تبدو الإجابة على سؤال فيما إذا كان على المعارضة اعتماد المصالح أم المبادئ في المفاوضات بديهية، حيث سيجيبك أي عامل في أرض السياسة وأوحالها، أن المصالح والبراغماتية هي العنوان الرئيس للسياسة، وتبدو السياسة القائمة على المبادئ مجرد سذاجة سياسية لا تؤدي، مثلها مثل النوايا الطيبة، سوى إلى الجحيم. وقد يجيبك آخر، مُتلبّساً لبوس الواقعية والموضوعية، إن المبادئ تبقى إطاراً نظرياً تجميلياً للعمل السياسي، في حين مضمون السياسة قائم دائماً على المصالح.

وبإسقاط هذا الأمر على الثورة السورية ليس غريباً أن نسمع من وفود المعارضة وشخصياتها البارزة أنهم يفاوضون استناداً للمصالح مع التمسك بالمبادئ، ومع أن سقف المصالح ينحدر في كل مرة خطوة نحو الوراء، إلا أن إصرار المتحدّث على القول بالتمسك بمبادئ الثورة لا يهتز ولا يتحرك، بل يبقى ثابتاً في القول النظري، رغم ابتعاده العملي والواقعي في غالب الأحيان عن معظم تلك المبادئ.

إن الخلل وسوء التفاهم الحاصل في مسألة المصالح والمبادئ هو التالي: ارتبطت مبادئ الثورة منذ البداية بمصالح أكثرية الشعب السوري المطلقة، حيث إن الديمقراطية والتداول السلمي للسلطة، وإلغاء الأحكام العرفية وحكم الحزب الواحد، والمساواة أمام القانون وإلغاء التمييز والامتياز الطائفي أو الفئوي، وتغيير الدستور وتعدد الأحزاب وحرية التعبير والصحافة والسلام والأمن…إلخ، جميعها مبادئ متشابكة مع مصالح أكثرية السوريين، لكن تفتت المعارضة وانقساماتها الموضوعية جعل من تمثيل تلك المصالح في المفاوضات أمراً مشكوكاً فيه على نحو دائم.

 ربما كان الدرس الأول في التفاوض، أنه لا تفاوض بين غالب ومغلوب، منتصر ومهزوم. المنتصر يفرض شروطه ولا يفاوض إلا على شروط الهزيمة. وبحساب موازين القوى الواقعية على الأرض، الكفّة راجحة دون لبس لصالح النظام وحلفائه.

لكن لماذا يقبل النظام بمبدأ التفاوض، ولماذا يذهب إلى جنيف دون التفاوض مباشرة مع المعارضة، ولم عليه أن يفاوض أصلاً إذا كان منتصراً؟ والجواب المنطقي هو لأن انتصاره المزعوم تنقصه الشرعية الدولية المحكومة بقراراتها السابقة، وهو ملتزم نظرياً بتلك الشرعية التي تفرض مبدأ المفاوضات.

في الواقع، هو يأتي لقضم وتحصيل التنازلات، لا للتفاوض مع المعارضة، حيث إنها؛ ضمن اعتباراته المعززة بانتصاره على الأرض، ليست طرفاً آخر يستأهل التفاوض، ولا ندّاً يمكنه تقديم شروطه تبعاً لميزان القوى، فالمعارضة مهزومة عسكرياً وسياسياً، وتمثيلها السياسي الحالي مُشرذم ومتعدد وغير ممثل رسمياً في الأمم المتحدة أو الجامعة العربية أو أي مؤسسة دولية أخرى، وهذا ما يمنح النظام امتيازاً مسبقاً يجعل مفاوضاته مع المعارضة أقرب ما تكون للمفاوضات الإسرائيلية مع الفلسطينيين.

لكن على الرغم من ذلك فإن النظام مضطر للحضور إلى جنيف، لأن مسار جنيف بحد ذاته هو مسار دولي قائم على قرارات صادرة عن الأمم المتحدة ومجلس الأمن، ولا يمكن تجاوزه دون إجماع دولي غير قابل للتحقق ضمن الظروف الراهنة ولا حتى في المستقبل القريب.

ولذلك اخترعت روسيا مسارات الآستانة وسوتشي، ومعها مسألة الدول الثلاث الضامنة، لأن التفاوض هناك هو تفاوض مع متمردين منفصلين، يعبرون عن مناطقهم لا عن مجمل سوريا التي لا يمثلونها لا قولاً ولا فعلاً، بينما بقي النظام والروس مستفيدين جداً من نقص الشرعية القائم في آستانة وسوتشي لكي يتفرّدوا بالفصائل والمناطق واحدة تلو أخرى، ولكي يضعوهم بين خيارات الاستسلام أحياء، مع بعض الامتيازات الفردية التي تسقط بالتقادم، أو الاستسلام أمواتاً مع خسائر جماعية. ومن المعروف أنه يكفي وجود عنصر واحد من النصرة في أي منطقة ليمتنع النظام والروس عن القبول بأقل من الاستسلام المطلق و”المصالحة الوطنية”، فلا رادع دولي جدّي لهم ولا التزام بشرعة دولية في مخرجات آستانة، ولا خروج في الوقت ذاته عن الاتفاقات الدولية التي تسمّي كل من داعش والنصرة إرهاباً صريحاً.

وعندما أصبحت الأمور على هذا النحو، بات من غير الممكن لأي سوري أن يزاود على فصيل ذهب إلى آستانة وعاد بتنازل عن سلاحه وأجرى مصالحة وطنية تقي منطقته من القصف المدمر، فبقياس المصالح نجد أنه من مصلحة الفصيل ومصلحة المدنيين أيضاً أن يتم القبول بنتائج “المفاوضات” التي كان يجريها الروس مع تلك الفصائل ومع ممثليها السياسيين، رغم ابتعادها المطلق عن مبادئ الثورة، ورغم ترجمتها المعروفة بالاستسلام المطلق على أرض الواقع!

في آستانة؛ أو في أي مكان يرعاه الروس، لا مكان للمبادئ، ولا حتى ضمن إطار تجميلي، الكلام هو للمنتصر، وللأقوى على الأرض. ومن المعروف أن تعامل الروس مع هذا الأمر قائم على مبدأ أنه كلما امتدت آستانة وسوتشي كلما تقلصت جنيف، وكلما أصبحت صورة بروتوكولية من التاريخ، لا يكف الواقع عن الابتعاد عنها وعن مطالبها المرتبطة بالقرارات الدولية منزوعة الأنياب.

يعتقد الروس والنظام على نحو عميق، أنهم سيحصّلون سياسياً نتائج الانتصار العسكري، لكن تلك الفكرة الميكافيلية القديمة لا تصلح سوى في الفراغ، أو في عالم منعزل عن بعضه ضمن سيادات وطنية متحررة من التأثير الخارجي والدولي. وفكرة السيادة تلك هي فكرة جوهرية في مجمل العقيدة البوتينية وحربه “المقدسة” ضد “النظام” العالمي الجديد. وعلى الرغم من النجاح النسبي لتلك العقيدة، كما أثبت كل من البريكسيت وصعود ترامب واليمين الشعبوي والقومي في أوروبا، إلا أن خط اتجاهها المعاكس للواقع المعولم يصطدم في كل مرة باستحالة العودة إلى السيادات المعزولة ضمن واقع موضوعي متشابك اقتصادياً وسياسياً وبشرياً بطريقة لا فكاك منها، ولا خلاص من فروضها.

تتجلى تلك الحقيقة في واقع أنه مهما كان انتصار الروس والنظام حاسماً على الأرض، لن يستطيعوا حصد النتائج السياسية لتلك الانتصارات على مزاجهم، فهم لا ينتهون من ملف النصر العسكري حتى يواجهوا ملف وجود إيران وأمريكا المعقّد على الأرض، ولا ينتهون من هذا حتى يواجهوا ملف إعادة الإعمار الأكثر تعقيداً، ولا يخرجون من هذا قبل رفع ملف المعتقلين والمختفين قسرياً وجرائم الحرب وصياغة الدستور والانتخابات… إلخ، وفي كل هذا لا تلعب روسيا في الفراغ ولا يمكنها أن تلعب وحدها، بل هناك مصالح متشابكة جداً لدول كثيرة وكبيرة لا تتفق مصالحها بأي شكل مع طريقة الحل الروسي ونتائجه، ومهما كان مستوى التزوير وغض النظر عن الحقائق، الذي تمارسه الأمم المتحدة؛ وديمستورا شخصياً، أو حتى أمريكا وبعض والدول الأوروبية، فإن هناك واقع وشرائع تصطدم بها تلك الدول في كل مرة تحاول فيها خداع نفسها.

لكل ذلك نرى أنه من مصلحة المعارضة السياسية التفاوض بالمبادئ، والتي هي حرفياً جملة مصالح أكثرية الشعب السوري النظرية والعملية وضمن حدود الوطنية السورية وجغرافيتها، أما التفاوض بالمصالح تحت سقف الانتصار هنا أو الهزيمة هناك، وتحت سقف الواقعية البليدة وقصيرة النظر، فهو ليس سوى طريقاً واسعاً للتنازلات المتدرجة التي لن تؤدي، مثلها مثل النوايا الطيبة، سوى إلى الجحيم.

*كاتب سوري