تشهد الحياة المدنية في محافظة إدلب تطوراً ملحوظاً نتيجة الهدوء النسبي الذي تعيشه المحافظة، يتجلى ذلك بالحركة الاقتصادية الملحوظة التي بدأت تظهر بشكل واضح بعد توقيع اتفاق “سوتشي”. لكن أجواء المنطقة لا توحي بالاستقرار الحقيقي الذي يمكن أن يمهد لمرحلة إعادة الإعمار في المحافظة. تشهد الكثير من المدن حركة بناء جيدة نسبياً، لكن تلك الحركة ما هي إلا حلول مؤقتة انتهجها بعض المدنيين أو المنظمات الداعمة بهدف تهيئة بعض المنازل للسكن من جديد.

وكانت حركة البناء قد توقفت بشكل شبه تام في المحافظة، خوفاً من القصف الذي كان يستهدف الأحياء السكنية من جهة، ومن مفاوضات دولية تفضي لمصير مشابه لما حدث في درعا وغوطة دمشق من جهة أخرى.
تلك الحركة العمرانية كانت في غالبها أعمالاً فردية قام بها أصحابها طمعاً بعودتهم إلى ديارهم التي تركوها نتيجة القصف المستمر.هذا ما تحدث عنه أبو أحمد، من مدينة بنش، وهو يعيد ترميم غرفة في منزله الذي تضرر منذ سنوات نتيجة الحرب الدائرة في المنطقة “تعبت من النزوح، بدي ارجع على بيتي”.
أبو أحمد ترك بيته منذ سنوات بسبب قربه من بلدة كفريا وتنقل من بلدة لأخرى، اليوم يعود لمنزله ويسعى لترميم ما تضرر منه بهدف الاستقرار في بلدته والعودة لعمله القديم في مصلحة الحدادة.

بدورها تعمل المجالس المحلية على التعاقد مع المنظمات الإنسانية، بهدف تنفيذ مشاريع ترميم للمنازل التي تضررت خلال سنوات الثورة، لكن تلك الأعمال ما تزال دون المستوى المطلوب، ولا يمكن أن نطلق عليها “إعادة إعمار”، حيث تستهدف تلك المنظمات المنازل الأقل تضرراً، لأن ميزانية مشاريعها لا تسمح بأكثر من ذلك.
يقول عبد الحميد الأسعد، رئيس المجلس المحلي في بلدة بنش،: “قمنا بتوقيع مذكرة تفاهم مع منظمة العمل الإنساني بهدف ترميم قرابة 250 منزلً في بلدة بنش. تشمل تلك الترميمات إصلاح الأبواب والنوافذ وتصدعات الجدران وما شابه من أضرار القصف ضمن المنازل التي ما تزال صالحة للسكن، بهدف إعادة تأهيلها من جديد. وقد رصد مبلغ 850 دولاراً للمنزل الواحد، وهو مبلغ تقديري يزيد وينقص حسب حاجة المنزل”.
وتابع “الأسعد”: “نحن نأمل بإعمار المنازل المدمرة، لكن الحقيقة أنه لا يمكن لأي منظمة القيام بهذا العمل، الذي يحتاج لرعاية مباشرة من دول كبرى، وهو ما تعجز عنه المنظمات المحلية”.

في جرجناز، يعيد أبو خالد ترميم منزله للمرة الثانية بعد أن تضرر نتيجة استهداف المدينة منذ أيام بقذائف المدفعية. يتمتم أبو خالد بكلمات وصلنا منها: “بيقولولك هدنة، أي هدنة وأنت مو عرفان تقعد ببيتك”.
أبو خالد وأمثاله فقدوا ثقتهم بكل أطراف الحرب في سوريا، فالاتفاقيات الحقيقية توقع على الأرض لا على الورق. ”أنا بهمني شو عم يصير ع الأرض موشو بينحكى بالإعلام”. لدى أبي خالد قناعة بأنَّ أصغر ضابط في “جيش بشار” قادر على نقض الهدنة متى شاء عن طريق قصف البلدات القريبة من الحواجز التابعة لقوات الأسد بسلاح المدفعية، لكن تلك القناعة لم تمنعه من ترميم منزله “ممكن يقصفوا مرة تانية بس شو بعمل ما عندي خيار تاني غير أني صلح البيت وأقعد”. أمثال أبي خالد ممن يعتمدون على الأعمال الحرة في معيشتهم لا يمكنهم ترك بلداتهم والانتقال إلى البلدات الحدودية، فالأجور هناك مرتفعة جداً والأعمال التي يقومون بها لا تسمح بدفع إيجارات المنازل في الشمال.

في الجنوب الشرقي من إدلب، لم يكن حال أهالي قرية “أم جلال” أفضل، فقد تركها أهلها وانتقلوا لقرى أخرى نتيجة استهدافها المستمر بالقصف من قبل قوات الأسد.
هناك قد تتعرض للسخرية حين تسأل عن إعادة الإعمار: ”أي إعمار؟..نحن مو قادرين نعيش بضيعتنا يومين بدون قصف” يقول أبو محمد وهو يجمع ما تبقى من أثاث منزله بهدف الانتقال إلى قرية أخرى، “يارجل والله الاتفاقيات ما جابتلنا غير الهم والنزوح”.
لخص أبو محمد واقع بلدته بهذه الكلمات ومضى، فأغلب سكان القرية قد تركوها وهربوا إلى مناطق أكثر أمناً نتيجة تعرضها للقصف المستمر، الأمر الذي دفع مجلسها المحلي لإصدار بيان يعلن فيه قرية أم جلال “بلدة منكوبة”.

ويذكر رئيس مجلسها المحلي “ضيف الله المر” أنّ القصف شبه اليومي الذي تشهده البلدة دفع غالبية سكانها البالغ عددهم /9000/ نسمة للانتقال لمحيط قرى معرشمشة ومعرشورين وبابولين وغيرها من القرى القريبة، حيث أقاموا في مخيمات عشوائية أقيمت على عجل على أطراف تلك القرى.

قد يكون الحال أفضل في المناطق الداخلية والبعيدة نسبياً عن مدفعية الأسد، فغياب الطيران الحربي ترك فرصة جيدة لعودة الإعمار والترميم من جديد. في بلدة حاس نفذ المجلس المحلي مجموعة من المشاريع بدعم من “برنامج تطوير” بهدف تأمين بعض الخدمات الكبرى في البلدة، بالإضافة لترميم مدارس حاس التي تضررت بشكل كبير نتيجة استهدافها بشكل مباشر بالطيران الروسي،  كما عمل المجلس على بناء مدرسة جديدة في منطقة الجبل.
يقول أحمد شعبان، رئيس مكتب الخدمات في المجلس: “ساهمت الهدنة بشكل كبير في تنفيذ تلك المشاريع، لكن ضيق الوقت منعنا من إتمام كل المشاريع التي خططنا لتنفيذها مثل صيانة الأفران وإنشاءمحلات تجارية بالإضافة لتجهيز ملعب لكرة القدم، لكن كل تلك المشاريع ما تزال قائمة وسيعمل على تنفيذها بأقرب وقت”.

على مقربة من بلدة حاس وتحديداً في مدينة معرة النعمان، يعمل المجلس المحلي منذ مدة على ترميم المنازل “شبه المدمرة”.
يقول عمر العربو، مسؤول الترميم في المجلس: “مشروع الترميم بدأ في مدينة معرة النعمان سنة 2016 وما يزال مستمراً حتى اللحظة، حيث وقع المجلس المحلي مذكرة تفاهم مع منظمة (الأكتيد) تقضي بترميم المنازل (شبه المدمرة) وذلك لاستحالة ترميم وإصلاح المنازل المدمرة بالكامل. يتابع “العربو” وضعنا شروطاً وأولويات للبدء بترميم المنازل، وتم ترميم قرابة 700 منزل من أصل 4600 منزل مهدمة بشكل كلي أو جزئي، حيث تبلغ تكلفة ترميم المنزل الواحد 850 دولاراً، تتضمن عمليات إصلاح بسيطة تساهم في جعل المنزل صالحاً للسكن.

في هذه الأيام تنطلق الكثير من المشاريع الخدمية والإنشائية التي تهدف لترميم وإصلاح البنية التحتية في المحافظة، بهدف إعادة بعض الخدمات وبث الروح في المدينة، لكن الجميع يؤكدون على أن تلك الأعمال لا ترقى لمستوى إعادة الإعمار، فالأمر يتطلب جهوداً إضافية أكبر وتدخلاً جدياً من المجتمع الدولي والأمم المتحدة لإعادة ترميم وتأهيل ما دمرته سنوات الحرب التي مرت على المحافظة إذا كانوا عازمين فعلاً على تنفيذ الاتفاقيات الدولية وإنهاء الحرب في سوريا.

*بوابة إدلب