الصفحة الرئيسية تحليل الخبراء الثابت والمتحول في بعض أحوال اليسار السوري

الثابت والمتحول في بعض أحوال اليسار السوري

مشاركة

بتاريخ 27 تشرين الثاني/ أكتوبر 2002، عقد الحزب الشيوعي السوري ندوة حوارية في مدينة الرقة السورية برئاسة وحضور السيد يوسف فيصل، الأمين العام للحزب الشيوعي السوري بأحد فصيلَيه المنضويَين في إطار ما يعرف بــ “الجبهة الوطنية التقدمية” المتحالفة مع النظام، وكان محور الجلسة حواراً حول “دور الحزب في تحصين الجبهة الداخلية”.

يومها، قدّم المعارض والناشط السياسي المعروف فائق المير، القيادي في “حزب الشعب الديمقراطي السوري” والمعتقل حالياً في سجون النظام منذ حوالي خمس سنوات، قدّم مداخلة تناول فيها دور الحزب الشيوعي الرسمي وتحالفاته مع السلطة، وأورد “العميم” معلومة مفادها أنه وفي إحدى اجتماعات “الجبهة الوطنية التقدمية”، أبدى دانيال نعمة وهو عضو في الحزب “جناح يوسف الفيصل” رغبته في خروج المعتقلين العشرة من رموز “ربيع دمشق” والذين زجت بهم السلطة في السجون على خلفية نشاط سياسي وثقافي بدأ في سوريا بعد توريث السلطة إلى بشار الأسد. لم يُبدِ حزب البعث موقفاً من هذا الموضوع خلال ذلك الاجتماع، بينما رفضت وصال فرحة بكداش هذا الأمر رفضاً قاطعاً، واتهمت هؤلاء العشرة بــ “الخيانة الوطنية”. والمعروف أن تهمة كهذه قد تصل عقوبتها في عرف الأنظمة الشمولية حد الإعدام. ويعلق المير بالقول: “نشكر الله ألف مرة لعدم خضوع السلطة الحاكمة إلى سلطة السيدة وصال وحزبها”.

كان هذا السجال يجري في أجواء مختلفة عن أجواء اليوم، وفي ظروف سياسية وواقع بعيد كل البعد عن حال سوريا بعد اندلاع الثورة السورية فيها، وربما لا يفيد استذكاره إلا في كونه أرشيفاً ودلالة على أحوال يسار سوري متحالف مع السلطة ويزاود عليها في طريقة تعاطيها القمعية مع الداخل السوري ومع أي معارضة. لكن ثمة ثابتان ما يزالان على حالهما وسيبقيان، وكلاهما معطوف على الآخر. الثابت الأول هو طبيعة النظام التي لم تتغير، والتي اتسع نطاق إجرامها وتعاطيها مع المعارضين وحواضنهم الشعبية وتنوعت أساليب الفتك بهم بعد عام 2011. في عام 2002 لم يكن ثمة “داعٍ” لاستعمال الدبابات والبراميل وغاز السارين، بل كانت الاعتقالات “تكفي” لإرهاب البشر، بعكس ما هي الأمور عليه اليوم. أما الثابت الثاني فهو “البكداشيون”، الشيوعيون من جناح خالد بكداش بشكل خاص والشيوعيون السوريون المتحالفون مع تنظيم الأسد اليوم بشكل عام. ويجدر التذكير هنا بأنه عندما تم اعتقال كوارد “الحزب الشيوعي السوري- المكتب السياسي” في الثمانينات، كان للسفير السوفياتي في بيروت طلب واحد وهو الإبقاء على حياة رياض الترك، ولا مانع لدى “سعادة السفير” بالطبع من سحق الباقيين وسحق التنظيم بأكمله. وبطبيعة الحال، لم يكن خالد بكداش ليعلن اعتراضه ورفضه طلباً لرفاقه السوفيات على الرغم من أننا نرجح امتعاضه الضمني من الإبقاء على حياة رياض الترك، كما امتعضت زوجته من طلب دانيال نعمة الإفراج عن معتقلي “ربيع دمشق” العشرة، وكما يمتعض عمار بكداش على الأغلب، وهو نجل وصال وخالد، وشيوعيون كثر غيره اليوم في الحزب الشيوعي السوري من أن المعركة مع الإمبريالية و”عملائها الداخليين” بالنسبة للحزب، أي السوريين المنتفضين منذ عام 2011، ليست بالشكل المطلوب لتحصين الوضع الداخلي، أسدياً.

فائق المير في السجن اليوم، دون أنباء عنه. سيكون شيوعيون سوريون كثيرون مغتبطين لذلك بالطبع. تبقى مواقف تاريخية للبكداشيين والشيوعيين السوريين المتحالفين مع السلطة للتاريخ ولقادم الأيام التي لا يعرف أحد ما سيكون عليه شكلها ولا شكل المستقبل الذي يخبئه هذا العالم للسوريين. وفي إطار الحديث عن المواقف والاصطفافات الثابتة التي لم تتغير بعد كل ما حصل ويحصل وسيحصل في سوريا، لا بد من المرور بالمتحول والمتغير، عبر انشقاق الكثيرين من كوادر التنظيمات اليسارية الموالية للحكم العائلي في سوريا وانضمامهم إلى صفوف الثورة، كما تحوُّل معارضون تاريخيون للنظام إلى موالين مستجدّين له، سواء أعلن هؤلاء الأخيرون موالاتهم له على رؤوس الأشهاد وفي وسائل الإعلام، أم مارسوا التقية والتزموا بالمعارضة الكلامية على الملأ وبالسلوك الموالي للنظام في العمق وبالسرّ. يمكن عدّ هؤلاء حالات فردية مهما بلغ عددهم، سواء انتقلوا إلى صفوف المعارضة أو منها، قياساً بثبات خط تنظيماتهم السياسية واستمرارها على نهجها المؤيد للنظام أو المعارض له. لكنها ليس حالات لا يلزم التفكير بها وبمعناها وخلفياتها. ثمة يسار يقف إلى جانب النظام، ويسار سوري يقف مع الثورة، ويسار مع الثورة ويصطف مع الإسلاميين ويتحالف معهم ويبرر جرائمهم، ويسار صامت، ويسار هو أقرب إلى “اليمين” في طروحاته، و…

هذا يحيل إلى سؤال “المفاجأة” و”الاستغراب” من الاصطفافات السياسية الجديدة بعد ثورة عام 2011، والاستغراب من موقف هذا الفرد وذاك، أو هؤلاء وأولئك قياساً إلى مواقف سابقة لهم. فاليسار في عرف البعض يفترض أن يكون معارضاً للأسد بالبداهة والضرورة، كما أنه بالنسبة إلى البعض الآخر يعني الوقوف في خانة تنظيم الأسد، وغني عن القول إنّ الموقف هذا لا يعدم ولا يفتقد العدّة النظرية الساذجة التي يتسلح بها لدعم موقفه، بدءاً من “مقارعة الإمبريالية” صفاً واحداً مع بشار الأسد على الصعيد الخارجي، وصولاً إلى المسألة الزراعية والفلاحية على الصعيد الداخلي باعتبار النظام بالنسبة إلى هؤلاء نظاماً “اشتراكياً”. والحقيقة، أن سوريا اليوم هي بلد عمومي ومشاع للكثير من الدول وقواها العسكرية على سطح هذا الكوكب، وهي بلد مؤمَّم لا مجال للخصخصة فيه أمام تلك القوى. بهذا المعنى، يمكن اعتبار البكداشيين و”ماركسيي النظام” على حق.

النظر إلى اليسار كهوية تحمل بالفطرة أفكاراً معارضة أو مؤيدة لنظام إبادي كالنظام السوري لا يخلو من استسهال وقفز عن الوقائع. كما أن تناول اليسار باعتبار أن ثمة محمول فكري يوجه بوصلته السياسية في زمن الصراعات السياسية والاجتماعية “والطائفية” الكبرى يحتاج إلى إعادة نظر، كما أنه يتوجب إعادة النظر بثنائية “يسار، يمين” في عالم اليوم بعد كل التغيرات التي حصلت في العالم، وسوريا والصراع فيها جزء ومفصل أساسي لفهم هذا العالم اليوم. لا تصلح الثنائيات الساذجة وتصنيف القوى السياسية بين يمين ويسار لفهم وتحليل صراع معقد ومركّب كالصراع السوري، وبين اليمين واليسار تقيم تيارات سياسية وقوى دولية ليس من السهل نسبها إلى أحد هذين التصنيفين. وعليه، وكما أن المصالح، بطبيعة الحال، هي الموجه للسياسة والتحالفات والاصطفافات الدولية بشكل خاص وتحولاتها في هذا العالم، فالأمر ذاته ينطبق على القوى السياسية والأحزاب والحركات والتجمعات والعاملين في الشأن العام، خارج تصنيف إيديولوجي أو هوية فكرية قد تصلح لتكون برنامج عمل في فترات السلم وصمت البنادق وليس في فترات كارثية كالتي تمر بها سوريا منذ سنوات. والمصلحة تلك تعني واحداً من أمرين: إما المصلحة في التغيير، أو المصلحة في بقاء النظام الحاكم واستمراره بما يعنيه ذلك البقاء ويحمله من تبعات ستكون أكثر كارثية على السوريين من كل ما مرّ بهم في سنوات الثورة وما قبلها، وبما يعنيه أيضاً لليسار المتحالف مع الأسد من استمرار شبكة مصالح وزبائنية واستفادة وإتاحة الفرص للصعود إلى مراتب سياسية لا يتيحها لهذا اليسار نظام يحمل أدنى درجة من “العدالة”، كي لا نقول من “الديمقراطية”.

ما ينطبق على يساريين سوريين من حيث اصطفافاتهم الثابتة أو المتحولة ينطبق أيضاً على نخب تعمل في الحقل الثقافي بكافة مجالاته، سينما ومسرح ودراما وكتابة وموسيقى وغير ذلك.. وكأن المثقف يفترض به أن ينحاز “جينياً” إلى فكرة التغيير، بعيداً أيضاً عن مصالحه في تأبيد أنظمة إجرامية وإبادية وما تتيحه له تلك الأنظمة من سلطة ثقافية وتنمّر وشبكة علاقات واستفادة لا يتيحها له نظام مختلف عن نظام الإبادة ذاك. هكذا، قضى مثقفون كثر نَحْبهم بنيران النظام وفي سجونه من دون كلمة واحدة بحقهم من “زملاء” لهم، إن لم نقل بتواطؤ أو تشفي من قبل كثيرين من “مثقفي النظام” ووقوفهم مع القاتل ضد هؤلاء الضحايا، بما يذكّر بالمثال البكداشي للسيدة وصال فرحة بكداش تجاه معتقلي “ربيع دمشق”.

وقصارى القول، إن سوريا اليوم وبعد استعادة النظام السيطرة على معظمها، وربما على كلّها، إن استمر الحال على ما هو عليه اليوم، ستكون أرضاً بوراً، قاحلة، من دون جزء كبير من شعبها، وهو ما قد يتيح لمثقفي السلطة إقامة حفلات وأمسيات وندوات ثقافية لهم دون منغصات من زملاء لهم هُجروا أو قتلوا أو ما زالوا داخل البلد ولا يملكون من أمرهم شيئاً سوى الصمت والخوف، كما أنها ستكون أرضاً صالحة للزراعة والاستثمار، وهو ما قد يعني نموذجاً جديداً من الكولخوزات والسوفخوزات التي يَسعد بها الشيوعيون البكداشيون، وإن تكن هذه المشاريع برعاية ووصاية من “عصائب أهل الحق” وقوات “أبو الفضل العباس” و”حزب الله”، بعد “انكفاء المشروع الإمبريالي” على “عتبة الصمود والتصدي” الأسدييَن، بانتظار دوران عجلة التاريخ مجدداً رغم ملامح توقفها اليوم، كما دارت عام 2011 دون سابق إنذار..

*كاتب سوري