الأقلية

قبل الدخول في صلب الموضوع المعنون، سأبدأ بتفصيل حول كلمتي الأكثرية والأقلية بوصفهما من أكثر الكلمات مراوغة وقابلية للعب وتغيير الدلالة، حيث يمكننا مبدئياً عدّهما كلمتين فارغتين ومخادعتين، فهما فارغتان من حيث يمكننا تعبئة وتحميل كل منهما بمعان لا متناهية في الكم والنوع، فنميّز من حيث النوع: قليل من البشر أو الحيوانات أو النباتات أو الأرقام أو الأفكار مقابل الكثير، ونقول من حيث الكم: كل قليل هو كثير بالنسبة لما هو أقل منه إلى ما لا نهاية، فلا معنى للقليل والكثير كمياً إلا بالقياس والمقارنة وحصر النوع.

وهما مخادعتان ثانياً: فأقلية دينية على سبيل المثال هي أكثرية بالنسبة لأقلية داخلها غير مؤمنة أو لا دينية، كما أن أكثرية دينية، قد تصبح في حال معينة أقلية سياسية عندما يتعلق الأمر بالسلطة والسيطرة. السنّة في سوريا مثلاً هم أكثرية عددية ودينية، ولكنهم أقلية سياسية، بينما العلويون هم أقلية دينية لكنهم أكثرية سياسية من حيث مواقع السلطة والسيطرة واتخاذ القرار، وفي العلويين أنفسهم أقلية حاكمة وأكثرية لا علاقة لها بالحكم، بل تُستخدَم وقوداً لبقاء تلك الأقلية القليلة في زمام الحكم. ومن هنا يبرز الخداع في فكرتي الأقلية والأكثرية عندما يتم اللعب والخلط المقصود سياسياً في المعنى وعندما يقع التبادل والتبديل في النوع والكم.

الآن.. يعيش اللاجئون السوريين ضمن البلاد التي لجأوا إليها بوصفهم أقليّات، فهم أقليّة بالقياس إلى المجتمع الذي اختاروه أو فُرض عليهم العيش فيه من جهة، وهم أقلية بالقياس إلى أكثرية السوريين الذين ما زالوا قيد البقاء داخل سوريا. ومع الهزيمة التي تلقتها الثورة السورية على الأرض، وبهتان وتمزّق روايتها عن نفسها في العالم، ومع صعود و”انتصار” رواية النظام عن الحدث السوري الكبير، مدعوماً من رواية الثورة المضادة على المستوى الرسمي العربي الذي تقوده مصر والسعودية والإمارات، بالإضافة لإسرائيل طبعاً، ومع عودة المجتمع السوري داخل مناطق سيطرة النظام للغرق في الصمت والخوف وقبول الواقع وانحباس الرأي المضاد لرواية النظام، ومع ندرة بروز فاعليات المجتمع المدني والأهلي في مناطق سيطرة المعارضة التي يحتلها الإسلاميون، ومع استقلال فاعلية الأكراد ضمن مشروعهم الخاص تحت قيادة صالح مسلم وحزبه وميليشياته… مع كل تلك الوقائع، ونتيجة لها، تبدو مهمة الأقليات السورية خارج سوريا كبيرة جداً على أكثر من مستوى:

أولاً، أنتجت الثورة السياسية ثورة ثقافية في المجتمع السوري أخرجت المكبوت الهائل والمديد للتنوع السوري من السرية والخوف والصمت إلى العلن والإعلان والكلام المباح، وهذا بدوره أنتج صعوداً هائلاً وغير مسبوق في التاريخ السوري لكتّاب ومثقفين وناشطين وفنانين ومحامين وإعلاميين وجرائد ومجلات ومواقع إلكترونية ومحطّات تلفزيون وراديو ومحاضرات وندوات وورشات عمل وحركات نسوية وحتى أحزاب، وقد احتلت الجزء الأكبر من كل ما سبق أجيال شابة تفاعلت أو شاركت بالثورة بطرق مختلفة ثم وجدت نفسها، رويداً رويداً، خارج الحراك على الأرض ثم خارج البلد. ومن المفروغ منه أن الجزء الأكبر من تلك الأجيال بجديدها وقديمها يعيش اليوم في بلاد اللجوء، وعليهم ما زالت تقع مسؤولية الاستمرار في إظهار الحقائق وكشف جرائم النظام ومواجهة روايته في الخارج كما في الداخل مستفيدين من وسائل التواصل الحديثة، وعليهم تقع مسؤولية المطالبة دون كلل أو يأس بالعدالة والحرية والديمقراطية والإفراج عن المعتقلين ومحاسبة المجرمين وإيصال رسالة السوريين إلى العالم والتاريخ… وذلك كي لا تتحول رواية الحدث السوري الكبير، في سوريا والعالم، إلى نسخة جديدة عن رواية الثمانينيات، واختصار المأساة السورية بإسلاميين وإرهابيين ولاجئين وفارين من عدالة النظام الغرّاء، وكي لا تتحول قضية السوريين إلى قضية إنسانية بائسة همّها الأساسي هو حق العودة إلى “الأراضي المحتلة”.

ثانياً، على الرغم من تنوع أديان وطوائف واثنيات ملايين السوريين في الخارج، إلا أنهم يمثّلون معاً أقلية واحدة موزعة في المجتمعات المضيفة، فالأوروبيون أو الأتراك، أو حتى الأردنيون واللبنانيون، لا ينظرون إلى السوري؛ غالباً وفي العموم، إلا بوصفه سورياً، أي كمشكلة اجتماعية سياسية اقتصادية، وهذا عادة يثير نوعين من المشاعر، إما التعاطف السيء والمُسيء بنتائجه لا بذاته (مع أن مشاعر الشفقة كثيراً ما تحمل بذور الاحتقار وتقليل قيمة المُشفَق عليه في المحصلة)، أو الخوف والتهديد، السيء بذاته وبنتائجه، وهذا عادة يشمل جميع السوريين بمن فيهم المهاجرين قبل الثورة.

هذا الوضع، بعمومه لا بتفاصيله، يدفع أكثرية السوريين في المجتمعات المضيفة إلى التقوقع والتكور والتقيّة وانعدام الثقة، وهي أعراض عادة ما تصيب جميع الأقليات في العالم، إضافة لمشاعر الاضطهاد والظلم والمظلومية الناتجة عن صعوبات العيش والهجرة والاندماج وفقدان الوطن، كما أن صورة الاضطهاد تلك كثيراً ما تخفي خلفها مشاعر العظمة والأصالة التي تتجلى عادة بتشبّث وتثبيت المهاجرين على عاداتهم وتقاليدهم وثقافة أطفالهم منعاً لفقدان الهوية وصورها المتخيلة.

هذا الحال ليس سيئاً بالمطلق، فالصعوبات التي يواجهها السوريون في الخارج تصنعهم وتعيد تشكيلهم، لكن اكتفاءهم بأسوأ مظاهر الروح الأقلية، أي التكوّر والانغلاق، سيقف حاجزاً ليس فقط أمام اندماجهم وفاعليتهم في المجتمعات المضيفة، ولا في دفاعهم عن قضيتهم ومستقبل أبنائهم وقضية الشعب السوري عامة في الحرية والديمقراطية ضمن تلك المجتمعات فحسب، بل في عدم ثقتهم بذاتهم ولا بقضيتهم التي هُجٍّروا لأجلها، وميلهم للعودة لحضن النظام وبشروطه حتى لو كانوا ممن تدمرت بيوتهم وتم تهجيرهم بقوة السلاح، وبتنا نسمع كثيراً عن تكاثر هؤلاء في بلاد اللجوء ممن صار يقودهم اليأس والإحباط من تغيير النظام، والإحساس العارم بفشل الثورة، وسخف ممثليها، ورغبة الدول الكبرى ببقاء الأسد، بالإضافة لصعوبات الحياة الجديدة.. يقودهم كل ذلك إلى البحث عن سبل العودة، أو تأمين عودة عائلاتهم، والدفاع عن رواية النظام ذاتها ضدهم وضد الثورة، وغالباً إعادة انتخابه في السفارات؛ في حال تم ذلك، بحثاً عن سُبل إرضائه ورشوته، وخوفاً من عرقلة مصالحهم في الخارج والداخل وما بينهما.

ثالثاً: بعد تحول الثورة إلى حرب، وبعد صعود داعش وعملياتها الإرهابية في العالم، تحوّل السوري في بلاد اللجوء من بطل مقاوم للاستبداد إلى متهم نظرياً بالإرهاب حتى يُثبت براءته، ثم بعد تصاعد مشكلات اللجوء وتململ المجتمعات المضيفة من طول أمد الحرب وزيادة أعداد المهاجرين الكبيرة، بدأت تحاصر السوريين اللاجئين مشاعر النبذ المضاعف، حيث تنبذهم البلاد التي لجأوا منها، سوريا، وتنبذهم البلدان التي لجأوا إليها، بل تحول النبذ أحياناً في بلاد اللجوء إلى حركات منظمة وموجات كراهية؛ وهو ما يذكرنا بحركة “الكلو كوكس كلان Klo Koks Klan” وشبيهاتها في أمريكا وأوروبا أثناء الهجرات اليهودية هرباً من النازية. لكن على الرغم من هذا الوضع، بل وبسببه، لابد للسوريين من محاربة النبذ، الذي قد يصل لحدود الكراهية، بإيجابية وفعّالية لكي يخدموا أنفسهم وقضيتهم، بمعنى عدم تحويل النبذ المضاعف القادم من الخارج، إلى نبذ ذاتي عبر لوم أنفسهم واستبطان الأفكار السائدة عنهم، وتحويل أو إسقاط الكراهية بتوجيهها نحو مجتمعهم الأقلوي ذاته بوصفهم لاجئين. ولا معنى للإيجابية والفعالية دون أمرين: الأول هو ترسيخ اندماجهم ومصارعة العوائق اللغوية والثقافية والنفسية التي تحول دون فعلهم وعملهم وفعاليتهم كأفراد وكبشر ذوي معنى وقيمة، والثاني، هو امتلاك قضيتهم في الحرية والعدالة والمساواة كقضية تعني البشرية جمعاء وتتمثل فيهم كسوريين، وبالتالي شرح قضيتهم وطرحها في كل المناسبات وبكل الوسائل الممكنة، والانفتاح على المجتمعات المضيفة دون خوف ودون شعور بالنقص أو الذنب أو التردد.

دون ذلك لن يبقى لهم سوى تلقي الأثر السلبي للوضع الأقلوي في الانغلاق على الذات وعدم التأثير في المصير، وتجاهل الأساس التكويني للفكر الأقلوي ضمن أية أكثرية، القائم على روح التمرد والرفض والخروج عن عصا الطاعة التي ينتظرها الجميع من السوريين داخل سوريا وخارجها.

*كاتب سوري

اترك رد

avatar