هذا النص أمانة منقولة عن لسان الناجين ممن حضروا المعارك وعن نشامى الكادر الطبي في مشافي السويداء الوطنية الثلاث يوم الأربعاء الدامي 25 تموز 2018.

صحا سكان السويداء المدينة فجر ذلك الأربعاء على صوت انفجارات أربعة متزامنة في سوق الخضرة وقرب ساحة المشنقة ودوار نجمة وحي المسلخ، أعقبتها القيامة كما بعد كل انفجار، وألهت الأهالي عما كان يحدث في ريف السويداء الشرقي.

في توقيت التفجير ذاته واجه ريف السويداء الشرقي مصيره مع مجازر متواقتة، بتدبير أعداء الأديان والإنسانية والحضارة، في تخطيطٍ شيطانيّ يبدو أنّه تم التحضير له عبر وقتٍ طويل، ليكون الخطة البديلة في حال رفض الأهالي تسليم سلاحهم وأبنائهم الفارين من الجيش إلى السلطة، وفي حال رفض الأهالي أن يتبرؤوا من (رجال الكرامة) باعتبارهم (تنظيماً إرهابياً) وهو ما حصل فعلاً أن رفضوا حين ساومهم الوفد الروسيّ عليه قبل أيامٍ ثلاثةٍ فقط، جاء الهجوم بعدها على قرى: (دوما، تيما، طربا، الكسيب، رامي، غيظة حمايل، الشبكي، الشريحي).

هذي القرى هي الأكثر فقراً بين قرى السويداء الفقيرة أصلاً، (قد تكون قرية رامي استثناءً من بينها، اشتغل كثير من رجالها في الكويت وتجاوزوا خط الفقر). كانوا في الحياة مهمشين، تجرحهم الحاجة والظلم المزمن في مناخٍ صعب المراس لا يفي بوصفه سوى المثل الشعبي في السويداء: (لولا حب الوطن قتال كانت بلاد السوء خراب..)، أفنى شبابهم أعمارهم في لبنان أو ليبيا وعادوا إليها بعجزٍ يسبق أعمارهم بعقدٍ من السنين على الأقل، يشتغلون في الأرض والكروم، يعودون منها منهكين، يغتسلون ويأكلون لقمة مغموسة بالبركة، وباكرا ينامون، وظلوا في أحداث سوريا كلها بعيدين عن أي اصطفاف.

نامت هذي القرى ليلتها السابقة على سكينتها المعتادة، حيث ليس في محيطها أية إشارات أو إنذارٍ بخطر محتمل. كان قسم من الأهالي قد سلموا سلاحهم للسلطة المحلية على وعد الأمان بأن الجيش (الوطني) متمركزٌ على التخوم الشرقية لمحافظة السويداء وهو الكفيل بحمايتها. بينما كان هذا الشرق مشرعاً تماما منذ تم سحب جماعات (الدفاع الوطني) إلى معارك درعا في حزيران الماضي.

قبل الفجر باغتهم مسلحو داعش، وصلوا بسيارات الدفع الرباعي في وقت واحد إلى مداخل هذه القرى، ركنوها ونزلوا منها بأسلحتهم الفردية وأحزمتهم الناسفة، توزع القناصون على المشارف وانطلق الباقون مشياً واثقاً نحو بيوتٍ اختاروها بدقةٍ من بين بيوت القرية، مكشوفة تماماً أو واطئة السور، دخلوها بطريقة واحدة: ينادي أحدهم صاحب البيت باسمه، يفتح صاحب البيت باب مضافته مؤهلاً بـ (الضيف)، يجيبه (الضيف) بسكينٍ في الصدر أو برصاصة عاجلة، ويعبر فوق دمه إلى غرف البيت، وبالسكين يذبح (فعلاً لا مجازاً) الزوجة والأولاد، ويترك من بين الأولاد شاهداً ليرى ويروي.

معظم الضحايا قُتلوا في الدقائق الأولى قبل أن تفيق باقي البيوت على صوت الرصاص وتخرج للفزعة بسكاكين البيت وما توفر من سلاح فردي، أو لتهرب. أطلق الدواعش النار على تجمعات الناس العشوائية، ومنهم من فجّر نفسه بعدها ليُكمل قناص داعش على من نجا من الأهالي.

قرية الشبكي ذات البيوت المتباعدة نالت نصيبها الأفظع، سيقت النساء والأطفال إلى باحة المدرسة وحبسوا فيها، والأهالي يقفون مذهولين وعاجزين عن التقدم لإنقاذ أسراهم حين القناص بالمرصاد، يصطادهم واحداً واحداَ بكل يسر. وصلت الفزعة من قرية سعنة القريبة يتقدّمها شيخان مسنّان يصيحان: (يا غيرة الدين..)، كما في لحظة الحشر تنشب عقيدةٌ خارقة من صندوقٍ يتوارى عميقاً في وجدانهم الجمعيّ من أزمان أجدادهم، إيمانهم بأن الموت حقٌ وواجب أيضاً إن لم يكن سواه فداء حقٍّ في الحياة الكريمة دون أذى لا منه ولا عليه.

هجموا نحو المدرسة على غير تفكيرٍ أو احتراس. ربما أربكوا القناص وحفّزوا شباب بلدة الشبكي ليهجموا خلفهم خجلين من شجاعة الشيوخ. (وما يزال الحديث على لسان الرواة من أرض معركة بالسلاح الأبيض، بعجاج حربٍ يحاكي معارك العصور القديمة). حاولوا استعادة أقرب بيت إليهم واستطاعوا، ولم يستطيعوا الدخول الى المدرسة إلا نحو الرابعة ظهراً حين وصل رجال الكرامة ومعهم آر بي جي وقتلوا القناص حارس رهائن المدرسة وحرروا أسراها وبدأ رجال داعش ينسحبون بتغطية من القناصة، يجرّون معهم نساءً أسيرات.

قناص واحد قتل وحده 30 شخصاً في إحدى القرى. في داما تمّ قتل 18 رجلاً في18 بيتاً في وقت واحد. في إحدى القرى استدلّوا على الراعي (الدلّال) الذي أعطى قيادات داعش أسماء أصحاب البيوت في القرى وقتلوه.

بعض الجرحى نزفوا من الصباح حتى المساء وما استطاع أحدٌ إيصالهم إلى المشفى. في أحد بيوت الشبكي حملت امرأة تقارب الثمانين البارودة المعلقة في بيتها وبها قتلت مُقاتِلَين من داعش وأصابوها بطلقةٍ غير قاتلة ونجت. امرأة شابة من الشبكي أم لطفلتين، كانت وحدها في بيتها، لم تجرؤ أن تفتح الباب، فتحت شباك الغرفة الخلفية المفضي إلى حاكورة البيت، رمت نفسها منها وهي تحمل ابنتيها، وزحفت بهما طويلا، ونجت معهما. في قرية رامي قيدوا يدي أحد الشيوخ إلى ظهره، ضربوه وسيّروه أمامهم درعاً بشرياً فلم يستطع رجال القرية إطلاق الرصاص خوفاً من إصابة الشيخ. شيخٌ آخر من قرية رامي ترك تسجيلا على هاتفه الجوال: (أنا استشهدت، يا عنود ديري بالك على الأولاد، وابري ذمتي إذا كان حدا الو دين عليّ). شبابٌ كثر سيّرتهم شجاعتهم النادرة وإيمانهم الخاص والصامت، واستشهدوا هادئين رزينين حتى وهم يتصدرون القتال. طفلةٌ عمرها 15 سنة كانت تنام ليلتها تلك في بيت عمها، تلقت رصاصة في بطنها وأُنقذت في المشفى وهي لا تعرف أنّ أهلها جميعهم قُتلوا في بيتهم بعيداً عنها. ضابطٌ في الجيش سيخبرونه قريباً أن زوجته وأولاده جميعاً قُتلوا بينما هو في مناوبته في موقع قطعته العسكرية في دمشق.

أحد الشباب المقاتلين وصل إلى المشفى برصاصة نفذت من البطن إلى الحوض، جلس ينتظر دوره في العمليات حيث جميع الغرف مشغولة، يسيل الدم تحته وهو يبتسم، يضمده الممرض وهو يبتسم، يقول بوهن: (شو يعني ما عاد بقدر جيب أولاد؟)، يبدأ بالارتجاف من شدة النزف الداخلي ولا يقول: آخ، أبداً، لن يختبر نفسه إن كان ما يزال يستطيع الإنجاب لأنه سيموت وهو يبتسم.. شابٌ آخر تلقّى رصاصة هتكت كتفه الأيمن وأخرى أقل خطراً من الأولى في الكتف الشمال، كأنه لا يدري حجم إصابته، ولا يعرف أنه لم يبق لديه مكانٌ لتعليق البارودة بينما ما يزال يلحّ: (لفولي إيدي بشي أي ضماد، بدي ارجع دافع..).

الأطباء الذين أعطوا هذه الشهادات رفضوا أن تذكر أسماؤهم وأنهم ببساطةٍ ما كان لهم أن يكونوا غير ما كانوا. اشتغلوا لساعاتٍ طويلةٍ ومريرة دون استراحة أو طعام، شغلوا غرفة العمليات الثلاث طوال النهار، معظم المرضى الذين وصلوا احياء ظلوا أحياء بفضل الإسعاف أو الجراحة.

اشتغل الكادر الطبي في المشافي قابضاً على دمه. لم يكن يحرس مشفى سالي الذي وصله القتلى والجرحى بالعشرات سوى حارس واحد ببارودة روسية. تخوّف الأطباء من هجوم انتحاري مثلا على المشفى الذي يبعد مسافة 3 كم فقط عن قرية رامي التي كانت مسرح معركة، ولم تصلهم ولو دورية حراسة.

لم تصل إلى المشافي إصابة عسكرية واحدة. لم يحضر الجيش، لم يشارك الجيش في المعارك. لولا قتال الأهالي لوصل الدواعش خلال ساعات إلى (ساحة السير) قلب السويداء المدينة.  وصلت الفزعة من كثيرٍ من قرى جبل العرب ومن ريف الشام ومن جبل الشيخ ولم يصل الجيش. حضر إلى المعارك كل من يستطيع بدءاً من الشيوخ الختايرة بذقونهم البيضاء الطويلة وصولاً إلى أفتى الشباب.

كان رجال الكرامة منظمين في عملهم، قاتلوا فقط ليحموا أرضهم، لأجل كرامتهم، لا لأجل منصب في الدنيا، ولا هم المبشّرون ولا المستتيبون الناس ولا الدعاة لاعتناق عقيدتهم، ولا الطامعون بجنة ولا حور عين ولا ثواب ولا عقاب.. هؤلاء سوريون مسالمون مشروعهم الانتماء إلى سوريا، وحماية النفس وعدم الأذى، ويعرفون أن دورهم الوطني لا يأتي إلا في مكانه وفي أوانه، وأنه مشروطٌ بعدم الانصياع إلى أي مشروع ديني أو أن يكونوا أذناباً لأحد، وعليه فهم يعرفون أن دور عقابهم كان سيأتي في يوم مثل هذا اليوم. قابلوه بعقل وبشجاعة، قاتلوا في المعارك، نقلوا الجرحى إلى المشافي بأدب، دون انفعال، دون استعراض، يحملون موتى إصاباتهم كلها كانت في الصدر لا في الظهر، ويحملون جرحى بإصابات خطيرة، يؤمّنون عليهم في المشفى ويعودون سريعاً إلى المعارك في القرى فيما بعض المقاتلين جرحى حقاً بجروح خفيفة لا تعيقهم عن مواصلة القتال.

انمحى حس الخوف عند الناس، قاتلوا بثبات، فقدوا أسرهم كلها أو أفراداً منها ولم يخرجوا عن هدوئهم، ولم يولولوا، ظلوا مصرين على إخلاء الجرحى وإنقاذ من يمكن إنقاذه ولم يقولوا: آخ..

هي إنسانيتهم الموروثة، وهو إيمانهم الخاص الذي لن يكون ضده أي عاقل.

كثيرون ممن كانوا ذوي سلوكٍ مشبوهٍ أو محكم السوء، من جماعة العصابات التي نمت وسط الفلتان في سنين الحرب، ركنوا إجرامهم جانباً، ولو لحين، وقاتلوا من أجل الأرض، ووصل منهم موتى وجرحى إلى المشفى.

على قلة الموارد والسلاح كانت الشجاعة هي الحاضرة. معظم الضحايا غُدِروا في الساعات الأولى قبل أن تصل النجدات من باقي القرى، لو كانوا على توقّعٍ لما حصل، ولو سمح لهم سلاحهم بالدفاع عن أنفسهم لما مات كثيرون.

عدد الجثث التي وصلت إلى المشفى من قتلى داعش وصل إلى حدود السبعين جثة، وجدت حبوب الكبتاغون وأشباهها في جيوبهم، وكانت هويات كثيرة عليها قيد النفوس في مخيم اليرموك.

ربما هذه هي المرة الأولى التي يوثّق فيها تسليم جثث لرجالٍ من تنظيم داعش من بين هجماتهم السابقة الكثيرة على مناطق جغرافية سورية عديدة. عدد القتلى من داعش يفوق عدد الجثث الموثقة، ذلك أن رجالاً يلبسون البدلة المموهة حضروا وقت المعارك إلى القرى ليسجلوا لأنفسهم حضوراً باسم الجيش، وتبين أنهم يريدون فقط إخراج جثث الدواعش من الأرض وتسليمها إلى الأمن، وسحبوا فعلاً أكثر من جثة قبل أن ينتبه الرجال المقاتلون، وتكفّلت جماعة الأمن والمازوت بنصب بعض الرؤوس المقطوعة على مقدمة السيارات، ساروا بها في مواكب وسط الهتاف والزمامير مستعرضين في مواكب عبر شوارع المدينة وقرى الريف، بينما المقاتلون الحقيقيون كانوا هناك على أراضي قراهم.

في هذا الوقت الذي يطغى فيه الغضب على الحزن، فهمت شرائح كثيرة من الناس قذارة اللعبة وبدأت تعيد حساباتها، ارتفعتْ أصواتٌ من المكلومين بأسرهم وبإصاباتهم، فضلاً عن أصوات العاقلين الذين لن تخلو منهم الأرض، تطالب بألا تحدث ردود فعل ضد البدو وضد باقي السوريين النازحين إلى السويداء من باقي المدن السورية، يكون الأهالي عقلانيين متوازنين كما هم شجعان، كما هو تاريخ الدروز في المحن.

لا ينسى الناس، ولن ينسوا حرارة التعاطف العفوي والصادق والكثير الذي لاقوه أفراداً وجماعات كأزرٍ من أبناء المدن السورية كافة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، أنهم معهم قلباً صادقاً ويداً ليست بقادرة على مدّ السند بعد أعوام من النكبات التي طالت كل بيت، وأعوام من دموع ما تزال حارقة. هذا التعاطف الذي يكفي ليحيي ويشدّ الأزر ويبعث في الجميع روح الأمل أن الناس وحدهم يحملون همّ الناس.

*كاتبة سورية