ثمة إجحاف كبير في مقاربة الثورات العربية، التي اندلعت قبل سنوات، مع غيرها من الثورات التي عرفها العالم، لا سيما الثورات الأوروبية، ومن ناحية الظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية. وبالنسبة لخصوصية ثوراتنا، فهذه الأولى من نوعها في تاريخ هذه المنطقة، إذ لم يكن ثمة انتفاضات أو حراكات أو حتى هبّات ممهّدة لها، وهي المرّة الأولى التي تظهر فيها الشعوب على مسرح التاريخ، ما يزيد الأمور صعوبة وتعقيداً، وهذا مصدر المفاجأة والإدهاش فيها. فوق كل ذلك فإن هذه الثورات جاءت من دون الاستناد إلى برامج معدّة أو نظريات معروفة، ورغم الحرمان التاريخي من السياسة ومصادرة الحريات والتحكّم المطلق في البلاد والعباد، أي بخلاف كل التجارب المعروفة. 

هذا يعني أن الثورات العربية لن تنهي المهمات المتوخّاة منها على أكمل وجه أو بالشكل المتخيّل أو المأمول، وأن العملية الثورية التي انفتحت في بعض بلدان هذه المنطقة، وبسبب من خصوصيّتها، قد تحتاج إلى مسار تاريخي طويل ومضنٍ ومعقد، وأنها قد تتعرّض إلى مشكلات وتراجعات ومقاومات، ليس من قبل قوى النظام القديم فحسب، وإنما بسبب التجاذبات، أو التصدعات، الجديدة، في مجتمعاتنا، والتي تطاول بنى الدولة والمجتمع والهويات.

لذا قد يجدر لفت الانتباه هنا إلى حقيقة مفادها أن الثورات ليست بمثابة عملية انقلابية، سطحية، وجزئية، وسريعة، بحسب ما تعلّمه تجربة الثورات التي جرت عبر قرون في عديد من البلدان، ولا سيما تجربة الثورات في البلدان الأوروبية وفي المستعمرة الأميركية (السابقة)، التي استمرت كل واحدة منها عقوداً، والتي صاحبها إسقاط سلطات وإقامة أخرى، وتخلّلها قمع ومحاكم تفتيش وصراعات وحروب أهلية وخارجية. 

فهذه ألمانيا، مثلاً، احتاجت بعد ثورة الإصلاح الديني، التي اندلعت في القرن السادس عشر، إلى ثورة ثانية في العام 1848، بغرض التخلّص من الحكم الملكي، بعد التخلص من الاستبداد الكنسي، وإقامة الدولة القومية، وتعزيز الحريات السياسية. مع ذلك فإن هذه الثورة لم يكتب لها النجاح، بسبب تدخّل الدول المجاورة وعدم التوافق الداخلي، مما أدى إلى عودة القوى الأرستقراطية إلى الحكم، وهو الوضع الذي مهّد لمجيء بسمارك وإقامة الدولة القومية الألمانية. أيضاً، ففي الفترة بين 1918 و1933 أقيمت جمهورية “فايمار”، بعد ثورة أطاحت بالحكم القيصري، لكن هذه الحقبة انتهت بكارثة على ألمانيا وعلى أوروبا كلها، مع صعود هتلر وتولّي الاجتماعيين القوميين (النازيين) السلطة، وهي حقبة انتهت بهزيمة الفاشيّة وانقسام ألمانيا إلى دولتين، إلى حين تحقّق انهيار جدار برلين (1989) وتحقيق حلم ألمانيا الواحدة التي باتت بمثابة قاطرة للوحدة الأوروبية السياسية والاقتصادية.

أما في إنجلترا، فقد احتسبت الحرب الأهلية التي استمرت سبعة أعوام (1642-1649) كثورة، إذ نجم عنها إعدام الملك شارل الأول والتحوّل نحو الجمهورية، لكن هذا الأمر لم ينجح مع كرومويل، الذي يفترض أنه ثار ضد استبداد ملك إنجلترا، والذي حاول أن يجعل من نفسه دكتاتوراً جديداً، فألغى البرلمان، وقسّم البلاد بين جنرالات الجيش، مما يذكّر بما جرى في مصر، على سبيل المثال. وعلى أية حال فقد اختطت عملية الإصلاح والتغيير، فيما بعد، وجهة أخرى: دستورية وسلمية وتدريجية، لاسيما أن السلطة الملكية عاضدت ثورة الإصلاح الديني، بسبب مصلحتها في وضع حدّ لنفوذ السلطة الروحية، وفيما بعد استطاعت البرجوازية الإنجليزية تحقيق التحولات المطلوبة وتحويل الملكية المطلقة إلى ملكية دستورية برلمانية منذ أواخر القرن الثامن عشر، ومع إنشاء المملكة المتحدة.

وبالنسبة للثورة الأميركية، ومع أنها كانت موجهة لتحقيق الاستقلال عن “التاج البريطاني” (وهو ما حصل في 1783) إلا أنها كانت أكبر وأخطر من ذلك بكثير، إذ نتج عنها إقامة الولايات المتحدة الأميركية، كدولة ديمقراطية على أساس فدرالي وعلى قاعدة فصل السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية (كما جاء في دستور 1787). لكن الولايات المتحدة هذه احتاجت بدورها إلى حرب أهلية (بين الشمال والجنوب) لإلغاء نظام الرقّ، وهي حرب استمرت عدة أعوام (1860-1865)، وتكلّفت مقتل 620 ألف جندي ومدني، نصفهم هلكوا بسبب ما جرّته الأحداث من خراب ومجاعات. كما احتاجت إلى ثورة أخرى تمثلت هذه المرّة بثورة مواطنيها السود ضد التمييز العنصري (1954 و1968) من أجل الحقوق المدنية والمساواة، وهي الثورة السلمية التي قادها بشجاعة مارتن لوثر كينغ، مدعوما بعشرات الملايين من الأميركيين السود.

وتعتبر الثورة الفرنسية، وشعاراتها “الحرية والإخاء والمساواة”، والتي استمرت وقائعها عشرة أعوام (1789-1799) أيقونة الثورات الأوروبية، كون تأثيراتها عمّت القارة وشمل إشعاعها العالم. وقد ابتدأت هذه الثورة بإلغاء الملكية المطلقة، والامتيازات الإقطاعية للطبقة الأرستقراطية، والنفوذ الديني الكاثوليكي، وتوحيد السوق الوطنية، ووضعت أسس الديمقراطية السياسية وأعلنت حقوق الإنسان، وأقرّت الزواج المدني. لكن هذه الثورة شهدت اضطرابات شديدة، إذ عرفت ثلاثة أنواع من الحكم في سنوات معدودات، أولها الملكية الدستورية (حيث تم تقييد سلطة الملك)، وثانيها إقامة نظام جمهوري متشدّد بعد أن تم تنفيذ حكم الإعدام بالمقصلة بالملك لويس السادس عشر (1893)، وثالثها، سيطرة البرجوازية على الحكم، حيث استعانت بعدها بالضابط نابليون بونابرت الذي قام بدوره بتتويج نفسه إمبراطوراً فيما بعد. وعموماً، فقد احتاجت فرنسا إلى عديد من الثورات (1848 و1870) كي تنصّب نفسها كدولة ديمقراطية ليبرالية، فضلا عن العديد من الحروب التي خاضتها خارج أراضيها للدفاع عن ثورتها.

أما الثورة الاشتراكية في روسيا، فقد بدأت ممهّداتها في ثورة 1905 التي لم تلق النجاح بسبب قمعها من قبل السلطة القيصرية، وبسبب خلافات القوى المشتركة فيها. وقد لزم الروس بعدها 12 عاماً حتى تقوم ثورتها الاشتراكية، التي نجحت بسبب تحطم الجيش الروسي في الحرب العالمية الأولى، وبسبب تآكل الحكم القيصري. ومع كل ذلك فإن هذه الثورة تمخّضت عن ثلاث مراحل، أولاها، تمثّلت بنوع من ازدواجية السلطة بين الحكم القيصري وقوى الثورة. وثانيتها تمثلت بإسقاط الحكم القيصري نهائيا (1917)، في حين تمثلت المرحلة الثالثة بحرب أهلية استمرت زهاء خمسة أعوام، ونجم عنها مصرع مليوني مواطن، وبهذا المعنى فهي ثورة دموية عنيفة مثلها مثل الثورة الصينية.

وعلى صعيد مضامينها الثقافية والفكرية، فإن التجربة الثورية في الدول الأوروبية تختلف تماماً عن تجربتنا، كونها سليلة ثورات الإصلاح الديني وتحرير العقل، وقد سهّل ذلك الاكتشافات الجديدة في مجال العلوم والتكنولوجيا، وظهور المدن والثورة الصناعية ونمو الأسواق القومية وتصدر البرجوازية كطبقة في ذاتها ولذاتها، وهي أمور لم تحصل عندنا بعد. هكذا ففي ظل تلك المناخات والتطورات استطاعت العلمانية أن تفرض نفسها، في السياسة والثقافة والمجتمع، كمذهب يترتب عليه فصل السلطة الدينية عن السلطة المدنية، وعدم تسييس الدين أو تديين السياسة، وفق شعار: “الدين لله والوطن للجميع”، وهو أمر ما زال موضع أخذ وردّ في مجتمعاتنا، وفي محاولات صوغ الدساتير اللازمة لبلداننا. بعد ذلك، أي بعد العلمانية والعقلانية، عرفت أوروبا الثورات السياسية التي تتوخّى الاعتراف بالحريات الفردية وبالمجال الخاص للفرد، وهي التي تكثّفت في ما يعرف بالمذهب التحرّري (الليبرالي). ويترتّب على هذه المسألة في السياسة تعريف المواطن، على أساس مدني، لا ديني ولا إثني أو عشائري، مما يضمن الاندماج المجتمعي والمساواة أمام القانون ونشوء هوية وطنية جمعية. كما ينجم عن ذلك اعتبار الدولة واسطة عقد اجتماعي بين مواطنين أفراد احرار ومتساوين، لا بين جماعات متمايزة ومختلفة ومتنافسة، أو متنازعة. وعلى الصعيد الفردي، ينجم عن ذلك الاعتراف بالحريات الشخصية، بما فيها حرية الرأي والتعبير، والمشاركة السياسية، واحترام الخصوصية الفردية.

ضمن ذلك يمكن التمييز في التحقيب للأفكار الثقافية والثورات السياسية في أوروبا، حيث جاءت حركات الإصلاح الديني والنزعة العلمانية أولاً (في القرن السادس عشر)، ثم حقبة العقلانية، متلازمة مع الليبرالية، مع ديكارت وكانط وهيغل، ومع لوك وروسو وستيوارت مل (بين القرن السابع عشر والتاسع عشر)، وصولاً إلى حقبة الدولة الديمقراطية الليبرالية، التي بدأت ملامحها في الظهور منذ أواخر القرن التاسع عشر وعلى امتداد القرن العشرين. 

ولعل هذا التحقيب للثورات، ومضامينها الفكرية، يفسّر عدم وجود تعارض بين العلمانية والليبرالية، أو بين الليبرالية والديمقراطية، في التجربتين الأوروبية والأميركية، ذلك أن العلمانية جرى تضمينها في الليبرالية، في حين وجب تحقيق التلازم بين الليبرالية كنظرية في الحرية الفردية، وفي إعلاء شأن الإنسان واعتباره قيمة مطلقة، وبين الديمقراطية، كنظرية في السياسة وكطريقة حكم وإدارة للمجتمع والدولة. وبديهي أن ذلك يفسّر أن الديمقراطية عندنا تبدو ناقصة، أو غير ناضجة، أو مختلفاً عليها، والسبب يكمن في ضعف أو تشوّش مفاهيم الحرية والفردية فيها، على عكس وضعها في أوروبا. ويستنتج مما تقدم أن الحلّ يكمن في تحقيق التلازم بين الديمقراطية والليبرالية، وتأسيس المجتمعات على أساس المواطن باعتباره الوحدة الأساسية في المجتمع، لا الجماعات الدينية أو الإثنية، وإعلاء شأن الحريات الفردية في الدساتير، فهذا وحده ما يضمن تخليص مجتمعاتنا من واقع التسلّط والاستبداد والفساد، ومن سياسات الهويات المغلقة والمتناحرة والمتنازعة والمتمايزة، ومن شبهات تسلط أكثرية ما على أقلية ما.

القصد أن الثورات، لا سيما العنيفة، أو التي تواجه بعنف السلطات، ومقاومتها للتغيير، لها أثمانها الباهظة، وتداعياتها الخطيرة، وأن المسار الذي تفتحه لن يصل إلى غاياته إلا بطريقة تدرجية، فإذا كانت الثورات تسقط أنظمة في أيام أو أسابيع أو اشهر، فإنها بحاجة إلى عقود لتحقيق التغيرات الثورية في المجتمع والثقافة والعادات والهويات.

*كاتب سياسي فلسطيني

guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments