الصفحة الرئيسية تحليل الخبراء ميّ سكاف.. والموت الذي لا يُحتَمل

ميّ سكاف.. والموت الذي لا يُحتَمل

مشاركة

يخرج الكلام متخدّشاً ومشطوباً كالزجاج المكسور في الحلْق، فموتها الصادم لم يكن موتاً اعتيادياً لموتنا الذي انصلبنا على خشبة أوجاعه منذ دهرٍ وسبع سنوات، بل صحوة ميتٍ يدرك بقسوةٍ ورعبٍ أنه فعلاً يموت.

ليس بسبب الشهرة فحسب، فقد مات قبلها من هم أشهر منها، وليس بسبب العمل والفاعلية الثورية فحسب، فقد سبقها ربما من عمل بنشاط أكبر، لكن التأثير الذي تركته ميّ، وبدت معه وسائل التواصل الاجتماعي عامة، وكأنها ورقة نعي واحدة، وكأننا نبكي جميعاً في محفلٍ كسرَ المكان والحدود والجغرافيا، وجمعنا في حرقة قلب واحدة، ليس الحزن فيها سوى إحدى تفاصيل الوجع.. ذلك التأثير الذي تركته ميّ كان نادراً وقاسياً وعنيفاً كموتها.

 الصدق الواثق من انفعاله، الكبرياء المكسور دون أن يعرف طأطأة الرأس، الصوت الذي تخرج معه الحقيقة “بسيطة كالماء، واضحة كطلقة مسدس” وكأن صداه هو الحقيقة الثابتة وعبثاً يدور دولاب الزمن، اليأس المأسوي الرافض للمصير الموحش، الروح البرومثيوسية وقد أرهقتها النار التي توقدها وتحترق بها في آن، الملامح الأثينية التي تخبرك أن العدل هنا لا يخيب وأن الظلم لا يُطاق، الوجه الشاحب المعتدّ والذي يخبرك أن الرفض بات أكبر من حدوده الإنسانية، لكنه محدود… فمات قهراً، ولم ينطفئ.

لا يوحي موت مي بموت القضية السورية في ضمير السوريين مثلما قد يبدو الأمر للوهلة الأولى، أو مثلما استنتج بيأس مفهوم بعض الأصدقاء، بل إنه يبرز أهمية الأثر، أهمية ما لا تُرى نتائجه بسرعة وبالعين المجردة، أهمية ما انغرس في الضمير ولا يمكن لواقع مهما اشتدّت قسوته وجفاؤه وثقله أن يزيله، فالأثر الكبير والضجّة الصارخة والصامتة التي ظهرت بموتها، أَبَانَ ضمير سوريا من تحت ركام الواقع، إذ إن الواقع الذي ردم التراب على قلوبنا وعقولنا وحتى انسانيتنا، تلك التي فقدنا الأمل منها وباتت بلا معنى، انمحى فجأة وكأنه غير موجود، وعادت صرخة الحرية الأولى التي خرجنا لأجلها وكأنها عابرة للزمن، مغروسة في الضمير، لا يمكن ردمها إلا لتنهض من جديد. الواقع زائل، والحرية التي خبرنا طعمها القصير لن تتوقف بموت الأفراد، فقد ورثتها الجينات، والأفكار والصدور، وباتت مكوناً أساسياً في اللاوعي السوري، ولن يمحقها واقع الطغيان والإرهاب إلا لتعاود الظهور والانفجار.

جميعنا نظن أن الكلمة والموقف والفن والأدب والثقافة لا تترك أثراً مهمّاً وواضحاً في الواقع الصلب، فالواقع أقوى منّا جميعاً، والواقع أننا هُزمنا هزيمة لا تُعوَّض، لكن الواقع ليس ما نعيشه هنا والآن فحسب، الواقع هو الخيال والتخيل والصورة عن الذات الفردية والجمعية، وصورة السوريين عن أنفسهم، تلك التي انغرزت في ضميرهم بالدم والتعب والهجرة والنزوح وفقدان الأحبة، هي صورة ارتبطت بطلب الحرية وبالأثمان المتجاوزة لكل خيال التي دُفعت لأجلها، ومخيالهم الجمعي القابع دائماً خلف الواقع القاسي وفوقه، تَشكَّل على النقيض من مخيالهم القديم الذي صنعه نظام الممانعة وبالضد من تركيبته، وما كُتب بالدم الموزع في جميع أنحاء سوريا، لن يمحيه واقع قائم اليوم، وظروف مستعصية، وطغيان واحتلال وإرهاب يتقاسم البلد.

لم يمض على موت مي سوى يومين، حتى ارتكبت المخابرات الداعشية مجزرة راح ضحيتها 250 شهيداً في السويداء، فقد بات واضحاً بعد سنوات على ولادة هذا الكيان المسخ، أن جلّ القيادات الداعشية، إن لم يكن كلها، هم عناصر تابعة؛ بشكل مباشر أو عبر الوسطاء، للمخابرات السورية والدولية، وأن الكتلة البشرية من الجنود المؤلفة لهذا الكيان، هم من كانوا فقراء المؤمنين اليائسين، الطامعين بالحوريات والمال والقوة والنفوذ، والحالمين بامبراطورية إسلامية لا أمل في بعثها من جديد، ولا أمل في شفائهم منها، بعد أن تورطوا في تعبيد طريقها بالإرهاب والدم والارتزاق باسم بالله، دون أن يدركوا أنه طريق الجحيم الذي اختاره لهم أمراؤهم الخارجون من سجون الأسد وعملائه.

بدأت تتوافد قوائم الشهداء تحت التعذيب في يوم المجزرة الداعشية ذاته، قوائم بالآلاف من داريا وحمص وتلكلخ ودرعا وحلب ويبرود والحسكة وغيرها… وتشير القوائم الموزعة إلى أكثر من ثمانية آلاف شهيد حتى الآن، منهم ألف ضحية من داريّا وحدها، مدينة العنب والدم، ورمز سوريا الأكبر في المظاهرات السلمية بداية الثورة، وفي الصمود الاسطوري فيما بعد.

 تلك القوائم كانت أشبه تماماً بالمجازر، مجازر تحت التعذيب تم توقيت الإعلان عنها مع ذلك الحزن السوري الكبير بموت مي سكاف، ثم ذلك الحزن الغاضب الذي رافق مجزرة السويداء، لتصبح حياة السوريين مجرّد مجزرة سوداء تحوم فوق البلاد وأهلها الموزعين في جميع أنحاء العالم.

يحوم ذلك الموت الذي لا يُحتمل فوق رؤوسنا في كل مكان، فأينما ولّيت وجهك هناك مجزرة تعشش في قلبك وفي دماغك، إنه نظام المجزرة، نظام الإبادة الجماعية في سوريا العظيمة.

نعم إنها سوريا العظيمة يا مي، ولكن هذا ما يحصل للعظماء عندما يدفعهم القدر بين أنياب الضباع، يموتون قهراً أو تحت التعذيب أو يموتون في المجزرة.. ذلك الموت الذي لا يحتمل.

*كاتب سوري