الصفحة الرئيسية تحليل الخبراء عن “مخاطر” حرية التعبير في هذا الشرق

عن “مخاطر” حرية التعبير في هذا الشرق

لئن أخذتك الجرأة للتعبير عن رأيك في أي من المواضيع التي تشغل الساحة في الشرق العربي، فعليك قبل ذلك أن تعد لرقم أكبر مما تتوقع، لأن حراس الكلام في كل زاوية، وعلى كل صفحة في كتاب أو في وسائل التواصل الاجتماعي. لا يهم أن تكون الفكرة سياسية أو دينية أو اجتماعية، فلكل فكرة حراسها.

لقد عمل الطغاة العرب في الدرجة الأولى على تدمير قيم المجتمع وتوجيهه نحو قتل آخر مساحة للحرية أو تقبل الآخر، ولو في مناقشة عامة بين أفراد عائلة واحدة أو أصدقاء، فما بالك في انتقاد السلطة الحاكمة. إن سهولة الشعور بالإهانة من قبل الغالبية الساحقة من أفراد المجتمع يعكسه الشعور بالإهانة من قبل رجال السلطة، بسبب أي انتقاد أو تهكم أو تعليق، وفي الحالة الثانية يمكن أن تكلفك كلمة عابرة عشرة سنوات في أحد المعتقلات العربية، وفي الحالة الأولى يمكن أن تكلفك كلمة أو انتقاد حياتك إذا كان الانتقاد يتعلق بالدين. أما إذا كان الانتقاد أو الرأي نوعاً من المخالفة الاجتماعية، فيمكن أن تتمثل العقوبة بالمقاطعة أو العراك في أحسن الحالات. ونخضع في أغلب الدول العربية لسلطة طبقات متراكمة من القمع وعدم تقبل الآخر. يبدأ القمع مع العائلة، فرب البيت ينتظر الاحترام والسكوت والخضوع من بقية أفراد العائلة، وينتقل للمجتمع، فعلى الأصغر واجب “الاحترام” للأكبر حتى لو كان هذا الأكبر في المكان الخطأ. هذا القمع التراكمي هو انعكاس واضح للقمع السلطوي.

السلطة

يقوم النظام السياسي العربي على احتكار السطات جميعها في شخص واحد، فيكون القائد “فذاً وملهماً”، ويكون كل من عاداه عدواً للأمة. إذ يمثل الطغاة الأمة، ومن غيرهم ليمثلها! وفي حالات معاصرة يقوم الطغاة وأدواتهم من الأجهزة الأمنية بتحريض المواطنين ضد بعضهم البعض، فيقوم البعض بمصادرة الآخرين، ظانين أنهم يدافعون عن الوطن. فلقد قام النظام السوري مثلاً، منذ ٢٠١١ في سوريا، بتحريض قسم من الناس ضد بعضهم البعض، فأصبح البعض “وطنيين” والآخرون “خونة”، بينما أصبح النظام هو “حامي الوطن”. واعتمد النظام على التقسيمات القائمة في المجتمع، الدينية منها والمناطقية، لإسكات الطرف أو الأطراف الأخرى، معتمداً أيضاً على غياب ثقافة حرية التعبير التي شارك في إعدامها على مدى خمسين عاماً. ومع تصاعد الوضع، صار انتقاد الرئيس “خيانة”، وكذلك انتقاد الجيش، ولو في حالة نهب بيوت المواطنين في البلدات التي يدخلها أو “يستعيدها”. لم يكن من الصعوبة على النظام تسويق هذه المصطلحات، فالمناخان العام والثقافي يساعدانه على تقويض أي فرصة للتعبير عن رأي مخالف، فصار لدينا حاكم مستبد وأفراد مستبدون، والويل لمن يخالف!

في الحالة الدينية:

قامت الحالة الدينية على المديح المطلق وتم فرض ثقافة الخضوع الديني بشكل غير قابل للنقاش. ورغم قيام حركات  في التاريخ القديم والتاريخ المعاصر، دعت إلى الانفتاح واستخدام العقل ونقاش الآيات المقدسة، إلا أن تلك الحركات تم سحقها بالكامل، مما أنتج حالة تامة من القمع الديني استمرت إلى يومنا هذا، وصارت لدى كل شخص السلطة المطلقة في “الدفاع عن دينه”، وغالباً ما يكون الدفاع بالقتل، أو التهديد بالقتل، خارج نطاق القانون، وغالباً ما يسبب انتقاد الدين أو أي جانب من الدين حالة من الهياج والتنديد الجماعي ودعم المعتدي باسم “الدفاع عن المقدسات”، فصارت حرية التعبير من أبعد ما يمكن الوصول إليه.

 ولقد قامت السلطات السياسية العربية على مدى عقود باستغلال هذا الترهيب الديني، وإثارة القمع الديني للانقضاض على معارضيها، أو استغلال “حماة الدين” كما حصل في استغلال النظام السوري لهم في الهجوم على السفاة الدانمركية في دمشق “دفاعاً عن النبي محمد ضد الرسوم الكاريكاتورية”. وفي تاريخنا المعاصر أمثلة مأسوية كثيرة، إذ قُتل مفكرون وباحثون بسبب محاولتهم إعادة إحياء النقاش الديني مثلما حصل في مصر مع فرج فودة ونصر حامد أبو زيد وغيرهم. لم تكن حالات القتل أو النفي تلك موجهة فقط ضد الكتاب أنفسهم، بل تعدتهم لتصبح قناة عبرة ومثالاً في الترهيب، فلا يتجرأ أحد على الاقتراب من المقدس الديني.

خلال هذه الصورة القاتمة لحرية التعبير، جاء الربيع العربي كنتيجة لتراكم الاستبداد ونتيجة للواقع المأسوي لحالة حقوق الإنسان والحريات، وصار الاحتجاج أوسع ليشمل الحالة الاقتصادية والاجتماعية. لكن سرعان ما أصيب هذا الربيع بانتكاسة مأسوية قادت إلى حروب وصارت حرية التعبير في أدنى مستوياتها. وإن كانت هنالك ثغرات حصلت في ذلك الجدار المخيف، إلا أن القوة المستبدة أصبحت قوى مستبدة، وصارت عمليات الانتقام بسبب التعبير عن الرأي المخالف، تشمل الحالتين السياسية والدينية.

ومع أن وسائل التواصل الاجتماعي مثل الفايسبوك وتويتر وغيرها خلقت فرصة نادرة للدفع بحرية التعبير إلى الأمام، وأعطت الفرصة لناشطين وناشطات في مجالات متخصصة كل بمجاله، لكن هذه الفرصة واجهت عوائق متعددة، فمنهم من أصر على أن حرية التعبير على وسائل التواصل يجب أن تكون مكفولة “بما لا يتعارض مع تقاليد المجتمع وثابته”. هنا تكمن المشكلة الكبرى، فثوابت المجتمع هي القيود الرئيسية التي تصادر حرية التعبير. فكل فرد في هذا المجتمع له ثوابته، وطالما أن المجتمع والأفراد لهم ثوابتهم فكل ما يكتب قد يكون “مؤذياً” لهذه الثوابت. أما موضوع انتقاد السلطات على وسائل التواصل فكانت له عواقب كارثية، فقد تم سجن نشطاء ومستخدمي مواقع التواصل والحكم عليهم بالسجن لسنوات  بسبب منشور على الفايسبوك أو تغريدة واحدة تنتقد السلطات. لقد حصل هذا في أغلب الدول العربية، في سوريا والبحرين وحتى تونس، وقتل صحفي في الأردن لمشاركته رسماً كاريكاتورياً له علاقة بالدين. إن غياب ثقافة حرية التعبير أدى لوجود حراس على صفحاتنا الشخصية على الفايسبوك أو التويتر، وصار الصديق يطالبك “بحكم الصداقة” أن تحذف منشوراً من صفحتك بدلاً من أن يكتب تعليقاً يظهر فيه اختلافه معك، وصار حراس الدين يستقصدونك بالتهديدات عبر الرسائل الخاصة أو التعليقات بسبب “اقترابك من المحرمات الدينية”. وهنالك بعض البلدان العربية التي أصدرت قوانين الجرائم الإلكترونية حاربت حرية التعبير بوضعها في خانة جرائم الكراهية، فصارت جرائم الكراهية تفسر حسب مقايسس السلطة.

إن حرية التعبير هي حق أساسي من حقوق الانسان، وهذا هو الحق الأكثر غياباً في الحالة العربية. وإذا كانت هناك من رغبة في التقدم إلى الأمام والبدء بحالة من المدنية، فعلى السلطات البدء بتربية الأجيال على تقبل الرأي الآخر، وعلى رجال الدين تعليم الناس أن لهم الحق في انتقاد ومناقشة الدين بدون التعرض للخوف أو الأذى، وبغياب هاتين الإمكانيتين، يبقى القيام بفعل التعبير عن الرأي وتبقى حرية التعبير مخاطرة في هذا الشرق البائس.

*صحافي سوري