مكللاً بالفشل يغادر السيد ستيفان ديمستورا منصبه كمبعوث أممي خاصّ إلى سوريا مع نهاية شهر تشرين الثاني/ نوفمبر الجاري. لن يذكره السوريون بالفشل فحسب وإنما بعدم النزاهة أيضاً، إذ يرى كثيرون منهم، ونوافقهم الرأي،a أن هذا الرجل لم يكن وسيطاً نزيهاً خلال سنوات عمله الأربع، فهو لم يدفع باتجاه تطبيق القرارات الدولية المتعلقة بالمعضلة السورية، والتي تعدّ مرجعية “العملية السياسية” وتهيّئ للانتقال السياسي نظرياً، ويُفترض أنها تعبّر عن رؤية “المجتمع الدولي” الذي يمثّله.

بدلاً من ذلك رأينا كيف كان ديمستورا يمضي قدماً في اتّخاذ مواقف وإجراءات تنسجم مع المشروع الروسي للتسوية، والذي يقوم على تمييع المفاوضات وإفراغ “العملية السياسية” من مضمونها من خلال الالتفاف على بيان جنيف الأول والقرار 2254 وسواها، بحيث يجري تجاهل وتجاوز النقاط الجوهرية مثل تشكيل هيئة الحكم الانتقالي، وكذلك المسائل الإنسانية والحقوقية ومنها ملف المعتقلين والمفقودين، ومن ثمّ التركيز عوضاً عن ذلك على موضوع “محاربة الإرهاب” و”الإصلاح الدستوري”، أيضاً وفق الفهم الروسي والأسدي لهذه البنود. علاوة على ذلك أقرّ ديمستورا وبارك بحماسٍ ملحوظ الجهود الروسية في أستانة وسوتشي، على الرغم من تأثيرها السلبي على مهمته وعلى جولات التفاوض المتعثّرة أصلاً في جنيف.

طبعاً لن تبقى سوريا دون مبعوث أممي، فقد أعلن الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، أن السيد غير بيدرسن هو من سيخلف ديمستورا في مهمته. وبيدرسن هذا دبلوماسي نرويجي “مخضرم” كما يوصف، تقول سيرته الذاتية أنه يتقن اللغة العربية، وسبق له العمل لسنوات عديدة في الشرق الأوسط. وبصورة ما كان له يد في مسار “تسوية” إحدى أعقد قضايا المنطقة وهي قضية الصراع العربي الإسرائيلي، حيث لعب دوراً فاعلاً في المفاوضات التي انتهت إلى التوقيع على اتفاقية أوسلو بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية عام 1993.

لكن، هل ثمّة حقاً ما يمكن للمبعوث الدولي الجديد إلى سوريا أن يفعله في هذه “المهمة المستحيلة” كما وصفها هو نفسه في أول تصريح إعلامي له بعد تكليفه بها؟ وإذا ما نظرنا إلى خبراته السابقة في الشرق الأوسط، هل يمكن القول إن اختياره قد يكون مؤشّراً على بداية مرحلة الصفقات والتسويات الرديئة على نحو ما كان “الإنجاز” الأبرز له، أي اتفاق أوسلو؟ الشيء المؤكّد أنّ استبدال مبعوث بآخر لن يغيّر من الأمر شيئاً ما لم تتغير ظروف العملية السياسية نفسها، وفي مقدمتها توفّر العنصر الرئيسي لإنجاحها: توافق القوى الدولية الفاعلة في سوريا والتفاهم فيما بينها. من هذا المنظور ينبغي التفكير في الإجابة.

المعطيات الحالية، لا سيما عدم وضوح موقف واشنطن في ظل غياب سياسة أمريكية واضحة وحاسمة في الملف السوري، وكذلك أجواء البازار السياسي على سوريا حيث ما تزال الأولويات والتحالفات متحركة، دون أن يتوقّف تبادل المنافع أو حتى التهديدات المعلنة والمبطنة بين مختلف اللاعبين (روسيا، تركيا، إيران، إسرائيل..)، هذه جميعها عوامل تجعل من إمكانية التوصل إلى حلٍّ من أي نوع أمراً مشكوكاً فيه، على الأقل في المرحلة الراهنة. والقمة التي جرت في اسطنبول يوم 27 تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، وجمعت رؤساء كل من تركيا وروسيا وفرنسا إضافة إلى المستشارة الألمانية تؤكّد ما سبق، إذ لم يتضمّن بيانها الختامي جديداً يذكر وإنما كرّر شعاراتٍ وكلاماً عاماً لا يقول شيئاً، من قبيل الحديث عن دعم “الحل السياسي” وأن لا حل عسكرياً للأزمة، وكذلك التأكيد على “وحدة وسيادة سوريا”، مع العلم أن هذه الدول جميعاً لها على الأراضي وفي الأجواء السورية تواجد ونشاط عسكري بصور وأشكال محتلفة، يتفاوت حجمه بلا شك لكن المبدأ واحد، ودوماً تحت ذريعة “محاربة الإرهاب”، وهو شعار ورد أيضاً في البيان، لكن كل فريق يقصد به شيئاً مختلفاً!

وجرياً على العادة يغيب السوريون عن مناسبات كهذه تتناول مصير بلادهم، وينتظرون نشرات الأخبار لمعرفة ما توصّل إليه اللاعبون الكبار. غير أنّ هذا سيبدو “منطقياً” إذا ما أُخذ بعين الاعتبار مدى وضاعة وتهافت “الطبقة السياسية” السورية نظاماً ومعارضاتٍ، والتي بلغ بها الانحطاط أن ترتضي التبعية وتسلّم أمرها لأي جهة قد تساعدها في سعيها لتحقيق طموحاتها ولو على حساب المصلحة الوطنية. فالنظام فعل هذا من أجل الحفاظ على السلطة، والمعارضات فعلته لكي تبلغها. أما المضحك المبكي فهو أنّ أقصى ما يمكن توقّعه من التسوية التي يتيحها تفاهم الأطراف الدولية – في حال حصول هذا التفاهم – لن يكون سوى نسخة معدّلة عن النظام الحالي، لأن الحفاظ على توازن مصالح الدول المعنية في سوريا ممن بيدها إنجاح أو إفشال أي حل، يتطلّب توليفة تضمّ عناصر من “الطبقة السياسية” المشار إليها آنفاً، وبالتالي سيكون على بيدرسن حينها المساعدة في وضع السيناريو الملائم لإخراج هذه المهزلة.

غنيّ عن البيان أن تسوية من هذا النوع لن تفضي إلى السلام في سوريا، لأن السلام لا يتحقق بوقف الحرب فحسب وإنما بإنهاء أسبابها أولاً، وبتحقيق العدالة ثانياً. من هنا يجب التأكيد دوماً على رفض اختزال القضية السورية بموضوع الإرهاب واللاجئين على نحو ما يجري مؤخراً، أو في التوصل إلى وقف إطلاق نار كالذي في إدلب حالياً، أو في “اللجنة دستورية” أو حتى في “هيئة حكم انتقالي”. هذه في النهاية ليست أكثر من تفاصيل إجرائية، أمّا التحدّي الأساس الذي ينبغي على المجتمع الدولي أن يواجهه يوماً ما يكمن في إزالة المقدمات والعوامل التي أنتجت المأساة: نظام الإبادة الأسدي ورئيسه المسؤول الأول عن الكارثة السورية. بغير هذا لن تفلح أي تفاهمات مقبلة في تحقيق السلام في سوريا، لأن أولى الخطوات على طريق السلام هي إنهاء نظام القتل والإجرام ومحاكمة أركانه ورموزه.

 * كاتب سوري