في السبعينات من القرن الماضي، انتشر في الأوساط الفلسطينية والسورية الموالية لنظام حافظ الأسد كتاب بعنوان “ماذا نأخذ بالمفاوضات؟”. وقد وقَعتُ عليه صدفة في دمشق في عام 2001 على ما أذكر على “بسطة” تحت “جسر الرئيس” في دمشق. والحال، أن الكتاب الذي لم أستطع إتمام قراءته يومها ولا أتذكر حتى اسم مؤلفه، كان يتحدث عن تجربة الرئيس المصري الراحل أنور السادات في مفاوضات كامب ديفيد، ويضرب أمثلة البطولة والصمود في نموذج الأسد الأب “الذي لم يفاوض”.

قد يكون هذا المثال مفيداً في الحديث عن “المفاوضات” بين المعارضة السورية وبشار الأسد، ذلك أنه ثمة تياران يبرزان اليوم في أوساط القوى والشخصيات المعارضة التي شاركت في الثورة السورية (وبعضها محسوب شكلياً على المعارضة). التيار الأول هو ما يمكن أن نسميه بتيار “سوق عكاظ”، الذي يدمن ويحترف الخطابة اللفظية والدعوة إلى القتال حتى الرمق الأخير، وسط ظروف مريعة ابتلع فيها الأسد سوريا وما كان فيها خارجاً عن سطوته  وسيطرته سابقاً، بينما تتقاسم الاحتلالات باقي هذه الــ “سوريا”. والتيار الثاني هو تيار يوافق الأول في اعتماد الخطابات الرنانة كمنهجية أيضاً، لكنه يدعو إلى تقديم التنازل تلو الآخر لنظام بشار حافظ الأسد على أمل الوصول إلى “حل سياسي” يمنحه إياه نظام “كل شيء أو لا شيء”.

هناك قناعة لدى شرائح واسعة من السوريين المعارضين جذرياً للأسد ولبقائه، تقول بأن الحل السياسي يمكن أن يشكل نهاية وخاتمة للمأساة، خاتمة للحرب السورية فقط عندما يكون هناك قرار دولي بالحل الحقيقي، وليس قرار سوري بالطبع. ومن الواضح أن سقف طموحات السوريين كان يهبط بشكل غير منتظم وعشوائي مع القرارات الدولية المتلاحقة التي يختلف كل منها عن سابقه، ثم المسارات “السياسية” المختلفة (جنيف، أستانة، مسرحية سوتشي..) ثم توسيع هيئة التفاوض لتضم منصات الوطن “العظيم” الذي “اخترع الأبجدية منذ آلاف السنين”، واختراق الهيئة وتفخيخها بشخصيات محسوبة على النظام مباشرة أو بشكل غير مباشر. هذا كله يبقى انعكاساً لعدم وجود إرادة دولية أو مصلحة دولية حتى اللحظة بالحل السياسي الحقيقي والمنصف للسوريين، وتبقى الأمور مفتوحة على كافة الاحتمالات الكارثية على ما يبدو حتى الآن.

ومنذ بداية الثورة أو “الأزمة” كما يسميها بعض “المعارضين”، كان ثمة تيار ينسب إلى نفسه تسمية “الواقعية السياسية” ويطالب بالتطبيع مع نظام الأسد و”يعارض” تحت سقفه. ومع الانكسارات الكبرى التي لحقت بالثورة وجناحها المدني والعسكري، صار لا بد، طبعاً، من وقفة نقدية من قبل العاملين في الشأن العام السوري كمعارضين جذريين لنظام الأسد لقراءة المرحلة الحالية، في ظل قناعة عامة لدى الكثيرين بأن نظاماً كهذا لا يمكن الركون إليه ولا يمكن أن يكون سياسياً ولو للحظة، هذا حتى قبل أن نتحدث عن كمّ الجرائم الهائلة التي ارتكبت بأوامر شخصية من بشار الأسد نفسه، أو “مقام الرئاسة” كما يسميه الأستاذ جمال سليمان أحياناً، و”الرئيس السوري” بحسب تعبير قدري جميل (الأستاذ هو الآخر، أيضاً)”. واستطراداً، فإنه ثمة فارق كبير بين الواقعية السياسية التي تفهم الأسباب والمقدمات التي أوصلت سوريا إلى هذه الكارثة الكبرى التي تعيشها اليوم، والظروف الدولية والإقليمية الممانعة للتغيير، وكوارث المعارضة السورية ومؤسساتها على مدى السنوات الماضية، وتحاول أن تتعاطى مع المرحلة الحالية بتجديد خطابها السياسي وأفكارها مع الحفاظ على ثوابت تفرضها طبيعة النظام أولاً وليس أي شيء آخر.. وبين “واقعية سياسية” مُدّعاة بخطابات منمقة تنسب إلى نفسها، لفظياً وإنشائياً، مشاعر “الخوف على اللاجئين والدفع باتجاه حقهم في العودة، أو مطوّلات الحديث عن الدم السوري المُراق وضرورة وقفه” وغير ذلك من إنشاء يبقى الخلاف حوله في من يمكن أن يوقفه ويوقف المأساة كلها. والواضح أن الجلاد والقاتل هو من يمكن أن يقوم بهذه العملية الإنسانية بالنسبة للبعض، لتنتهي الأمور نهايات سعيدة كأي عمل درامي سوري في رمضان. (سبق للأستاذ لؤي حسين أن وعد بتقديم ضمانات على مسؤوليته الشخصية مع الروس لعودة اللاجئين، في الوقت الذي كان غير قادر على تقديم ضمانة لنفسه للعودة إلى سوريا).

وإذا كانت الأجواء الدولية لا تدفع ولا تبالي حتى هذه اللحظة بوضع حد للمأساة السورية، فيما يبدو أنه لم يحن أوان الصفقة والمقايضة الكبرى بين دول عظمى تتحكم بسوريا وبمصير هذا الكوكب “السعيد” بأسره، فإن الأجواء المحلية تبدو مواتية دائماً لمقايضات وتجارة من سياسيين محليين قال عنهم ديمستورا إنهم معارضون، قبل أن يمضي ويغادر عمله بهدوء شاعر يلقي قصيدة عن السلام..

***

“لقد هزمت مؤقتاً، ولكن اتجاه التاريخ في النهاية يعمل لصالحي”. يورد المفكر الشيوعي الإيطالي أنطونيو غرامشي هذه العبارة في أحد نصوصه كمثال عن الاستكانة الساذجة لمسار خطي للتاريخ، وهي عبارة، لا بد من وجهة نظر قائليها، أن تنهي المعضلات والكوارث والهزائم نهاياتٍ سعيدة. ويعتبر غرامشي هذا الخطاب نوعاً من أنواع “الجبرية” و”القدرية” التي تشبه “الغائية العاطفية في الديانات الروحية”، ويتابع قائلاً إن “هذه الحتمية يمكن تفسيرها كفلسفة ساذجة تعتنقها الجماهير فتكون عنصر قوة داخلي، إلا أنه وعندما يتبناها المثقفون كفلسفة متماسكة ومتكاملة، تمسي سبباً من أسباب الاستكانة والاكتفاء الذاتي الأحمق”.

ربما يكون من الأجدى، وانطلاقاً من مقولة غرامشي ونقده للحتميات، أن يقبض المرء بقوة وأن يَثبت على معاندة كل ما يمكن من شأنه أن يفضي إلى تعويم القاتل وحاشيته مجدداً، وأن يفتش عمن يشبهونه ويلتقي معهم. المعاندة قد تكون هي الخيار الوحيد في هذه الظروف، وهي فاعلية سياسية وثقافية وإن على نطاق ضيق، في زمن تتسع فيه رقعة الاسترخاء والاستراحة إلى النهايات السعيدة الحتمية وانتظار الخلاص والمخلص، وتزدهر فيه أيضاً خطابات “الواقعية السياسية” المفترضة ومشاعرها الزائفة.

*كاتب سوري