مشاركة

على أرضية التطورّات المتسارعة والتصريحات المتضاربة، يزداد الموقف في إدلب تعقيداً ويلفّ الغموض مصير هذه المحافظة، التي تشهد منذ أيلول/ سبتمبر الماضي تنامياً مضطّرداً للنفوذ التركيّ فيها، بعد نشر قوّات تركيّة في “نقاط مراقبة” جرى التفاهم بشأنها بين أنقرة وطهران وموسكو في النسخة السادسة من اجتماعات أستانة، وما نتج عنها من ضمّ إدلب إلى “مناطق خفض التصعيد”.

إنها آخر معقل وازن لمسلّحي المعارضة والفصائل الإسلامية المختلفة، التي تتقاسم السيطرة وتتنازعها أيضاً في إدلب، مدينةً وريفاً، منذ أحكمت قبضتها عليها بالكامل أواخر آذار/ مارس 2015. وهي كانت الوجهة التي قصدها نازحون ومهجّرون من مختلف المناطق السورية خلال السنوات الثلاث الماضية، وخصوصاً الآلاف من مقاتلي المعارضة وعائلاتهم، ممن رفضوا “المصالحات” التي فرضها نظام الأسد على مناطقهم، حتى تضاعف عدد سكان المحافظة ليبلغ نحو ثلاثة ملايين نسمة، تخيّم عليهم اليوم حالة من القلق والترقّب.

بعد أكثر من ثلاث سنوات على طرد قوّاته منها، يصرّح رأس النظام السوري بشار الأسد، خلال حديث لوسائل إعلامٍ روسية، أن إدلب ستكون الهدف القادم لقوّاته، بعد أن استعادت السيطرة على الغوطة الشرقية ومعظم مناطق جنوب غرب البلاد، مؤكّداً أن لا خيار سوى “المصالحات” أو استعادتها بالقوة. وبعد أيام يتكرّر الكلام نفسه على لسان بشار الجعفري رئيس وفد النظام إلى مفاوضات أستانة، وذلك في اليوم الثاني من اجتماعات “أستانة 10″، التي جرت في مدينة سوتشي الروسية نهاية تموز/ يوليو الماضي.

الأمر الملفت كان تناقض موقف النظام المعلن هذا مع تصريحات الروس الرسمية في هذا الشأن، وهم داعمو الأسد ورعاته، إذ نفى مبعوثهم الخاص إلى سوريا ألكسندر لافرنتييف بوضوح أن تكون هناك عملية عسكرية وشيكة ضدّ إدلب. لكن رغم ذلك، تشير المعلومات إلى بدء النظام استعداداته العسكرية بالفعل، إذ تحدّث مصدر موالٍ عن حشود لقوّات الأسد حول إدلب على ثلاثة اتجاهات: “الأول على الاتجاه الغربي في ريف اللاذقية الشرقي والثاني على الاتجاه الجنوبي في ريف حماة الشمالي والشمالي الغربي، والثالث على الاتجاه الشمالي الشرقي انطلاقاً من منطقة «أبو الظهور» التي تشكل رأس جسر للجيش السوري داخل محافظة إدلب”، كما أنّ قوات النظام المتمركزة بالقرب من خطوط التماس استهدفت مواقع للمعارضة بقصفٍ مدفعيّ وصاروخيّ مكثّف.

وفي مقابل “طبول الحرب” التي يقرعها النظام، يواصل الأتراك مساعيهم الدبلوماسية مع موسكو من أجل التوصّل إلى تفاهم يجنّب المنطقة كارثة إنسانية كبرى ستقع لا محالة فيما لو مضت الأمور نحو المواجهة العسكرية. وهم يركّزون على كون إدلب واقعة ضمن نطاق مسؤولياتهم وفقاً لمخرجات أستانة واتفاقات خفض التصعيد، وأنّ قواتهم تنتشر في اثنتي عشرة نقطة مراقبة. على هذا، تردّد كلامٌ حول إمكانية أن يُعهد لهم بضبط الأمن وفرض الاستقرار في المنطقة، من خلال العمل على سحب السلاح الثقيل من الفصائل ودعوتها للتجمع تمهيداً لتشكيل “الجيش الوطني” مستقبلاً، والضغط على المجموعات المصنّفة على لوائح الإرهاب مثل “هيئة تحرير الشام – جبهة النصرة” إلى حل نفسها، إضافة إلى تعهّد تركيا بالإشراف على المنطقة وتأمين احتياجاتها وتقديم الخدمات الضرورية للمدنيين، لكنّ هذه الصيغة لم تلق قبولاً من النظام طبعاً، ولا الإيرانيين أو الروس الذين يركّزون، في المقابل، على خطر المجموعات المصنّفة كتنظيمات إرهابية ووجوب القضاء عليها.

حتى اللحظة يتعامل الأتراك مع موضوع إدلب بطريقة دبلوماسية للغاية، مثل قول الرئيس التركي رجب طيب أردوغان: “طلبتُ منه (بوتين) أن يتخذ الإجراءات الضرورية لمواجهة الهجمات المحتملة للنظام على إدلب، والتي لن تكون مقبولة بالنسبة لنا” وأنّ “أي عملية عسكرية هناك على غرار تلك التي جرت في حلب ستمثل مشاكل جوهرية للجميع”. لكن من الواضح أنهم يتهيّؤون أيضاً لمختلف السيناريوهات المحتملة، ومن ضمنها التصعيد العسكري، لكن وفق ما تقتضيه مصالحهم لا كما يشتهي بعض من يواليهم من سوريين واهمين.

فبالتوازي مع الاتصالات الدبلوماسية، أعلنت تركيا أن الحدود مع سوريا “مناطق أمنية” لأسبوعين، كثّفت خلالهما من دورياتها الأمنية والعسكرية، وأرسلت تعزيزات لقوّاتها الموجودة في سوريا. كما دعمت عملية توحّد كبرى الفصائل في إدلب ضمن تجمّع جديد سمّي “الجبهة الوطنية للتحرير”، ضمّ كلاً من: “صقور الشام”، “حركة أحرار الشام الإسلامية”، “جيش الأحرار”، و”حركة نور الدين الزنكي” إضافة إلى “تجمّع دمشق” الذي يضمّ مقاتلين هُجّروا من دمشق وريفها.

من جهة أخرى، عمل الأتراك خلال الأيام القليلة الماضية على إقامة مزيد من التحصينات لنقاط المراقبة التي تتمركز فيها قواتهم، فالخطر لن يكون مصدره هجوم قوات الأسد والميليشيات الإيرانية المحتمل فحسب، وإنما “هيئة تحرير الشام” وحلفاؤها أيضاً، لأن هؤلاء لم ينضمّوا إلى التجمّع الجديد الذي رعته تركيا، بل هم على خصومة معه، ونقاط المراقبة التركية قد تكون هدفاً  لهم فيما لو كان القضاء عليهم هو الثمن الذي على تركيا دفعه في إدلب، لا سيما وأن الموفد الروسي الخاص لافرنتييف سبق له القول: “ما زلنا نأمل بأن المعارضة المعتدلة وشركاءنا الأتراك الذين تولّوا مسؤولية فرض الأمن على المنطقة يتدبّرون هذا الأمر” وهو يقصد القضاء على المنظمات المصنفة إرهابية مثل “هيئة تحرير الشام”.

في ظل هذه المعطيات الميدانية والسياسية المركّبة وما تقود إليه من احتمالات مفتوحة، ربما يساعد اللجوء إلى الاقتصاد بأرقامه البسيطة في استشراف ما ستكون عليه وجهة السياسات. وبالتالي، يمكن التأكيد بأن أنقرة ليست في وارد تأزيم علاقاتها مع موسكو في الوقت الراهن، ذلك أنّ بيانات “دائرة الجمارك الفيدرالية الروسية” تشير إلى تصدّر تركيا قائمة الشركاء التجاريين لموسكو في النصف الأول من عام 2018، وأنّ حجم التبادل التجاري بين البلدين زاد بنسبة 37 في المائة. فالأرجح، والحال هذه، أن تمضي الأمور نحو قبول الأتراك بشكلٍ ضمنيّ أو صريح، بالسيناريو الذي تريده روسيا لإدلب، سلماً كان أم حرباً. ويعزّز من هذا الاحتمال الأهمّية المتزايدة للعلاقات التركية الروسية بعد التوتّر بين تركيا والولايات المتحدة والذي أثّر سلباً على الاقتصاد التركي والليرة التركية، ومما يدلّ على عزم أنقرة السير نحو الضفّة المقابلة لواشنطن مشاركة أردوغان في قمّة دول “بريكس” الأخيرة، وحديث الإعلام عن إمكانية انضمام تركيا إلى المجموعة، ما يعني أنها تغذّ الخطا نحو موسكو.

إن الحديث عما ينتظر إدلب يستوجب استعادة ما جرى في غيرها من “مناطق خفض التصعيد” الأخرى، وتركيا أحد الضامنين فيها جميعاً. فالنظام وحلفاؤه الروس والإيرانيون انتهجوا تكتيكاً قذراً جباناً، يقوم على التقليل من المواجهة المباشرة مع المقاتلين على الأرض، والاعتماد على حملات القصف العنيف المكثّفة بمختلف صنوف الأسلحة ضدّ المدنيين والأحياء السكنية، فكان هذا عاملاً حاسماً في رضوخ مقاتلي المعارضة لشروط “المصالحات” التي فرضها الروس والنظام، وهو ما يمكن أن يتكرّر في إدلب دون مواجهات عسكرية كبرى لا شكّ أنها عالية الكلفة بحكم طبيعتها الجغرافية الصعبة.

وبما أن للأتراك مصالح خاصّة في إدلب، وكذلك مصالح استراتيجية بالغة الأهمية مع روسيا، ربما يكون التفسير الأدق لخطوتهم في توحيد الفصائل هناك أن من شأنه تعزيز قدرتهم على التعامل معها مجتمعة، سواء لاستخدامها في القضاء على التنظيمات الأكثر تشدّداً وضبط الوضع في المنطقة، أو عندما يتطلّب الأمر تنسيق الجهد العسكري ضمن حدود معيّنة، بحيث لا تسمح بهزيمة قوات المعارضة ولا تتيح لها إمكانية الانتصار، وإنما تهيئة شروط تساعد في وضع الترتيبات الملائمة عند الوصول إلى مرحلة “التسويات” و”المصالحات”، والضغط ما أمكن على “الحليف الروسي” للحفاظ على مصالح تركيا ونفوذها هناك.

*كاتب سوري