ثمة عبارة ينسبها الراحل غسان تويني إلى رئيس جمهورية لبنان الأسبق، الياس الهراوي، لدى سؤاله عمّن يختار رئيس الجمهورية في لبنان. وكان جواب الهراوي: “الروح القُدُس هو الذي يختار رئيس الجمهورية. هو الذي اختارني وهو الذي مدّد للرئيس إيميل لحود”.

هذا الجواب لا يخلو من كاريكاتورية، ولا يثير إلا الضحك فيما إذا أُخذ بالشكل المجرد والحرفي بعيداً عن سياق آخر له. وهذا السياق الآخر لا يتعلق بالإيمان المفترَض لدى رئيس لبنان، الماروني دائماً، بالقوى الغيبية التي يمكن لها أن تتنطح لتقول كلمتها في استحقاق رئاسي أو أي استحقاق سياسي غيره. بل لأن “الروح القدس” هو الذي كان يختار الرئيس اللبناني فعلياً وعلى مدى سنوات من عمر وصايته على “بلاد الأرز”. وهو “روح قدس” وضعي، أرضي، أخذ تفويضاً من “آلهة” أرضية في عواصم أخرى لإدارة شؤون لبنان وعلى مدى سنوات طويلة.

فمنذ مؤتمر الطائف وحتى انسحابه من لبنان، كان نظام الأسدَين هو الآمر الناهي والمتحكم الأساسي بمفاصل السياسة والأمن والحياة العامة في لبنان، وكان جلّ القادة والزعماء السياسيين اللبنانيين يذهبون إلى دمشق لتلقي الأوامر أو لاسترضاء أولي الأمر هناك. والمحظوظ من بينهم كان يكتفي بمسافة أو مشقة سفر أقل من غيره عبر رحلة قصيرة إلى عنجر في لبنان، وليس إلى دمشق بالضرورة. لا نعرف دوافع مقولة الياس الهراوي تلك. هل كانت كلاماً من رئيس يؤمن بالغيبيات ودورها في تحفيز النواب اللبنانيين على تعديل الدستور أو التمديد للرئيس أو ترسيخ العسكر في السلطة و غير ذلك، أم أنها كانت إشارة وبشكل غير مباشر إلى الدور المركزي لنظام دمشق في ذلك! أياً كان السبب وأياً كانت الرؤية، فمن المؤكد أن كلامه يفتح باباً للنقاش حول “الاستقلال”، والاستقلال هنا لا يتعلق باستقلال السياسة عن “الروح القدس” في السماء، بل باستقلالها عنه في الأرض.

حكَمَ النظام السوري لبنان (وسوريا) بتفويض خارجي، أمريكي وإسرائيلي بشكل رئيسي. ولم يكن تحكم نظام الأسدَين بلبنان وتدخله في أدق تفاصيل السياسة والقرار فيه ليدوم إلى الأبد (على عكس ما كانت تتوهم ذهنية وبنية نظام يقوم أساساً على الأبد)، وذلك بفعل متغيرات دولية كثيرة لم يكن نظام كالنظام السوري ليلتقطها ويفهمها. هكذا، حصلَ انسحابه من لبنان بفعل الضغط الدولي والقرار 1559 أولاً والانتفاضة اللبنانية الشعبية الكبيرة ضده، ثانياً. لكن، لم تكن طريقة دخول النظام السوري إلى لبنان بتفويض خارجي، ثم انسحابه منه بضغط وقرار دولي لتوحي إلا بأننا أمام نظام يتوسل الخارج في علاقته مع دول الجوار وفي علاقته مع السوريين داخل سوريا أيضاً، لإدامة حكمه وسيطرته على سوريا ولبنان معاً. وهذا يلغي “الفرادة” اللبنانية، ليضيف إليها الحالة الأسدية التابعة، بشكل أو بآخر، إلى خارطة التوازنات الدولية وتحولاتها. وتوسُّل الخارج ليس في النهاية إلا شكلاً من أشكال التبعية، مع ملاحظة الفارق عن النموذج اللبناني الذي يكمن في هشاشة لبنان ككيان ومؤسسات نتيجة تبعية القرار السياسي ونتيجة التفتت والانقسام الداخلي، بالمقارنة مع نظام تقوم علاقته بالسياسة الدولية في المنطقة ولعبه على تناقضات “الخارج”، تقوم على “ضبط” الداخل بالقبضة الأمنية وبالقمع والإرهاب، وعلى صلاحيات إجرامية وقبضة مفتوحة واسعة في الخارج وفي لبنان خصوصاً، وقد عرفنا أمثلة أسدية كثيرة عنها في هذا البلد، عبر الاغتيالات وحروب المخيمات وحصارها في السبعينات والثمانيات، وما تلاها من تدمير سياسي واجتماعي.

هذا جزء مما كان عليه الحال قبل الثورة السورية. أما بعد عام 2011، فاختلف الأمر وأخذ “الروح القدس” أشكالاً جديدة تبعاً لتطورات وتحولات الواقع على الأرض السورية. في البداية، حاول رامي مخلوف توسّل “الروح القدس” في تل أبيب عبر تذكيره بأن أي خطر على النظام السوري سيشكل خطراً على إسرائيل أيضاً. لا نفترض أن إسرائيل كانت بحاجة إلى تذكير “رجل الأعمال” الشهير لها بذلك، إلا أن الكلام إياه كان دلالة على محاولة ترسيخ “هيمنة” داخلية عبر توسّل “الخارج”. لم تكن المعارضات السورية بدورها في منأى عن التبعية والارتهان للخارج على تنوع هذا الخارج ودوله، وخصوصاً الدول الإقليمية، ولهذا الموضوع حديث آخر يطول.

لكن، ومع التدخل العسكري الروسي المباشر في سوريا (سبتمبر/ أيلول 2015) لصالح النظام، تعززت تبعية هذا الأخير إلى جهة واحدة هي روسيا فلاديمير بوتين، وذلك بعد سنوات من عمر الثورة، وهي سنوات كان الموقف الغربي والأمريكي ينوس فيها يميناً وشمالاً، وهو موقف دول كبرى فوضت النظام السوري ليحكم لبنان وسوريا لسنوات طويلة. لم يكن ثمة تحولات كبيرة وواضحة في مواقف الدول الغربية تجاه الصراع السوري سوى بالكلام والمواقف السياسية وفي وسائل الإعلام، إذا ما أضفنا إليه دور الإدارتين الأمريكيتين وخصوصاً إدارة أوباما في بقاء واستمرار النظام السوري. إلا أن “الغرب” ودوائره السياسية تبقى مرشحة لتكون أكثر مرونة وقابلية للتحول وفق ما تمليه الضرورات والمصالح على الأرض وفي سائر المنطقة (أليس تحول الموقف الأمريكي من النظام السوري في لبنان مثالاً على ذلك؟). وهي تبقى في النهاية دولاً يكون للسياسة حظ أفضل لديها قياساً ببلدان مثل روسيا بوتين أو إيران خامنئي. ربما لهذا السبب بالذات، وجدَ الأسد في بوتين ذلك “الروح القدس” الذي يحميه من تحولات ممكنة في موقف غربي كان ربيب بشار الأسد وأبيه لسنوات طويلة.

التوجه الأسدي نحو بوتين بصفة هذا الأخير “الروح القدس” المستجِدّ، كان ارتماءً نهائياً في أحضان القيصر الروسي، ولم يكن مشهد زيارة بوتين إلى قاعدة حميميم وطريقة تعاطيه مع الأسد واستدعاء الأسد منفرداً إلى موسكو إلا دلالات على ذلك.

ليس هناك ما يشير إلى أن فلاديمير بوتين سيتخلى عن طفله التابع والذي حقق له في سنوات قليلة من النفوذ والسيطرة والتوسع ما لم يكن يحلم به. سيكون التنبؤ بالمستقبل ضرباً من ضروب التنجيم، إلا أن الحاضر والماضي يقولان لنا الكثير حول بلدان لم تكن يوماً إلا لعبة بيد القوى الدولية وتجاذباتها، وإن بأفظع أشكال الإجرام والاحتراب الداخلي، مع الإقرار بأن فكرة “استقلال القرار” هي فكرة كانت وما تزال بعيدة المنال تبعاً لطبيعة الأنظمة الحاكمة أساساً، ولمكونات أهلية ومجتمعات يرتفع صوتها بالعودة إلى الهويات الأولى في الطائفة أو الدين (أكثرية وأقليات، مثلاً)، وهذه بدورها مجال خصب للاستثمار الخارجي فيها وإطالة عمر المقتلة بشكل أو بآخر.

*كاتب سوري