لم يكن زياد يعرف ما الذي ينتظره بعد رحلة أشبه بالموت قطعها من تركيا إلى اليونان على متن قارب مطاطي جمعه وستين شخصاً إلى أرض الحلم الأوربي. حمل عائلته وهرب في البدء من حلب التي “تدمرت فوق رأسنا” إلى تركيا، حيث ضاقت به الحياة ووصفت له رحلة الموت بأنها رحلة مؤقتة سيصل بعدها إلى قلب الحلم، قطعها الرحلة ليعلق في واحد من أسوأ مخيمات اللاجئين في العالم. لم يعد يستطيع المضي إلى الامام ولاالعودة للخلف، ولا حتى المراوحة في المكان عادت ممكنة. زياد مثله مثل عائلات كثيرة هربت من الحرب السورية الطاحنة والقمع المخيف من قبل النظام السوري أو الجماعات المسلحة، ففقد الحياة هناك وفقد الحلم هنا.

يقع مخيم موريا على تلة جميلة تحيط به أشجار الزيتون من كل جهة، وفي عمقه يختزل معاناة لا تليق بالكائنات البشرية. يمكننا وصف هذا المكان بأنه أسوأ مكان يعيش فيه اللاجئون في العالم، خصوصاً أنه يقع في أوربا التي يفترض أن تكون متقدمة على غيرها من بلدن العالم الثالث فيما يتعلق بمعاملة اللاجئين وانتهاكات حقوق الإنسان.

يفتقر المخيم لأدنى المقومات الصحية والإنسانية، وفي الأيام الماضية صدر تقرير عن مؤسسة صحية رسمية بأن المخيم يعتبر كارثة صحية، يفتقر للشروط التي وضعت من قبل المفوضية السامية لحقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة، لدرجة أن محافظ مدينة متيليني عاصمة الجزيرة وصف المخيم بإحدى “مخيمات التركيز” نظراً للظروف القاسية التي يعيشها اللاجئون واللاجئات.

وحيث يمكن للاجئين مغادرة المخيم إلى المدينة، إلا أنهم ممنوعون من مغادرة الجزيرة إلى أراضي البر اليوناني، إلا الذين يحصلون على استثناءات بسبب وضعهم الصحي أو النفسي، وبذلك تتحول الجزيرة إلى سجن كبير شديد الاكتظاظ، يولد العنف والتوتر بين اللاجئين، خصوصاً الشباب، وتظهر فيها العصبيات القومية والمناطقية والاختلافات الثقافية…

أما خارج المخيم في أحد كروم الزيتون، فيقيم عشرات المئات من القادمين الجدد في خيم لا تصلح للشتاء اليوناني القاسي، إذ تتحول الأرض إلى مكان موحل يصعب على اللاجئين المرور فيه، وفي كرم الزيتون الممتد على طول سور المخيم لا توجد أي منشآت صحية، ويعتمد اللاجئون على المساعدات من متطوعين أو من سكان المخيم على تلقي نوعية سيئة جداً من الطعام.

ماجدة، شابة سورية وصلت مع عائلتها من مدينة عانت وتعاني من ويلات الحرب السورية.  اعتقل والدها لفترة طويلة عن عصابات داعش الإرهابية، وحين دخلت قوات النظام مدينتها، تم اعتقال الأب مرة أخرى مع رجال آخرين، ولم تتسنَّ لها معرفة أي أخبار عنه منذ اعتقاله. وصلت ماجدة مع أمها وإخوتها إلى اليونان منذ سبعة  أشهر، آملين في الوصول إلى الأمان المفقود في سوريا. ما زالت ماجدة تعيش مع عائلتها في خيمة في كرم الزيتون بدون أي أمل بالحصول على استقرار، وبدون الحصول على إمكانية لمتابعة تعليمها، ولم يحصل أخوتها الصغار على حق التعليم ولا على الرعاية الصحية.

صمم مخيم موريا، الذي كان في السابق ثكنة عسكرية، ليتسع لأقل من ألفي لاجئ ولاجئة، لكنه الآن يحتوي على أكثر من 8000 شخص يعاني معظمهم من العيش في شروط إنسانية مهينة، حيث يتشارك كل 70 شخصاً بحمام واحد شديد الاتساخ ويعانون من انقطاع الماء في أحيان كثيرة.

وقد انعكست هذه الأوضاع على الحالة النفسية للاجئين، ووفقاً لدراسة نشرت حديثاً من قبل إحدى منظمات الإغاثة، يعاني حوالي 60% من سكان المخيم من أمراض نفسية، والعديد منهم يحضر إلى عيادات الطب النفسي التابعة للمنظمة. وقد اشتكى الكثيرون من محاولتهم أو التفكير بالقيام بإنهاء حياتهم احتجاجاً على الظروف التي يعيشونها.

وفي الأيام القليلة الماضية، نشرت صحيفة يونانية مقالاً ذكرت فيه أن الحكومة اليونانية حصلت على ما يقارب 1.6 مليار يورو من الاتحاد الأوربي من أجل العناية باللاجئين لكن، وفقا للصحيفة- قامت الحكومة اليونانية بتبذير الأموال التي حصلت عليها من نوعية الطعام المقدمة للاجئين إلى خدمات المرافق الصحية.  وأارتت الصحيفة إلى قيام وزير الدفاع اليوناني بإعطاء عقود لبعض معارفه بدون القيام بإعلان منافسة أو التحقق أن الشركات التي أبرم معها العقود قادرة على تقديم الخدمات المطلوبة. وبخطوة مثيرة للقلق، تم اعتقال رئيس تحرير الصحيفة ومن ثم تقديمه للمحاكمة بعدما تقدم الوزير بدعوى قضائية ضد الصحيفة. وما يؤكد صحة ادعاءات الصحيفة هو نوعية الطعام السيئة جداً المقدمة للاجئين وكذلك حالة المرافق الصحية وسائر الخدمات في المخيم.

لا شك أن لدى السلطات اليونانية كل الإمكانيات التي تساعدها على تقديم شروط صحية ومعيشية جيدة للاجئين في جميع المخيمات المنتشرة على الأراضي اليونانية، لكن الحقيقة مع الأسف تشير إلى عكس ذلك.

وهنالك فكرة تنتشر بين اللاجئين والكثير من المتطوعين الذين يعملون في/قرب مخيم موريا مفادها أن السلطات اليونانية ومن ورائها الاتحاد الأوربي يتقصدون فرض شروط سيئة على اللاجئين، مما يوقف اللاجئين عن التفكير بالقدوم إلى اليونان ومن ثم دول الاتحاد الأوربي. ورغم عدم وجود أدلة ملموسة على ذلك، لكن استمرارية الشروط المعيشية السيئة تقوي الاعتقاد به.

ومما يزيد الشكوك، انطلاق حملة مثيرة للقلق من قبل السلطات اليونانية ضد المتطوعين والمتطوعات، تقوم على الترهيب أو الاعتقال بحجة “تهريب البشر”. ففي  تطور جديد قامت السلطات اليونانية باعتقال متطوعات وعاملين في منظمات إنسانية تقدم الدعم للاجئين بحجة تهريب البشر. وقد شملت الاعتقالات اعتقال شابتين سوريتين قامتا بدفع مركبهن إلى الشاطئ بعدما تعطل وسط البحر وقد كانتا أيضاً تعبران إلى أوربا على نفس المركب. لقد صارت عملية إنقاذ اللاجئين جريمة يعاقب عليها القانون اليوناني لسوء الحظ. وهنالك اعتقاد كبير بين المتطوعين والمتطوعات، بأن الحكومة اليونانية تظن أن وجود المتطوعين يشجع اللاجئين على القدوم إلى اليونان. بالتأكيد هذا اعتقاد خاطئ، فالغالبية الساحقة من اللاجئين فروا من الحروب أو من اضطهاد أنظمة بلادهم.

على الرغم من أن السلطات اليونانية قامت في الأيام الماضية بنقل عدة مئات من اللاجئين إلى أماكن أخرى من اليونان، أغلبها مخيمات نائية على الحدود الألبانية، إلا أن المخيم يبقى شديد الاكتظاظ، وما لم يتخذ قرار سياسي على مستوى السلطات اليونانية وعلى مستوى الاتحاد الأوربي بحل مشكلة مخيم موريا بشكل جذري يحفظ لهؤلاء اللاجئين حقوقهم الإنسانية الأساسية التي ضمنتها مواثيق الأمم المتحدة ومعاهدات جنيف، فإن الكارثة الإنسانية ستستمر. وما لم يحصل ضغط من أجل حلول سياسية ووقف الحروب التي يشنها النظام السوري على الشعب السوري ووقف انتهاكات أنظمة بلدان أخرى على شعوبها أيضاً، فإن تدفق اللاجئين سوف يستمر لأن الطبيعة الإنسانية تحتم على الإنسان البحث عن مكان آمن.

*كاتب سوري