حدث حلب

كان ذلك في أواخر ما سمي بـ”ربيع دمشق”. حدث أن دعي أحد الشخصيات المعارضة إلى مدينة حلب، ليتحدث عن بعض شؤون السياسة في سوريا. وكالعادة، في مثل تلك المناسبات، تلت الندوة الحوارية سهرة عشاء ترفيهية، في بيت أحد الأصدقاء، شارك فيها نحو 14-15 شخصاً.

بعد نحو أسبوعين، وكنا قد نسينا المناسبة تماماً وعدنا إلى روتين حياتنا اليومية، بدأت تتواتر أخبار عن “زيارات” من دورية أمن عسكري لعدد من المعارضين ممن حضروا المناسبة المذكورة. ومع “تقدم التحقيقات” اتضح أنها تدور فقط حول سهرة العشاء، ولا تذكر فيها الندوة الحوارية! هذا يعني أن هناك مخبراً كتب تقريراً إلى الفرع، لم يكن موجوداً في الندوة، والتحق بالآخرين على العشاء فقط. وهكذا أصبحنا أمام تحقيق طريف ليس معنياً بالجانب السياسي للمناسبة، بل مهتم حصراً بمن غنى ومن رقص ومن شرب أكثر من غيره!

وفي ليلة جمعة، قرابة منتصف الليل، جاءني اتصال على التليفون الأرضي (لم أكن أمتلك خليوياً حينذاك). وجرى الحوار التالي على وجه التقريب:

المتصل: – الأستاذ بكر صدقي؟

أنا: – نعم، من المتصل؟

  • أنا من فرع الأمن العسكري.
  • وما هو اسمك؟
  • اسمي غير مهم، يمكنك أنا تخاطبني بـ “أبو علي”.
  • طيب يا أبا علي، ماذا تريد؟
  • بيتك في الميدان؟
  • لن أقول لك. أنت المخابرات، وعليك البحث عن عنواني، ولن تعجز عن الوصول إليه.
  • (يضحك) لماذا تعاملني هكذا؟ ليس هناك شيء مهم. فقط أريد التأكد من أمر.
  • وما هو؟
  • كنت موجوداً في سهرة العشاء في بيت (فلان)؟
  • لا. لم أكن موجوداً.
  • (يضحك) لكنني أعرف أنك كنت هناك.
  • لم أكن هناك، أثبت ذلك.

راح يعد لي أسماء بعض ممن كانوا حاضرين.

قلت له: على أي حال، ألا تخجلون من التحقيق حول سهرة ترفيهية، بدلاً من الذهاب إلى باب النيرب حيث تجار السلاح والمخدرات يتحركون علناً؟

أبو علي (بحدة): – هذا ليس من شأنك!

  • بل هو من شأني. وكل ما يحدث في هذا البلد أنا معني به. فأنا ابن هذا البلد، لست طارئاً عليه، بل موجود فيه من سابع جد. أنتم الطارئون.

انتهت المكالمة هنا. عليّ أن أوضح مصدر تنمري عليه بتلك الطريقة: قبل كل شيء، كانت تلك أجواء “ربيع دمشق” حين كانت المخابرات تتصرف بتهذيب مع المعارضين، وفقاً للتعليمات التي كانوا يتلقونها. ثم إن الاتصال جاء في وقت من المفترض أنه ليس وقت دوام رسمي (منتصف الليل، يوم الجمعة) الأمر الذي قد يعني أن من اتصل بي يتصرف خارج حدود التفويض. ثالثاً، وهو الأهم، أنني كنت قد شربت كأسين.

بعدما انتهت المكالمة، راحت السكرة وجاءت الفكرة! قلت لنفسي: ما هذا الذي فعلته يا بكر؟ إذا جاءوا غداً و”شحطوني” إلى الفرع، ألن ينتقم أبو علي من تجرئي عليه فيشبعني تنكيلاً؟

لكن الأيام، ثم الأسابيع والأشهر، مضت ولم يحدث شيء. ونسيت تماماً أمر أبي علي.

إلى أن كان يوم، بعد سنوات (صيف 2009)، وكنت قد غيرت عنواني، في غضون ذلك، ثلاث مرات، حين سمعت طرقاً على باب البيت، وكنت وحدي فيه. فتحت، فرأيت رجلين لا أعرفهما. ألقيا التحية وسألاني إن كنت أنا بكر صدقي، فأجبت بنعم، وسألتهما عمن يكونان.

قالا إنهما من الأمن العسكري، واستأذنا بالدخول. فأدخلتهما إلى غرفة الجلوس. كان أحدهما هو المتكلم، في حين لزم الآخر الصمت طوال الوقت. قال المتكلم: رئيس قسم الأحزاب يريد أن يتعرف إليك. سأحدد لك موعداً تأتي فيه إلى الفرع للقاء به.

قلت له: أنا لا أريد التعرف إليه.

ابتسم بلطف وقال: يا أستاذ بكر. ليس هناك سبب للخوف. أنا لم آت للقبض عليك. فقط ستشرب فنجان قهوة في مكتب السيد العقيد.

  • من هو رئيس قسم الآحزاب؟
  • لا أستطيع إخبارك باسمه.
  • حسناً، أنت لم تعرفني بنفسك أيضاً، ما هو اسمك؟

ابتسم وقال: يمكنك أن تخاطبني بـ “أبو علي”. أنت لا تعرفني، لكنني أعرفك!

في تلك اللحظة تذكرت حادثة التليفون، وعرفت أنه أراد أن يذكرني بها، وبأنه الشخص الذي كان على الطرف الآخر من تلك المكالمة المجنونة.

حدد لي موعداً لمقابلة رئيس قسم الأحزاب في الفرع. ورغم تأكيدي له أنني لن أذهب، نصحني بالالتزام بالموعد.

لم أذهب، وغبت عن البيت، تحسباً، لبعض الوقت. جاءوا في غيابي مرتين، ونصحوا أهل البيت بضرورة ذهابي. بعد مماطلة لنحو ثلاثة أشهر، استسلمت، في النهاية، وذهبت إلى الفرع.

أهملوني في الممر لأكثر من ساعتين. وفي غضون ذلك مر بي أبو علي. صافحني بحرارة صديق، مع ابتسامة ودودة، وقال: ألم أنصحك بالمجيء؟ لماذا تأخرت؟ (لم ينكل بي كما كنت أخشى. لم يحمل تجاهي أي ضغينة. كان “عبداً مأموراً” كما يقال، في كلتا المناسبتين).

ما حدث في مقابلتي مع رئيس قسم الأحزاب يقع خارج موضوع هذه السطور. سأتوقف فقط عند ذلك المقطع من المكالمة المجنونة، حين قلت لأبي علي بنبرة أقرب إلى الصراخ: أنا لستُ طارئاً على هذا البلد، أنتم الطارئون! كنا نشعر بأننا أقوياء، حين تفوهت بهذا الكلام، وليس فقط بسبب انتشائي بما كنت قد شربته. أما الآن فقد تأكد أننا نحن الطارئين، وهم الثابتون أصحاب البلد. تشردنا في أربع جهات الأرض، نحن، المحظوظين، الذين نجونا من القتل أو الاعتقال.

في بعض أحاديثي مع أصدقاء، كنت أبالغ أحياناً في وصف مدى دكتاتورية النظام، فأقول: البلد بلده. على الشعب أن يثبت جدارته بالبقاء على هذه الأرض، ليرضى الحاكم عليه. أما إذا لم يرض، فمن حقه أن يطرد الشعب ويأتي بآخر بدلاً منه. كانت الغاية من هذه المبالغة هي أنها وسيلة إيضاح، نوعاً من كاريكاتير مرسوم بالكلمات، ولم يخطر في بالي أنها الحقيقة بذاتها، إلى أن ظهرت الباصات الخضراء، وتشرد ستة ملايين سوري في بلاد الله الواسعة، ومثلهم داخل سوريا.

*كاتب سوري

اترك رد

avatar