنّ “اللجنة الدستورية” لا قيمة لها عملياً، وأن بإمكان النظام تمييع عملها وإغراق الجميع في التفاصيل الإجرائية.

ذلك أنّه وفقاً للمادة الخمسين بعد المائة من الدستور، لرئيس الجمهورية كما لثلث أعضاء مجلس الشعب حق اقتراح تعديل الدستور، وأنّ مجلس الشعب يشكّل لجنة خاصة لبحث الاقتراح ثم يناقشه المجلس. وليصبح التعديل نهائياً يجب أن يقرّه ثلاثة أرباع أعضائه، وأن يقترن بموافقة رئيس الجمهورية. المفارقة أنّ هذه الإجراءات كلّها لم تكن ذات قيمة ولا هي تطلّبت وقتاً يُذكر عندما جرى التوريث المشؤوم في مثل هذه الأيام قبل ثمانية عشر عاماً من الآن. وقتها، لم يحتج الأمر سوى لجلسة هزلية في مجلس التصفيق (مجلس الشعب) من أجل تعديل الدستور، وخلال دقائق عُدّلت المادة الثالثة والثمانون منه، والتي كانت تشترط في من يُرشح لرئاسة الجمهورية أن يكون متمّاً الأربعين عاماً من عمره، فأصبح العمر المطلوب أربعة وثلاثين عاماً لكي يكون دستور البلاد على مقاس الأسد الصغير.

بعد كل ما شهدته البلاد من فظائع وأهوال على يد طغمة مجرمة ممعنةٍ في نهجها الإباديّ لسحق شعبٍ فكّر يوماً في طلب الحرية. وبدلاً من التركيز على تنحية الأسد وأعوانه ومحاسبتهم على جرائمهم، يتصرّف عرّابو هذه الحفلة “الدستورية” وكأنّ المشكلة في سوريا تكمن في الدستور فحسب، وأنّ من شأن العمل عليه أن يحلّها وينهي مأساة السوريين ويحقق تطلّعاتهم.

فعلاً، “إن لم تستحِ فافعل ما شئت”!

*كاتب سوري