بعد مرور أكثر من ثلاث سنوات على الخروج الفعلي لمعظم أراضي محافظة إدلب عن سيطرة النظام السوري، يدفع السوريون في المحافظة يومياً ثمن الحرب الهوجاء التي عاشتها المحافظة لسنوات على كافة النواحي الخدمية والأمنية. ولعل الجانب التعليمي في المحافظة هو أحد أهم الجوانب التي يبرز الحديث عنها كموضوع متعلق بمستقبل جيل كامل من الأطفال والشباب السوري في المحافظة الشمالية.

فما هو واقع العملية التعليمية اليوم في محافظة إدلب؟ إلى أي مدى أثرت الحرب على سيرورة العملية التعليمية؟ ما هي مصادر الدعم الحالية للمؤسسات التعليمية في المحافظة وما هي الصعوبات التي تواجه المسؤولين عنها؟

الوضع الأمني، الانقسام الإداري والدعم غير الحكومي:

يرزح الواقع التعليمي اليوم في المحافظة تحت وطأة الوضع الأمني من جهة، وعلى وجه الخصوص في المناطق الحدودية والقريبة من مناطق سيطرة النظام السوري، وبين قلة الدعم وصعوبة تأمين مستلزمات العملية التعليمية من جهة أخرى. وتبرز تبعية الكوادر التعليمية كمشكلة جوهرية ونقطة خلاف رئيسية، حيث يتبع عدد منهم إلى مديرية التربية الحرة التي تأسست بعد سيطرة المعارضة بالكامل على مدينة إدلب وريفها. فيما يتبع آخرون إلى حكومة الائتلاف الوطني خصوصاً في المناطق الشمالية الواقعة تحت السيطرة التركية والتي باتت تعرف بمنطقة “درع الفرات”، وتتولى المنظمات الدولية والإقليمية مهمة الإشراف على عدد آخر من المدارس والمعلمين في بعض المناطق.

خالد الحمصي، مدرس رياضيات سابق من معرة النعمان، تحدث لبوابة سوريا عن صعوبات العمل في ظل الانقسام الإداري والتنظيمي داخل المحافظة بقوله: “تتقاسم حكومتا الائتلاف والإنقاذ العمل الإداري والسيطرة التنظيمية داخل المحافظة، فبينما ينحصر دور حكومة الائتلاف بالعمل داخل مناطق درع الفرات، تتولى حكومة الإنقاذ والتي تم تشكيلها بعد انعقاد المؤتمر السوري العام في ١٧ أيلول/ سبتمبر من العام الماضي السيطرة على بقية المناطق. إعلان تأسيس هذه الحكومة أثر نوعاً ما بشكل سلبي على الدعم الدولي والإقليمي للمحافظة فيما يخص المجال التعليمي بشكل خاص والخدمي بشكل عام. فقد تأسست حكومة الإنقاذ بدعم من هيئة تحرير الشام (جبهة النصرة سابقاً) في محاولة لإضفاء واجهة مدنية للهيئة، إلا أن وقوف الهيئة خلف هذه الحكومة بغالبية مكوناتها كان سبب رفض العديد من المنظمات تقديم الدعم في المجال التعليمي. وبعد الكثير التجاذبات والانقسامات ما بين الفصائل وحكومتي الإنقاذ والائتلاف، تم الاتفاق بين الأطراف جميعها على تحييد مديرية التربية الحرة لتعمل ككيان مستقل من أجل إكسابها شرعية لدى المنظمات الداعمة، وهو ما حدث.”

دخول المنظمات الداعمة غير الحكومية أعطى التعليم في المحافظة دفعاً ملموساً، إلا أن المشاكل المرافقة للعملية بقيت على حالها، فلم تظهر أية معايير واضحة بالنسبة لمواطني المحافظة بخصوص اختيار المدارس التي تتلقى الدعم، إضافة إلى تفاوت الرواتب الممنوحة للمدرسين والتي قد تصل إلى ٢٥٠ دولار أمريكي شهرياً في بعض المناطق في حين لا تتجاوز ١٠٠ دولار في مناطق أخرى. يذكر أن معلمي المدارس العاملة تحت إشراف التربية الحرة بشكل مباشر يتلقون رواتبهم لمدة ستة أشهر فقط تبدأ من الشهر ١١ وتنتهي بالشهر الخامس من كل عام، وهو ما يخلق واقعاً معيشياً غير مستقر لدى المدرسين العاملين في المديرية.

(محمد. ع)، مدرس ومتابع لمعايير الحماية في تربية إدلب، تحدث لبوابة سوريا عن الواقع الحالي على الأرض بالنسبة لموظفي ومدرسي التربية في المحافظة. وبحسب محمد، فإن التفاوت في الدعم خلق جوانب سلبية كثيرة وأجبر العديد من المدرسين على متابعة التعامل مع تربية النظام حيث تم افتتاح مبنى جديد لمديرية تربية إدلب في مدينة حماه، ورغم عدم وجود سلطة فعلية لتربية حماه على أية مدرسة داخل إدلب، إلا أن النظام السوري لا يزال يرسل حتى اليوم المرتبات الشهرية بشكل دوري عبر وسطاء إلى عدد كبير من المدرسين داخل المحافظة. “من وجهة نظر شخصية، متابعة الإمداد الشهري من حكومة النظام لعدد من المدرسين هو في سبيل إظهار وجوده الفعلي على الأرض بشكل أو آخر أمام مؤيديه وأمام الرأي العام العالمي، فعلى الرغم من خروج المحافظة فعلياً عن سيطرة حكومة الأسد، إلا أن النظام ما فتئ يحاول بشتى الطرق إظهار حرصه على سير العملية التعليمية ودعم الواقع الخدمي. الأمر امتد إلى عدد كبير أيضاً من موظفي الإرشاديات الزراعية على سبيل المثال وعدد من القطاعات الخدمية الأخرى. وفي ظل صعوبة العيش والواقع المعيشي، فقد اضطر الكثير من المدرسين والموظفين إلى إبقاء تعاملهم المادي مع النظام، ما خلق جدلاً كبيراً وانقساماً في وجهات النظر بين الأهالي في المحافظة، فمنهم من اعتبرَ هؤلاء خائناً متعاملاً مع قاتل أطفالهم، فيما برر آخرون لهم ذلك بصعوبة تأمين لقمة العيش في ظل الغلاء الفاحش في الأسعار داخل المحافظة. ولا بد من الذكر هنا أن عدداً من هؤلاء المدرسين قد حاول الخروج والوصول إلى مديرية التربية في حماه لتسوية وضعه المهني هناك، إلا أن الغالبية منهم اعتُقلوا على الحواجز الأمنية التابعة للنظام والمنتشرة بين المدينتين إضافة إلى انقطاع أخبار آخرين بشكل نهائي منذ لحظة خروجهم.” يضيف محمد.

ماذا عن المناهج؟

شكلت المناهج التعليمية نقطة خلاف جوهرية لدى مسؤولي التعليم في المحافظة، إلى أن تم الاتفاق على تشكيل لجنة تتكون من عدد من المختصين في المحافظة وبإشراف عدد من المنظمات الداعمة، مهمتها تعديل المناهج التربوية، وبحسب محمد، فقد بقي المنهاج محافظاً على شكله السابق بالنسبة العظمى منه فيما شمل التغيير بعض التعديلات لتصحيح بعض المغالطات التاريخية في كتب التاريخ، إضافة إلى حذف منهاج التربية القومية نهائياً وشطب كل ما يتعلق بتمجيد البعث والعائلة الحاكمة في المناهج.

تفاوت تعليمي بين الشمال والجنوب في المحافظة

يتوقف عمل المدارس في المناطق الجنوبية من المحافظة على القصف اليومي من مدفعية وطيران النظام وأوقاته، وهو ما أدى إلى إغلاق عدد كبير من المدارس في تلك المناطق حرصاً على الطلاب وعلى عدم تكرار عدة مجازر حصلت خلال الأشهر الماضية لعلّ أشهرها كان مجزرة كفر البطيخ التي ذهب ضحيتها ما يقارب العشرين طفلاً بعد تعرض مدرسة البلدة لقصف بالطيران، فيما تبدو الأمور أكثر سلاسة في المناطق الشمالية السورية الواقعة تحت سيطرة القوات التركية والفصائل السورية الداعمة لها.

ياسر ديري، مدرس جغرافية في مدينة عفرين، وصف الوضع التعليمي في المدينة “بالمستقر” وأكد أن العملية التعليمية تسير بشكل منظم ودون أية معوقات تذكر. ويضيف ياسر: “المشكلة الأكبر تكمن في الخبرات والتعيينات، فرغم أن التربية هي قطاع مستقل حسب ما تم الاتفاق عليه، إلا أن الواسطات والمحسوبيات تتدخل حتى اليوم في تعيين المدرسين، الأمر الذي ينعكس على جودة التعليم بشكل سلبي في منطقة تعتبر حكومة الائتلاف مسؤولة عنها بشكل مباشر إدارياً وبرعاية تركية”.

ابتدائي، إعدادي، عسكري

ظروف عديدة دفعت وتدفع الكثير من الطلاب إلى إنهاء تحصيلهم العلمي حال وصولهم إلى المرحلة الثانوية، ولعلّ أهم تلك الظروف يتمثل في صعوبة تحصيل لقمة العيش، خصوصاً لدى النازحين من قراهم إلى مناطق أخرى داخل المحافظة. إضافة إلى ذلك، يبدو الأفق ضيقاً لدى الشباب في متابعة التحصيل العلمي الجامعي خارج المحافظة، ويرجع ذلك لعدة أسباب أولها عدم إمكانية الحصول على شهادة ثانوية عامة معترف بها من حكومة النظام إضافة إلى صعوبة الالتحاق بالجامعات السورية الأخرى. ورغم إصدار الائتلاف الوطني السوري المعارض شهادات إعدادية وثانوية خاصة بالمناطق المحررة، إلا أن هذه الشهادات لم تلقَ اعترافاُ يسمح لحامليها بمتابعة تعليمهم، ولم تعترف بها إلا بعض الجامعات التركية الحكومية والتي عادة ما تطلب رسوم تسجيل لا يتمكن معظم طلاب المحافظة من تأمينها في ظل الوضع المعيشي الحالي. كل هذه الأسباب وضعت طلاب المحافظة أمام قرار إيقاف تحصيلهم العلمي حال وصولهم للمرحلة الثانوية، فكان البديل الأول والمباشر هو الالتحاق بالفصائل المسلحة في سبيل تأمين سبل العيش والحصول على رواتب تسمح لهم بإعالة أسرهم. فيما يبدو الوضع أسوأ في المناطق المتاخمة لمناطق سيطرة النظام السوري، حيث يتوقف التعليم غالباً في مراحل مبكرة بسبب الوضع الأمني بل قد يتطور الأمر إلى عدم التحاق الكثير من الطلاب بالمدارس الابتدائية وهو ما أدى لتنامي نسبة الأمية في كثير من بقاع المحافظة، حيث يبرز الواقع المعيشي والسعي لتأمين لقمة العيش كأولوية لدى كثيرين ما جعل التعليم أمراً ثانوياً، بل وربما من الكماليات لدى عديد الأسر.

في ظل ما سبق، يمكن القول إن جيلاً كاملاً من الشباب السوري يواجه اليوم أزمة حقيقية قد لا تظهر نتائجها في الوقت الراهن، إلا أن المستقبل القريب سيُظهر بشكل جلي انعكاسات هذه الأزمة على أبناء هذا الجيل، في عصر غدت به المعرفة مفتاحاً للحياة والنهوض بالمجتمعات الحديثة.

*صحافي سوري مستقل