الصفحة الرئيسية تحليل الخبراء في بعض إشكاليّات الثورة السورية

في بعض إشكاليّات الثورة السورية

مشاركة

شوكت غرزالدين *

يَكثُر تداول بعض العبارات لتوصيف الحالات التي مرت بها الثورة السورية بتوصيفها “ثورةً مغدورة”؛ عبارات من قبيل: “الثورة انحرفت، الثورة انسرقت، الثورة توقفت”. واستناداً إلى مثل هذه العبارات يُطرح، كالعادة، تصحيح الثورة واستردادها واستمرارها على الرغم من أنها عبارات لا تفسر شيئاً.

والواقع أنّ مثل هذه العبارات لم تأخذ حقها من الفحص والتدقيق والتحليل، على الرغم من أنها تسعى لإصدار حكم واقعي ومعرفي وقيمي على الثورة السورية؛ فهي إما أنها جمل خبرية تخبرنا بمعانٍ يجوز الحكم عليها بالصح والخطأ، أو أنها قضايا منطقية يجوز الحكم عليها بالصدق والكذب، أو أنها لغو لا تحتوي على معنى خبري ولا على استنتاج منطقي. ولهذا علينا تحليل فكرة العبارة أولاً، ومن ثم تحليل هذه العبارات العينيّة ثانياً.

العبارة التي تفيد العلم: 

بدايةً، حسب أرسطو، تدل العبارة، أية عبارة، أساساً، على التفكير، أكثر مما تدل على الألفاظ المكتوبة بها أو الأصوات المنطوقة بها. وعلى الرغم من اختلاف الكتابة والنطق بين اللغات واللهجات والأساليب الفردية، فإن التصورات الذهنية التي ترمز إليها مكونات العبارة من ألفاظ وأصوات وأسلوب كتابة، هي واحدة عند جميع المتلقين. فإذا ما قلنا عبارة “الثورة انحرفت” بالعربية، الإنجليزية أو الفرنسية؛ يظل التصور الذهني الناتج عنها واحداً. وهذا يقودنا إلى الاستنتاج الأول وهو دلالة العبارة على وحدة الفكر. ولا يحول اختلاف الأصوات والألفاظ في العبارات، بين لغة وأخرى، دون وحدة الفكر هذه.

وبتحليل العبارة يتبين أن فيها اسماً وفعلاً، أو مبتدأ وخبراً (جملة خبرية) أو صفة وموصوفاً، أو فيها محمول يُسند إلى موضوع (قضية منطقية). وهنا نستنتج أن وظيفة الفعل في العبارة هي إسناده إلى اسم بغض النظر عن زمن الفعل؛ أي المهم هو إسناد الفعل إلى اسم، لا زمن الفعل المُسند، وهذا هو الاستنتاج الثاني.

وحتى تكون العبارة قضية، فإنها تحتاج إلى شرط أن تضع شيئين منفصلين وأن تربط الواحد منهما بالآخر؛ أي إسناد محمول إلى موضوع. وهذا هو الاستنتاج الثالث.

وهكذا فإن العبارات التي لا تفيد الإسناد ووحدة الفكر والربط بين شيئين منفصلين، لا تفيد العلم، وإنما تفيد التعبير عن المشاعر والتمني والدعاء والاستفهام والتذمر والثرثرة والاستطراد والحشو والبكاء على الأطلال. وما يفيد العلم هو حالات إسناد الفعل إلى اسم والربط بين الفعل والاسم ووحدة الفكر عن هذا الربط وهذا الإسناد؛ ففي عبارة “الثورة انحرفت” مثلاً، أسندنا فعل الانحراف إلى اسم الثورة، وهنا لا يهم زمن فعل الانحراف وإنما ما يهم هو عملية إسناد فعل الانحراف إلى اسم الثورة، والربط بين فعل الانحراف وبين اسم الثورة، والمعنى الذي يتصوره الفكر من هذه العبارة. إذاً ما يهمنا في العبارة هو ثلاثة أشياء هي وحدة التفكير والربط بين منفصلين وإسناد الفعل لا زمنه.

إنها عبارات قبليّة قياسيّة: 

يَفترضُ أصحاب هذه العبارات وجود “خطّ استواء” ما، كامن في رؤوسهم، أو مستخلص من تجارب ثورية سابقة، ليقرروا، بدون فحص، سرقة الثورة السورية من مالكيها المُفترضين، أو توقفها قياساً على استمرار الخط التصاعدي للمظاهرات كما يبدو لهم، أو انحرافها عن خط الاستواء المزعوم. فالانحراف دائماً يكون عن معيار ما، محدد سلفاً، وهذا المعيار هو الناتج الإحصائي في العلم. وعندما ننزاح عن المعدل الإحصائي نقول إنه انحرف انحرافاً معيارياً، أما في غير العلم فيكون المعيار والمقياس مثالاً أعلى في الرأس أو قياساً على ما سبق من تجارب ثورية.

إنّ الانحرافَ هنا انحرافان؛ فهو انحراف عن السلمية إلى العسكرة أولاً، وهو انحراف عن الديمقراطية إلى الخلافة الإسلامية ثانياً. بينما تعني عبارة “الثورة انسرقت” أنّ “الإخوان المسلمين” هم من سرقوها. وتعني عبارة “الثورة توقفت” أن نمو الإرهاب والتدخل الدولي والحربي أوقف الثورة؛ فلا ثورة مع توقف المظاهرات وكأن الثورة عموماً هي المظاهرات فحسب. وهذا ما يمكن تسميته بالتوصيف القياسي، قياساً على ما سبق أو قياساً على نموذج في الرأس، والذي يكذبه الواقع باستمرار.

والسؤال هنا هو: هل للثورة السورية معيار نعايرها به، أو برنامج تسير استناداً إليه، بحيث يكون مثل هذا المعيار أو هذا البرنامج، سابقاً على التجربة الثورية السورية؛ أي قبلياً أو متعالياً، إحصائياً، أو مستخلصاً من تجارب الشعوب الثورية، وتسعى الثورة للتطابق مع مثل هذا المعيار أو هذا البرنامج؟! بالطبع لا؛ فالثورة السورية هي ثورة وطنيّة على الاستبداد. وتكفي ملاحظة الفروقات بين تكوين الثورة وبنيتها من جهة وبين تحولاتها من جهة أخرى لمعاينة غياب المقياس، سواء كان من الرأس أو مُستخلصاً من التجارب السابقة، وكذلك لمعاينة ابتلاع الصفة للموصوف أو الفعل للاسم أو الخبر للمبتدأ في هذه العبارات.

في مكونات الثورة وتناقضها: 

بخلاف الثورة المضادة غير الوطنية أساساً، إن ما يثبت وطنية الثورة هو تكوينها وبنيتها وحاجة السوريين إليها والدوافع السورية إلى قيامها، وهذا كله وطني محض، على الرغم من أن التدخلات الخارجية تنامت بالتدريج حتى باتت فيصلاً في تحقيق الثورة لأهدافها، وعلى الرغم من أن تحولات الثورة اللاحقة للبدايات كانت تحولات غير وطنية تعارض الوطنية السورية، وتعتبرها صنماً، وتعمل على تعدي حدود سورية المعترف بها دولياً بالترابط مع العراق مثلاً أو بالدعوة لخلافة إسلامية تتجاوز كل الحدود السياسية والجغرافية والأخلاقية.

فمن حيث بنية وتكوين الثورة ومكوناتها نجدها تتكون من أفراد سوريين جد مختلفين تكوينياً، كما تتكون من جماعات أهليّة سورية يحكمها نظام القرابة الأنثروبولوجي، ومن أفكار سورية كفكرة التنسيقيات مثلاً أو فكرة الجيش الحر.

ومن هنا نجد من الأفراد الفقير ونجد منهم الغني، منهم المتدين ومنهم غير المتدين، منهم الأكثري ومنهم الأقلوي، منهم النخبوي وصاحب الأيديولوجيا والحزب ومنهم الفرد العادي، منهم الإرهابي ومنهم المعتدل والمتشدد، منهم الذكور ومنهم النساء والأطفال وكبار السن، منهم البعثيّ والإخوانيّ والقاعديّ والشيوعيّ والليبراليّ والقوميّ، ومنهم التكنوقراطيّ وغير المسيس والمحايد سواء حياداً إيجابياً أو سلبياً، ومنهم العسكري ومنهم المدني، ومنهم في المراكز ومنهم في الهوامش…

كما نجد أنها تتكون من “جماعات أهليّة مُتخيَّلة”، بمصلحات بندكت أندرسون، تتخيّل السيادة والأمن والحدود؛ أي جماعات سياسية تربطها ببعضها روابط مُتخيَّلة هي الطوائف والوطنية السورية والقومية العربية والقومية الكردية والرابطة الإسلامية. بحيث تكون هذه الروابط كعلاقات الأهل ببعضهم البعض، بدون أن يعرف الأشخاص بعضهم البعض، ليصبح الشخص عندها عضواً في الجماعة يضحي من أجلها عاطفياً، ولا يكون الشخص فرداً في هذه الجماعات المتخيلة يختار انتماءه ويخطط مصالحه ومنافعه بتحكيم العقل.

ويستغرب بعضنا الحالم والرومانسي من قتل الثورة لأبنائها أو اضطهاد الأقليات أو المرأة أو الطفل… فمن قال إن الثورة لا تضطهد الأقليات! الثورة لا تضطهد المرأة! الثورة لا تقتل أبنائها! ربما قال هذا شخص ما، لكن الواقع يقول غير ذلك، وعلينا الالتزام بما يقوله الواقع لا الأشخاص.

تبدو الثورة من خلال هذه العبارات وكأنها جزيرة معلقة في سماء رؤوسنا، وكأنها منفصلة عن مجتمعنا وتركيباته وتاريخه وعن العالم والإقليم والصراعات التي تحيط بالجميع، وكأنها لا سابق لها ولا لاحق عليها ولا محيط بها.

وإذا ما حللنا علاقة الثورة بمكوناتها الفردية والجماعية نجد أن التناقض كبير بين أهداف الفرد في الحرية والكرامة وبين أهداف الجماعات السياسية في السيادة والأمن، وكذلك بين أسلوب الفرد السلمي والمدني وبين أسلوب الجماعات الصدامي والميليشيوي. إن نظام القرابة الذي يحكم الجماعات الأهليّة المُتخيّلة، الدينية منها أو العرقية، الطائفية أو القبلية، يجعل من هذه الجماعات في غير وارد الأفراد وما يحمِّلونه للثورة من أهداف وما يمارسونه من وسائل لا مصلحة للجماعات السياسية المُتخيَّلة فيها أصلاً. فالأفراد يريدون الحرية والكرامة بإسقاط الاستبداد لا أكثر ولا أقل، بينما الجماعات المُتخيَّلة تريد السيادة والأمن. ففي حالة قبل الثورة كان كل فرد سوري لديه مشاكل مع النظام يريد حلها، مشاكل عمل وخدمة عسكرية وتعليم وصحة وخدمات… ولكن الجماعات الأهلية لا مشاكل لها مع النظام وكانت ممثلة في النظام ويقوم النظام عليها أصلاً. وينقلنا التناقض بين الفردية وبين الجماعية من السياسي كحوار وطرد للحرب خارج المدينة/الدولة، إلى الأنثروبولوجي لتبدأ ممارسة السياسة، كأنثروبولوجيا، أو كحرب وسجال و”تكاون” أهليّ.

نعم كان لكل جماعة مُتخيَّلة تمثيل في النظام؛ جماعة السنة وجماعة العلويين وجماعة الأكراد وجماعة الإسماعيلية وجماعة الدروز وجماعة المسيحية وجماعة حوران وجماعة إدلب وجماعة حلب وجماعة الدير… تمثيل في الحكومة والبرلمان والحزب القائد والنقابات والمنظمات الشعبية وغيرها.

الجماعة المُتخيَّلة هي جماعات تتخيل الرابط بين أعضائها لا أفرادها، تخيَّلاً بدون واقع مقابل لهذا التخيَّل. والمنافس على مستوى الهوية الأهلية والمعنى يتحول إلى عدو تجب محاربته، كما في رابط القرابة تماماً. والانتماء إلى جماعة مُتخيّلة يبقى هو القيمة التي تحظى بأكبر قدر من الشرعية في حياتنا السياسية. وهذا يؤكد أهمية دور الدين ونظام القرابة والطائفة في إنجاز مهام الثورة السورية وفي هزيمتها معاً.

إن عملية التفريد والتجميع التي كان يقوم بها النظام، ومن ثم تقوم بها الجماعات المُتخيَّلة سلبت من الفرد مشكلته وأسلوب حلها، ومنحت للجماعات المُتخيَّلة أملاً في تحصيل تمثيل أكبر في النظام أو مشاركةً أو أملاً في الإدارة الذاتية. إن تفريد الأفراد بقصد عزلهم عن خياراتهم الحرة، ومن ثم تجميعهم في أسر وعشائر وطوائف، حوّل الأفراد إلى أعضاء في جماعة مُتخيَّلة، كما حوّل الجماعات المُتخيَّلة إلى فاعل أساسي في سيرورة الثورة السورية.

إن ثورتنا ثورة غير نقية وبحاجة لعبارات تفيد العلم، ولحلّ التناقض بين الفرد وبين الجماعة المُتخيّلة وتحويل دور الدين والطوائف من هزيمة الثورة إلى نجاح مهامها لمقاربة الواقع في الأهداف والأساليب.

*كاتب سوري