تتجاهل الأمم المتحدة القرارات الأممية ذات القوة القانونية المتعلقة بحل الصراع في سوريا، والتي زاد عددها على 17 قراراً وبيان من جنيف1 عام 2012، وحتى القرار 2401 لعام 2018، في حين تتمسك بتنفيذ بيان مؤتمر “سوتشي” 30 كانون الثاني/ يناير 2018، الذي عقدته موسكو بقوة الحل العسكري الذي تقوده في سوريا، إلى جانب كل من إيران وتركيا، في ظل ما يسمى اتفاقات آستانة، حيث فرضت هذه الدول على كيانات المعارضة ،التي تخدم أجنداتها، المشاركة إلى جانب النظام بإنتاج ما سمي بيان سوتشي، ليتم لاحقاً تعويمه من المعارضة التي رفضته علناً وقبلته ضمنياً، ومن الأمم المتحدة، التي قامت بدور مراقب غائب في غرفة خلفية لقاعة المؤتمر.

 وفي الوقت الذي لم يبذل المبعوث الدولي ستيفان دي مستورا أي جهد لتنفيذ القرارات الأممية التي تحدد آلية ومراحل الحل السياسي في سوريا، ومنها قرار تشكيل اللجنة الدستورية، الذي لا يعود فقط إلى بيان سوتشي، كما يحاول دي مستورا تمرير الأمر، بل هو ضمن ما جاء في بيان جنيف 1، الذي انقلبت عليه موسكو وإيران، وضمناً تركيا والأمم المتحدة، ولعل أوضح صيغة للجنة الدستورية كانت في قرار الجمعية العامة 262/67 الصادر في 15 أيار/ مايو 2013، الذي أكد أن إعادة النظر في الدستور على أساس حوار وطني يشارك فيه الجميع، وإجراء انتخابات حرة نزيهة متعددة الأحزاب في إطار هذا “النظام الدستوري الجديد”، لكن هذا النص ربط كل ذلك بخطوات استباقية تمثل الخطوات اللازمة والواضحة لعملية انتقالية، وفق جدول زمني محدد، ويؤدي إلى إنشاء هيئة حكم انتقالية تقوم على توافق الآراء، توكل إليها كامل السلطات التنفيذية، وتحول إليها جميع مهام الرئاسة والحكومة. 

 أي إن اللجنة الدستورية تستند في حقيقة الأمر على قوة مرجعية أممية، بدءاً من عام 2012 وصولاً إلى القرار 2254، وكانت صريحة وواضحة في قرار الجمعية العامة 267/62 لعام 2013 الذي استخدم تعبير “النظام الدستوري الجديد” أي خطوة متطورة عن بيان جنيف الذي دعا إلى إعادة النظر فقط في الدستور، ولكن بناء النظام الدستوري اعتمدته القرارات الأممية وفق أساسيات الحل السياسي الشامل، الذي يهيئ جواً من الاستقرار والأمان للسوريين، وليس كما هو الحال في الحل العسكري الروسي، الذي يفرض واقع المدن المدمرة، وآلاف الضحايا والجرحى، والملايين من المواطنين المهجرين داخل وخارج سوريا، وبالتوافق مع حليفيه إيران وتركيا، وبرخصة أميركية إسرائيلية، وبصمت أممي يهبط إلى مستوى الشراكة في جرائم الحرب المرتكبة بحق السوريين، كما حدث في كل المدن السورية، وآخرها في الغوطتين والقلمون وأمس درعا مهد الثورة السورية، وفي القريب إدلب ومناطق درع الفرات.

 ما يجعلنا نتساءل: لماذا يصر دي مستورا على تجاهل تضحيات السوريين التي أجبرت المجتمع الدولي على استصدار قراراته، رغم محاباة كثير من الدول ضمنياً للنظام السوري وداعميه؟ 

 إن تهرّب المبعوث الدولي من تنفيذ القرارات الأممية إلى الانصياع إلى الرغبة الروسية، يمثل التفسير الحقيقي لاستمرار الصراع في سوريا وعليها، إذ تم تعطيل الحل لمصلحة إنهاك قدرات الأطراف المحلية المتصارعة، سواء من النظام أو من الجهات المعارضة، او المحسوبة على المعارضة، وكذلك استنفاد فرص الدول المتصارعة على سوريا من خارج دائرة “الكبار”، وإلزامها التموضع خلف أحد المحورين الأساسيين، روسيا والولايات المتحدة الأميركية، وهو ما فرض على موسكو ابتداع حلف مسار “آستانة” لإعلان تحالفاتها مع كل من إيران وتركيا في وجه التحالف الأميركي الغربي والعربي.

 وفي الأثناء لم تتوقف روسيا عن التنفيذ غير المباشر للرغبات الأميركية، كمناطق خفض التصعيد التي هي تطوير روسي لمقترح أميركي عن المناطق الآمنة، وكذلك لم تأل جهداً في فتح طرق التفاوض مع الولايات المتحدة عبر الوسيط الإسرائيلي لضمان مصالح الأطراف الثلاثة، التي تتضمنها التفاهمات البينية الأميركية- الروسية، متضمنة المصلحة الإسرائيلية في استتباب أمن حدودها، وإنهاء ملف الصراع العربي معها، ضمن ما سمي مبادرة السلام، أو “صفقة القرن”، ولعبت هذه التفاهمات على تقاطعاتها مع المصلحة العربية في تحجيم الطموح الإيراني، وإبعاد خطره عنهم وتسويره داخل حدود إيران.

 ويقع مشروع اللجنة الدستورية ضمن مسار التسوية الروسية- الأميركية، مقابل ضمان خضوع النظام لجملة التفاهمات حول الجولان، والحدود مع كل من الأردن وإسرائيل، تاركة الولايات المتحدة الأميركية بذلك دورها “كضامنة” لتنفيذ قرارات الأمم المتحدة، المتعلقة بحل الصراع السوري لروسيا، التي تصدت لعرقلة كل هذه القرارات بالتعاون مع الأمم المتحدة، وهذه الأخيرة التي لم تحرك ساكناً لتنفيذ إجراءات بناء الثقة في القرار 2254، التي تضمن لاحقاً الانتقال السياسي، وصياغة دستور سوري بإرادة السوريين كشعب، وليس إرادة السوريين الممثلين لإرادات الدول المتصارعة على سوريا من روسيا وإيران وتركيا.

 لم تعد معركة الانتقال السياسي في سوريا بين محورين دوليين كما كانت الاصطفافات سابقاً هي القضية الأساسية، بل هي اليوم انتقلت لتكون معركة “الإصلاحات الدستورية” التي أشعلت حرباً داخل أروقة كيانات المعارضة، في محاولة طرد بعضها بعضاً لمصلحة الجهة التي تمثلها تلك الكيانات، لصياغة الدستور وفق رغبات مشغليهم، وهذا ما جعل من حرب تراشق التصريحات تتصاعد بين معارضة آستانة ذات الهوية التركية، وبين الهيئة العليا للتفاوض متعددة الهويات، حرب لا ناقة لسوريا الدولة فيها ولا جمل، فهي ليست على المضمون الوطني للجنة، وإنما على أحقية الجهة التي ستشكل اللجنة “غير الوطنية” لصياغة دستور سوريا، أهي تركية، أم متعددة الجنسيات؟ وبذلك تصبح كيانات المعارضة مختصرة القضية السورية، من انتقال سياسي، إلى انكسار وطني، وارتهان دستوري، يمثل مصادرة حق السوريين في صياغة دستورهم واختيار نظامهم السياسي مستقبلاً.

*كاتبة سورية 

 

 

اترك رد

avatar