قد يوحي العنوان، وبحكم الأوضاع الراهنة، أن هذا المقال لا بد سيتناول سلطة دكتاتورية تحكمت بمصير الملايين من البشر في محاولاتها المستميتة للبقاء. برغم ما يحمله هذا الجانب من الكثير الممكن وغير الممكن للحديث عنه، إلا أني أرغب هنا بتسليط الضوء على تلك السلطات غير المرئية، التي تكتسب قوتها عكسياً “كرد فعل” من السلطة الحاكمة. بمعنى آخر، إنها لا تستطيع التدخل وتوجيه حياة الشعوب، إن لم توجد في البداية سلطات حاكمة لهذه الشعوب تمارس تسلطها وجبروتها عليها، ما يعني بالضرورة أن تلجأ الشعوب لبدائل أخرى كالثورة والهجرة والنزوح. أما من جاء بتلك السلطات وكيف أصبحت متحكمة، فذلك بحث آخر. ما سأتناوله هنا هو التأثير الآخر غير المباشر الذي لا تقوم به السلطة الحاكمة بشكل فعلي، بل أطراف أخرى معنية بأهمية وجود مثل تلك السلطات الديكتاتورية، لأن الفائدة من وجودها هي فائدة عامة لكلا الطرفين. ومنعاً للالتباس أو لتكرار مفهوم “السلطة والسلطة العكسية” سأقوم بتسمية الأولى “السلطة أ”، والثانية “السلطة ب”.

يقول ستيفن غرينبلات (وهو مؤرخ أدبي ومؤلف أمريكي عمل كأستاذ بجامعة جون كوغان للعلوم الإنسانية بجامعة هارفارد منذ عام 2000): ” ُتعبّر السلطة عن نفسها في قدرتها على فرض خيال شخص على العالم… النقطة ليست في أن أحداً مقتنع بهذه التمثيلية، لكن كل شخص مجبر على المشاركة فيها أو المشاهدة بصمت”.

في الحديث عن أنواع السلطة، على سبيل المثال لا الحصر، أتطرق إلى ما جرى عام 2015 من هجرة أعداد كبيرة من البشر باتجاه القارة العجوز، وبعيداً عن أولئك الذين استحقوا فعلاً النجاة بحياتهم، كان هناك ذلك الجزء من الأشخاص الذين، وبرغم استقرار حياتهم نوعاً ما في أماكن مختلفة خارج القارة العجوز، تحكّمت بهم “السلطة ب” بإغراءات الوهم، من قبيل المال دون عمل والسكن والراحة وما إلى ذلك. هذه السلطة جاءت من أشخاص عاديين تارة، لم يكونوا في الغالب سوى أدوات دون وعي منهم، ومن وسائل إعلام موجهة وسياسيين تارة أخرى، لكنها في المحصلة لم تكن لتصبح واقعاً لولا قوة “السلطة أ” التي دفعت باتجاه وجودها. وفي مثال آخر، لنتأمل أيضاً ما يحدث منذ العام 2017 حتى الآن وهو الهجرة المعاكسة، من القارة العجوز باتجاه الوطن، والتي مورست أيضاً من قِبَل نفس الجهات التي قامت بدور معاكس قبل عامين. ومن جانب آخر، لنتأمل أيضاَ ردود الأفعال على الجرائم التي تحدث أحياناً على يد بعض السوريين، وآخرها جريمة الاغتصاب في إحدى المدن الألمانية على يد خمسة عشر شاباً، والتي يشعر السوري، غير المعني بالجريمة سوى أنه يحمل جنسية الجاني نفسها، بثِقل الذنب حين يعلم بها ويستشعر إصبع الاتهام وهو يكاد يفقأ عينه، بسبب جهة أخرى متمثلة بأشخاص عاديين، مجبرين على المشاركة كما وصفهم غرينبلات، وإعلام موجه مارس “السلطة ب” عليه، الأمر الذي دفعه إما لتبرير ما لم يقم بفعله، أو الهرب منه.

ما يجعل للسلطة ب قوّة مؤثرة هو مدى تأثير السلطة الحاكمة أ في بلاد تخضع لديكتاتوريين كسوريا مثلاً. بعيداً عن نظرية المؤامرة، يبقى التفاهم والمصالح المشتركة بين هذه القوى أمراً واقعاً إلى حد كبير وإن تكن غير محسوسة أو مقصودة، فبقدر ما تستطيع الأولى فرض تغيير اجتماعي وديموغرافي كبير، تستطيع الأخرى الإفادة من هذه التغييرات بفرض تغييرات أخرى جيوسياسية شائكة. كلتا القوتين تمارسان نفوذهما على الشريحة الأوسع من أولئك الذين توهموا أنهم أحرار في اتخاذ القرار ضمن ظروف يصعب وصف درجة مشقتها ناهيك عن اتخاذ قرارات سوية أو متروية. كحال اللاجئ الذي اختار، رغم انعدام اختياراته، أرضاً يشعر فيها بقليل من الكرامة والأمان، أو ذاك الذي آثر العودة إلى بلده مع ما ينطوي عليه ذلك من مخاطر كبيرة، لأنه لم يستطع التعايش مع قرار اللجوء الأسبق لقرار العودة. هذا هو بالضبط ما عناه المؤرخ غرينبلات بطريقة تعبير السلطة عن نفسها، ولكن ليس من خلال فرض خيال شخص على العالم، بل خيالات مجموعة أشخاص، استطاعوا بحُكم مراكزهم إجبار الجميع على الدخول في هذه التمثيلية، بحيث أصبح ذاك الذي يشاهد بصمت غير قادر على فهم مدى تأثير هذه القوى أو تشابكها الباطني وتنافرها الظاهري.

يتبادر للذهن في خضم هذا التشابك المثير للجدل سؤال مهم، أين هي الحرية إذن في أيّ من أعمالنا التي تصدر عنا كطاعة مباشرة أو غير مباشرة، إن كانت أعمالنا هذه نتاجاً طبيعياً لمسرحية اُجبِرنا على تمثيلها، ونفترض أحياناً أننا مقتنعون بها؟

قبل أن أجيب على هذا التساؤل، أنقل وصف الفيلسوف وعالم النفس السلوفيني سلافوي جيجك للطاعة، إذ يعرفها بقوله: ” الطاعة الحقيقية الوحيدة هي طاعة خارجية، الطاعة المستمدة من القناعة ليست طاعة حقيقية لأنها متأثرة بموضوعيتنا، أي إننا حقيقة لا نطيع السلطة، لكننا ببساطة نتبع حكمنا الذي يخبرنا بأن السلطة تستحق الطاعة لأنها جيدة”. بمعنى آخر هي خضوع واع للسلطة، إذ ننظر للأمور المُسيّرة أمامنا، وعلى أساس وعينا نتخذ قراراً بالتماشي مع هذه السلطة سواءً كانت من الفئة أ أو الفئة ب كما افترضتُ تسميتها بالبداية. وهذه الطاعة تأتي هنا بصورة قناعة تدل على حرية الإنسان باتخاذ قرار معين، إلا أن الإنسان في حقيقة الأمر وبحالات كمثل هذه لا يملك من الحرية شيئاً، فهو رهين الممارسات التي تفرضها تلك المسرحية على محيطه غير الثابت، وقراراته في هذه الحالة هي التمثيل الذي يجد نفسه مجبراً على أدائه بطريقة ما.

وجواباً على سؤالي المفترض (أين هي الحرية) أقول، إن الحرية أولاً وكتعريفٍ لازم، هي القرارات التي يتخذها الإنسان بظروف وشخصية متوازنة دون التأثر الداخلي أو التأثيرالخارجي بأشياء ومن أشياء لا ترتبط ارتباطاً وثيقاً بذاتية القرار. وعلى هذا تكمن الحرية الآن لدينا، نحن السوريين، في زاوية مظلمة تكاد تكون معدومة، وهذه الزاوية ليست نتاج سبع سنواتٍ من الضياع والقتل والتشريد، بل نتاج سنواتٍ من الاضطهاد والقمع والاستبداد الممارس بحقنا، ما يجعل الحرية بالنسبة لنا أشبه بصفحات فارغة بين دفتيّ سلطتين.

أن نعترف بهذه الحقيقة لا يعني أننا أشخاص متشائمون لا يرون سوى النصف الفارغ من الكأس، بل يعني بالضرورة من وجهة نظري أننا تقدمنا خطوة باتجاه تحديد مكان حريتنا الحالي، الأمر الذي سيقودنا كحتمية مُفترضة أيضاً إلى عملٍ جادٍ يضع الحرية المنشودة في مكانها الصحيح.

*صحافية ومدونة سورية