مشاركة

كُتب الكثير في نقد الجوهرانية ونظرتها إلى الجماعات الدينية والطائفية والقومية، وهي الجماعات التي عادة ما تنسب إليها صفات وطبائع تجعلها، وفقاً لتلك النظرة، في مرتبة أدنى من غيرها أو تحمل مواصفات ثابتة وطباع “قارة” تفرضها عليها تلك الانتماءات إلى الدين او الطائفة وغيرهما.

والحال، أن الجوهرانية، والشعبوية تالياً، تصعدان بقوة في عالم اليوم وتسيران بخطى ثابتة، وخصوصاً لدى تناول العالم العربي وسوريا، قبل وبعد اندلاع الثورات العربية وصولاً إلى مآلات هذه الثورات اليوم. وقد جاء صعود موجة الإسلام السياسي والحربي وتسيّده ساحات الصراع في المشرق العربي ليعزز ويدعم حجة الجوهرانيين من العرب والغربيين تجاه المجتمعات المشرقية، رغم أنهم لم يكونوا في معظمهم باحثين عن حجة أو سند ميداني وواقعي يدعم نظرتهم إلى شعوب المنطقة من زاوية “الهوية” فقط، وما ينجم عن ذلك من تقسيم البشر إلى فسطاطين: “حداثيين” و”رعاع”، أو ديمقراطيين وعرب، وغير ذلك.

تهافُت هذه السرديات والأفكار بالمعنى السياسي والثقافي والأخلاقي يتزامن مع صعودها وانتشارها انطلاقاً الانهيارات والزلازل التي أصابت المنطقة العربية في السنوات الاخيرة. إلا أن ذلك لا ينبغي أن يجعل من أي نظرة جوهرانية أمراً مستهجناً دائماً. ففي المشرق العربي تقف بنى طائفية، مصمَتة، لا تتغير. بُنى فوق سياسية، يمكن ردها بسهولة إلى مشروع طائفي أو ديني من دون أن يشمل كل أبناء هذه الطائفة او ذلك الدين، بطبيعة الحال. وليس أبلغ من الحديث في هذا المضمار عن مثلث “المقاومة والممانعة”، أي: نظام بشار الأسد وإيران و”حزب الله”.

غالباً ما ينظر الجوهرانيون إلى المجتمعات العربية والمجتمع السوري بصفتها مجتمعات غير مؤهلة للديمقراطية، أو لا تستحق الديمقراطية. وسيجد بعض هؤلاء في سرديات “حماية الأقليات” و”النظام العلماني” مرتكزات “فكرية” ومبررات سياسية لاصطفافهم هذا، وهو ما لن يؤدي ولن يوصِل في نهاية المطاف إلا إلى بشار الأسد، وإن تكن حصة هذا الأخير من العلمانية وحماية الأقليات ومن السياسة مثل حصة مؤيديه والمصطفين معه من مثقفين وغير مثقفين، من الأخلاق.

الملفت للنظر في هذا الاصطفاف مع الأسد ومحور إيران هو أنه اصطفاف وتأييد لبُنى غير قابلة للتغير، من قبل من يبدون معادين لــ “بُنى” غيرها ومجتمعات يفترضونها فوق التاريخ وغير قابلة للتغير. الأسد ومحور إيران وميليشياته وقواه السياسية والعسكرية هي تشكيلات يبدو الثبات ومعاندة التاريخ مسألة جينية وراثية لديها “والتوريث في سوريا يفعل فعله حتى هذه اللحظة كما هو معلوم”. وهي الوحيدة التي تبدو فعلاً ذات طبع قارّ يستعصي على أي إصلاح أو مراجعة أو فهم لمسار الحياة والبشرية.

فعلى سبيل المثال لا الحصر، وفي عام 2008، انقلب “حزب الله” على الحكومة اللبنانية، ونزل إلى الشوارع معلناً انقلابه على لبنان واللبنانيين باحتلال عاصمتهم. كان ذلك بعد قرار من الحكومة اللبنانية التي يشارك فيها الحزب دائماً كأقلية مرة وكأكثرية مرات، بسحب سلاحه. السلاح مسألة لا معنى لوجود الحزب من دونها، وسحب السلاح يعني تحوله من ميليشيا عسكرية إلى حزب سياسي، الأمر الذي يتنافى مع المشروع الخميني والهلال الشيعي في المنطقة وتمهيد الطريق لظهور المهدي المنتظر، صاحب الزمان لدى علي الخامنئي وحسن نصر الله وقاسم سليماني. السياسة طارئة على مسار الحزب، والعقل الميليشيوي هو الثابت والمتن في مشروع الخمينية الحربية داخل سوريا والعراق ولبنان واليمن والبحرين. هكذا، بدا في تلك اللحظة الميليشيوية وكأن “طبعاً طائفياً كان يتغلّب عليه تطبُّع وطني” على حد تعبير الكاتب الراحل صالح بشير. سحب سلاح “حزب الله” يعادل بالنسبة لهذا الحزب قيام بشار الأسد بإطلاق حياة ديمقراطية في سوريا عام 2000 بعد استلامه السلطة بالتوريث، وهي مسألة كانت ستصيب النظام في مقتل. الثورة السورية نفسها كانت عصية على الثبات والطبع الواحد الذي لا يتغير، وتمرحلت في عدة مراحل بما فيها الكارثي، حتى الوصول إلى ما يشبه الحرب الاهلية في لحظة ما. وحدهما، الأسد ونظامه بقيا ثابتَين، وليس ثمة خيار آخر لديهما.

اليوم، تستمد البنى الثابتة التي تبدو النظرة الجوهرانية إليها صَواباً سياسياً وثقافياً لدى تناولها والحديث عنها، تستمد استمراريتها من عالم يتغير. المتحول يفعل فعله في الثابت، وهو وإن يكن عالماً لم يكف عن التغير في كل لحظة، فإنه يتحول وينكص إلى الوراء، وهذا يبقى تحولاً على أي حال. عالم أنجز ديمقراطياته قبل أكثر من قرن ويقف موقف المتفرج اليوم على شموليات دينية وغير دينية تفتك بمنطقة وبلد كانت جريمته الوحيدة أنه قال: ” فلتتغير سوريا”.

والغرب الديمقراطي، وخصوصاً أوروبا الضعيفة اليوم والتي تغازل المشروع الإيراني والملف النووي لطهران، لا تغض النظر فقط عن ممارسات وارتكابات ستؤسس لخراب أبعد من المنطقة والمشرق وسوريا، بل تساهم فيه على طريقتها الديمقراطية الخاصة، بانتخابات لا غبار على ديمقراطيتها بالفعل ولا على نتائجها التي أوصلت ماتّيو سالفيني إلى الحكم في إيطاليا، وسط تصاعد أصوات اليمين الشعبوي في النمسا وألمانيا ومباركات ماري لوبن، زعيمة “الجبهة الوطنية” في فرنسا، وتهنئتها لسالفيني كزعيم فاشي إيطالي يحمل مشروعاً لا يشبه إلا وجه هذا العالم اليوم.

إلا أن الديمقراطية تبقى في نهاية المطاف نافيةً للأبد، وتقع على الضفة الأخرى من النهر الفاصل بينها وبينه، وهي نقطة لا يجوز التقليل من أهمية وضرورة الوقوف عندها. فهي تتيح تداول السلطة والحكم في البلاد التي أنجزت هذه الديمقراطية ووصلت إليها بالدم والعرَق والتضحيات على مدى عقود طويلة. وعليه، ربما تحمل دورات قادمة بعد سنوات مشاريع سياسية جديدة في مراكز صنع القرار في هذا العالم، وخصوصاً في الولايات المتحدة. وهو ما سيكون من شأنه التخفيف من انتصاب سبابة حسن نصر الله المهددة لكل البشر، وربما ستساهم في رسم مسحة حزن على وجه بشار الأسد بدلاً من ضحكته البلهاء الشهيرة، على ما يعنيه ذلك وما يجره هذا الكلام من اتهامات بالخيانة وتأييد للإمبريالية ضد قائله، وغيرها من تهم تبقى لطيفة ومقبولة جداً قياساً بواقع مناصرة أنظمة وميليشيات الإبادة الجماعية من قبل مثقفين ينتمون إلى تيارات يسارية تناصر تلك البنى والنظم الطائفية سراً، وتناهض الأصوليين والطائفيين شكلياً وبالكلام فقط.

*كاتب وباحث سوري