يخطئ بعض السياسيين عندما يتخذون موقفا سلبيا من الدعوة إلى الانفتاح أو تقوية المجتمع المدني السوري لأنهم يعتقدون أنه يقتصر فقط على المنظمات غير الحكومية التي تأسست في سياق العولمة، ونشطت وفق أجندة حددت موضوعاتها مؤسسات التمويل الدولية ومنظمات غير حكومية في البلدان الرأسمالية المتقدمة، وغاب عن هؤلاء أن المجتمع المدني يضم العديد من المنظمات الشعبية والجماهيرية والمبادرات الطوعية والمستقلة، وأنه قائم في سوريا على الأقل منذ أكثر من مائة ونيف وثلاثين سنة، مع تأسيس الجمعيات الأهلية في القرن التاسع عشر والنقابات العمالية والمهنية في بداية القرن العشرين وكذلك الجمعيات التعاونية في نصفه الأول، والمنظمات الحقوقية والنسوية في بداية القرن الحادي والعشرين.

مفهوم المجتمع المدنى وتاريخيته
نشأ مفهوم المجتمع المدني لأول مرة فى الفكر اليوناني، وعرفه أرسطو باعتباره “مجموعة سياسية تخضع للقوانين”، فالمجتمع المدني هو تجمع سياسي أعضاؤه هم المواطنون الذين يعترفون بقوانين الدولة ويتصرفون وفقاً لها. أي إنه لم يكن يميز بين الدولة والمجتمع المدني.
مع تبلور علاقات الإنتاج الراسمالية فى القرن الثامن عشر، بدأ التمييز بين الدولة والمجتمع المدني… فطرحت قضية تمركز السلطة السياسية، وأن الجمعيات المدنية هي النسق الأهم للدفاع ضد مخاطر الاستبداد السياسي. وفي القرن التاسع عشر حدث التحول الثاني في مفهوم المجتمع المدني حيث اعتبر كارل ماركس أن المجتمع المدني هو ساحة الصراع الطبقي. وفي القرن العشرين طرح غرامشي أن المجتمع المدني ليس ساحة للتنافس الاقتصادي، بل ساحة للتنافس الإيديولوجي، منطلقاً من التمييز بين السيطرة السياسية والهيمنة الإيديولوجية. فمع نضج العلاقات الرأسمالية في أوروبا واحتدام الصراع الطبقي، بلورت (الطبقة البورجوازية السائدة) آليات فعالة لإدارة هذا الصراع واحتوائه، بما يضمن تحقيق مصالحها واستقرار المجتمع. من خلال السيطرة المباشرة بواسطة جهاز الدولة، والهيمنة الإيديولوجية والثقافية من خلال منظمات اجتماعية غير حكومية يمارس فيها الأفراد نشاطاً تطوعياً لحل مشاكلهم الفئوية والاجتماعية وتحسين أوضاعهم الثقافية والاقتصادية والمعيشية…إلخ. واستجابت مختلف الفئات الاجتماعية لهذه الآليات وقبلت بقيم النظام الرأسمالي ودفاعها عن مصالحها في إطارها… وعليه تمايزت ثلاثة مفاهيم مختلفة، لكنها في نفس الوقت متكاملة: المجتمع، المجتمع السياسي، المجتمع المدني.
أما المجتمع فهو الإطار الأشمل الذي يحتوي البشر وينظم العلاقة بينهم في إطار اقتصادي اجتماعي محدد ويتطور من خلال علاقة فئاته ببعضها وصراعاتها. في حين أن المجتمع السياسي يتكون من الدولة وأجهزتها والتنظيمات والأحزاب السياسية التي تسعى للسيطرة أو الضغط عليها. ويتكون المجتمع المدني من الهيئات التي تسمى فى علم الاجتماع بالمؤسسات الثانوية مثل الجمعيات الأهلية والنقابات العمالية والمهنية والغرف التجارية والصناعية والمؤسسات غير الحكومية وما شابهها من المؤسسات التطوعية، مستبعداً من المفهوم المؤسسات الاجتماعية الأولية، كالأسرة والقبيلة والعشيرة والطائفة الإثنية أو المذهبية أو الدينية. كما يستبعد منه المؤسسات السياسية والحكومية، وهذا لا يعني أن التعارض مطلق بين المجتمع المدني والمجتمع السياسي أو الدولة، فلا يمكن قيام مجتمع مدني قوي فى ظل دولة ضعيفة، بل هما مكونان متكاملان يميز بينهما توزيع الأدوار وليس الانفصال الكامل. كذلك فإن استبعاد الأحزاب السياسية من تعريف المجتمع المدني لا يعني عدم وجود مساحة مشتركة بين المجتمع المدني والمجتمع السياسي، فحركة الأحزاب السياسية باعتبارها طليعة تعبر عن مصالح قوى اجتماعية وتسعى للوصول إلى سلطة الدولة تهتم كثيراً بمؤسسات المجتمع المدني، وتسعى لتجنيد الأعضاء من صفوفها أو ممارسة نشاطات بالاشتراك معها، بالاضافة إلى نشاطات الحشد والدعم والمناصرة أدوات الصراع السلمي الأساسية.

*كاتب سوري