في العودة إلى الشعر

أعترف، وبما يشبه الإقرار بذنب سابق، أن أمسية الشاعر اللبناني وديع سعادة في ميلانو قد أعادتني إلى الشعر. لست شاعراً، ولا أنسب هذه الصفة إلى نفسي بعكس العادات الرائجة لدى بعض نجوم الفايسبوك السوري هذه الأيام. إلا أن العودة هنا هي مواصلة متأخرة لما انقطع ذات يوم في عام 2011 من ناحية قلة التواصل مع “ديوان العرب”.

كان الحدث السوري كفيلاً بأخذنا بعيداً جداً عما دأبنا عليه من كتابات وقراءات قبل 2011. وبعد الثورة، اختلفت كتاباتنا وقراءاتنا، على الرغم من تراجع هذه الأخيرة قياساً بما كان عليه الحال قبل الثورة. صارت متابعة الحدثي واليومي شغلنا الشاغل ككتاب وصحفيين وعاملين في الشأن السياسي والثقافي (وما تزال نسبياً). وفي بلد مثل سوريا يصعب فصل الشأنين عن بعضهما بطبيعة الحال. بات كتاب يصدر حديثاً آنئذٍ في 800 صفحة مثل كتاب حنا بطاطو عن سوريا، أو الكتاب الجديد – القديم لميشال سورا وغيره من كتب كثيرة، زادنا والعامل المساعد على التفسير والتحليل اليومي لما يكتنف الحدث السوري الكبير من انعطافات ومستجدات وسط بحر من الدماء التي تسيل.

الآن، في أوروبا، ثمة فعاليات ونشاطات تأخذك إليها وتعيدك بالذاكرة إلى ما انقطع في زمن ما، على الرغم من أنك لا تستطيع استساغة ذلك الزمن كلياً ولا ابتلاعه وسط تسمية البعض له بــ “الاستقرار” أو”الزمن الجميل” وغيرها من عبارات تنتهي بأسطورة “كنا عايشين”. وديع سعادة كان محطة جميلة شكلاً ومضموناً لمن يعيش حال الهجرة أو اللجوء، أو المنفى الذي لا أفق واضحاً لمآلاته.

شعر وموسيقى في “كاثوليكية ميلانو”:

استضافت مدينة ميلانو الإيطالية الشاعر اللبناني وديع سعادة ضمن فعاليتين رئيسيتين. الأولى في “الجامعة الكاثوليكية” في المدينة ولمناسبة صدور وترجمة كتابه “بسبب غيمة على الأرجح” إلى اللغة الإيطالية، والثانية عبر أمسية شعرية في Casa Araba أو “البيت العربي” الذي تم افتتاحه مؤخراً، وهو “مركز اجتماعي، ثقافي وخدمي غير ربحي افتتحته بعض الجمعيات الممثلة للجالية العربية في ميلانو”. وكتاب “بسبب غيمة على الأرجح” هو من ترجمة أستاذ الأدب العربي في الجامعة الكاثوليكية وائل فاروق، وأستاذة اللغة العربية أيضاً في الجامعة إيليزا فيريرو.

مساء 30 تشرين الأول/ أكتوبر 2018، التقى وديع سعادة مع عدد من جمهوره الإيطالي والعربي في الجامعة، وقرأ عدداً من نصوصه باللغة العربية مع ترجمة إلى الإيطالية لإيليزا فيريرو، وبمرافقة عازف العود السوري المتميز والأستاذ في الكاثوليكية أيضاً، هاني جرجي.

المستعربة الإيطالية فرانشيسكا كوراو، التي صدر لها مؤخراً كتاب “أنطولوجيا للشعر العربي المعاصر”، تحدثت عن شعر سعادة وعن الشعر العربي عموماً، وعن مجلات “أدب” و”شعر” وغيرها، وعن أسماء وتجارب عدد من الشعراء العرب في القرن الماضي، قبل أن يقدّم البروفيسور فاروق للشاعر ولقراءاته قائلاً ومستعيراً مقتطفات من شعر سعادة:

“الظل هو الشعر، هو العلامة الكبرى على الوجود، ليس لمن لا يبالي ظل، نحن نعيش في عالم من الزجاج، لا ظلال فيه، لا عمق ولا غموض ولا أسرار، عالم كالزجاج لا وراء له، ولا عبور إليه. يدعونا وديع سعادة لأن نبالي، لأن نبحث عن ظلالنا، عن معنى وجودنا. -قل للعابر أن يعود ويجمع زهور ظله، وناس ظله، وقمر ظله، وشمس ظله، وموتى ظله-… الظل هو ما يجعلنا قادرين على الرحيل دون أن نغادر أماكننا، هكذا -وفي بالهم إذا مر غيم.. ينزل المطر على حقولهم البعيدة- والغيم لا يمطر وإنما يصنع الظلال. الغيمة ظل يملؤه الماء، الغيمة ظل الماء الذي قد يعيد الحياة للحقول الميتة يطفئ حرائق عطشها للمعنى، ويرد إليها أحبتها المهاجرين، أولئك الذين هجرت أجسادهم الظلال”.

وعلى أنغام عود هاني جرجي، قرأ سعادة على الحضور عدداً من قصائده والتي كان من الواضح أنها مسكونة بالعبارات التي تتحدث عن الرحيل والهجرة والفقدان، وهو الشاعر الذي غادر بلده لبنان عام 1988، ويحيي أمسية شعرية في بلد مثل إيطاليا مسكونٌ أيضاً بالحديث عن الهجرة والمهاجرين، وإن من أرضية مختلفة وأفكار بعيدة كل البعد عن الشعر والثقافة، بالطبع.

بورتريه الهجرة والترحال في نصوص سعادة:

في “كاثوليكية ميلانو” تلا الشاعر نصاً بعنوان “رحيل”:

“أخذَت اسمها من الماء/ والزبد الذي رأيناه على الموج/ كان ناسها/ والعشب على الكثبان/ ضلوعهم

بلادٌ/ كل رجالها يغادرون/ لذلك كانت نساؤها يقترنّ / بالأشجار”.

وتحت عنوان “الهجرة” قرأ أيضاً:

“حين ذهبوا لم يقفلوا أبوابهم بالمفاتيح/ تركوا أيضاً ماءً في الجرن، للبلبل والكلب الغريب/ الذي تعود أن يزورهم/ وبقي على طاولاتهم خبز، وإبريق وعلبة سردين

لم يقولوا شيئاً قبل أن يذهبوا/ لكنّ صمتهم كان كعقد زواج مقدس

مع الباب، مع الكرسي، مع البلبل والإبريق والخبز/ المتروك على الطاولة

الطريق التي شعرت وحدها بأقدامهم لا تذكر أنها/ رأتهم بعد ذلك

لكنها تتذكر ذات نهار/ أن جسدها تنقل من الصباح إلى المساء/ بقمح يتدحرج عليه

ورأت في يوم آخر أبواباً تخرج من حيطانها وتسافر

ويذكر البحر/ أن قافلة من السردين كانت تتخبط فيه وتمضي/ إلى جهة مجهولة/

ويقول الذين بقوا في القرية/ أن كلباً غريباً كان يأتي كل مساء / ويعوي أمام بيوتهم”.

وإلى جانب نصوص أخرى كانت تدور في ذات الفلك، وبسبب نصوص غيرها، يعرّف سعادة نفسه بأنه “شاعر الغياب”. والغياب هنا هو “غربة”، والغربة ليست محض هجرة من لبنان أثناء الحرب الأهلية اللبنانية على ما فعل سعادة متوجهاً إلى أستراليا. للغربة وجه آخر، حيث “لا يمكن للشاعر أن يتصالح مع عالم يسوده القتل والبغض والظلم والعذاب والأنانية والعنصرية وما إلى ذلك. نعم، قدره فقط هو المواجهة” على ما يقول. المواجهة غربة أخرى أيضاً، حيث يستطرد الشاعر قائلاً: “نعم أنا محبط ويائس من إمكانية تغيير هذا العالم”.

*كاتب سوري

guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments