تحل بعد أيام الذكرى المئوية الأولى لنهاية الحرب العالمية الأولى**، التي تمخضت عن نهاية الإمبراطورية العثمانية وإمبراطورية هابسبورغ وروسيا القيصرية. سوريا المعاصرة ظهرت إلى الوجود في ذلك الوقت. وفي هذا البلد الفتي هناك اليوم ومنذ أكثر من سبع سنوات ونصف الكثير من الحرب والكثير من العالم والكثير من الأولى، مما اقترحت تسميته في مقالة نشرت مؤخراً بالعربية العالمية الحربية الأولى. أولى بمعنى أننا حيال أوضاع لا تشبه شيئاً سابقاً نعرفه، وبمعنى أننا نرتبك أمامها لأننا لا نملك مرجعاً معتمداً لتحليلها، وبمعنى أنها خصبة وتطلب المعرفة. فلننظر في الوضع عن كثب؛ يسيطر تحالف من روسيا وإيران، تتبعهما ميليشيات من لبنان والعراق، وقوات نظامية وشبه نظامية تتبع لنظام بشار الأسد، على نحو 55% من الأراضي السورية اليوم. كان هذا العام شهد تجديد احتلال النظام برعاية حلفائه لكل من محافظة درعا الجنوبية والغوطة الشرقية قرب دمشق، بعد ما يزيد على خمس سنوات من حصار مطبق للأخيرة وخروجهما معاً من سيطرته. وتسيطر قوات أميركية تدعمها قوات فرنسية وبريطانية على نحو 30% من الأراضي السورية في مناطق الشمال والشمال الشرقي، وبإمرتها يعمل على الأرض مقاتلو “قوات سوريا الديمقراطية” التي يتشكل عمودها الفقري من تنظيم الاتحاد الديمقراطي، الفرع السوري لحزب العمال الكردستاني في تركيا. وتتوزع نحو 10% من مساحة سوريا البالغة نحو 185 ألف كم مربع على قسمين، تسيطر تركيا على قسم منهما وتعمل بإمرتها مجموعات سورية مقاتلة فقدت قضيتها، وقسم آخر يتفوق نفوذ جبهة النصرة أو هيئة تحرير الشام المرتبطة بالقاعدة عليه. وفي القسمين الأخيرين يعيش نحو أربعة ملايين نسمة، بينهم مليون وستمائة ألف من المهجرين من مناطق متعددة من البلد (نحو 792 ألفاً منهم يعيشون في مخيمات). ولا تزال داعش تسيطر على ما يقترب من 5% من مساحة  البلد، وبين وقت وآخر تختطف مدنيين مثلما حصل في السويداء في تموز/يوليو من هذا العام، أو من مخيم هجين في دير الزور في مطلع تشرين الأول/ أكتوبر المنصرم.

هذا وضع نادر المثال من حيث وفرة “العالم” في بلد واحد. بعد أكثر من سبع سنوات وسبعة أشهر على تفجر انتفاضة شعبية ضد واحد من أشد نظم العالم طغياناً، لدينا اليوم أربعة دول أعضاء في مجلس الأمن بقوات في هذا البلد، وقوتان إقليميتان، إيران وتركيا، وكل من الجهادية السنية العالمية والجهادية الشيعية ذات المركز الإيراني، فضلاً عن إسرائيل التي تثابر على احتلال أرض سورية منذ نصف قرن، وتضرب بين وقت وآخر في سوريا دون أن يسمع صوت اعتراض دولي واحد على ضرباتها. النظام الأسدي الذي استخدم السلاح الكيماوي والبراميل المتفجرة ضد محكوميه ونظم صناعة قتل في مقراته الأمنية، والمسؤول عن مقتل ما قد يتجاوز 700 ألف من السوريين، أي فوق 3% من السكان، صار آمناً أكثر، لا أقل، بعد تفضل أربعة من أعضاء مجلس الأمن الدولي الخمسة في نشر قوات وقواعد في مناطق من البلد. لم يعد ثمة كلام على انتقال سياسي في سوريا، أو عن مشاركة سياسية أو عدالة أو محاسبة، بل عن إعادة إعمار وعن دستور جديد، كلاهما ينطوي، إن أحسنا الظن، على سوء فهم خطير للنظام الأسدي المستمر في الحكم منذ 48 عاماً، هي تقريباً نصف تاريخ الكيان السوري المعاصر. قد لا يعرف كثيرون أن الدستور تغير بإجماع أعضاء مجلس الشعب، الذين لا يترشح منهم من يضمر حداً أدنى من معارضة النظام، في خمس دقائق يوم وفاة حافظ الأسد، من أجل توريث ابنه، ولا يكاد يعرف أحد أن النظام ذاته غير الدستور عام 2012، في اعتراف رمزي بشرعية الثورة ومطالبها، لكن مع الحرص على ألا يكون للدستور الجديد أي أثر على الحياة السياسية أو القانونية في البلد. الكلمة العليا يجب أن تبقى للسلالة الأسدية وأجهزة الترويع والقتل التي تسمى “المخابرات”. هذا نظام استثناء ديناميكي، لا ينضبط بأية قوانين، ولو كان هو من أصدرها للتو. وفي أساس ذلك “ذات” جائعة، ضارية، تتكون منها البرجوازية الجديدة ذات الكُمون الفاشي العالي. أما إعادة الإعمار، فستكون أشبه بإعادة إعمار النظام لمحافظة حماه بعد قتل عشرين أو ثلاثين ألفاً من سكانها عام 1982: ستراً للجريمة وإخفاء للمقابر الجماعية، واستهتاراً بالغاً بآلام السوريين. ومع كون نحو 80% من السوريين تحت خط الفقر، و78% من الشباب السوري عاطلين عن العمل، تبدو إعادة الإعمار إمعاناً في إنكار الصفة السياسية على آلام السوريين، وبمثابة مكافأة للمسؤولين عن هذه الكارثة الخارقة.

بعد نحو 92 شهراً من ظهور هذه العالمية الحربية الأولى، لم تستحدث أية مؤسسة دولية جديدة مثل عصبة الأمم أو يقترح عهد دولي جديد، ولم يصدر قرار يحظر البراميل، ولم يقدم ملف القتلة المعروفين إلى المحكمة الجنائية الدولية. بالعكس، يتجه تفضيل القوى الدولية والمؤسسات الدولية إلى الدول، وتعتبر الدولة، ولو كانت قوة إبادة مثل دولة الأسديين، أفضل من أي قوى تعترض عليها، بفضل سياسة “الحرب ضد الإرهاب” كـ”حكاية كبرى” لعالم اليوم. حب الدولة هذا ميل عام في الغرب، ليس بين ممثلي الدول فقط بل وفي المجتمعات. ليسوا سيئي النية حتماً، لكنهم يخافون من “التعقيد” ويرون في الدولة شيئاً بسيطاً يعتقدون أنه يشبه ما عندهم. لا يعرفون أن الدولة مخصخصة في سوريا وطائفية، أي منزوعة الوطنية، وأنها المنظمة الأكثر سرية وإرهابية ولا سياسية. في عالمهم ألفوا أن الدولة هي مقر العام، وأن الدولة الأمة هي الإطار السياسي الأرجح لتفكيرهم. لا يخطر في البال أن تكون الدولة ملكية خاصة لأسرة مافيوية. في المؤسسة العلمية الألمانية، الليبرالية والمنفتحة، التي أنا زميل فيها حالياً، ينتظر مني زميل تأكيد تصوره عن أن التدخل الروسي جيد… ضد الإرهاب! الزميل ربما قرأ في مكان ما أن روسيا حرصت على قصف مشاف وأسواق وأحياء مدنية بالقنابل الارتجاجية والقذائف الفوسفورية، وأن منهج غروزني في التدمير الشامل هو ما اعتمدته في سوريا. قرأ على الأرجح، لكنه سرعان ما نسي. ولطالما سئلت في برلين عما إذا كان هناك أشخاص جيدون في سوريا، وهو ما يتضمن أن نظام إبادة يحكم سوريا منذ نصف قرن ليس إلا السيء بين سيئين آخرين، ولعله الأقل سوءاً.

ومن بين عابدي الدولة، السيد دي ميستورا الذي أعلن مؤخراً أنه سيستقيل في نهاية هذا الشهر. ثابر هذا الموظف الدولي المُنعم على تفريغ القضية السورية من مضمونها السياسي وتفتيتها إلى جزئيات إجرائية وتقنية، وترك مسار جنيف الخاص بالانتقال السياسي يفرغ لمصلحة مسار أستانة الذي جزأ القضية إلى ملفات تتصدرها مكافحة الإرهاب. لم يزر مخيماً واحداً للاجئين في أي وقت أو يطلع على ما يقوله السوريون عن صراعهم وتاريخهم مع النظام، على ما ذكر في مقالة له قبل حين زياد ماجد، أستاذ العلوم السياسية في الجامعة الأميركية في باريس. ثابر السيد دي ميستورا وفريقه على تفضيل السوريين المطيعين الذين يقبلون بأجندة يحددونها لهم سلفاً، ولي شخصياً تجربة في هذا الشأن. إذ لم يقبل فريق المبعوث الدولي ما اشترطته من أن يكون من حقي في اجتماع دعوني إليه في بروكسل في نيسان/ أبريل 2017 أن أعترض على الأجندة التي كانوا وضعوها مسبقاً ودون مشاورة أي سوريين. وكانت النتيجة أني لم أذهب لحضور الاجتماع. خلال أربع سنوات من عمله كمبعوث دولي رعى دي ميستورا عملية هجينة، لا هي تفاوض سياسي بين طرفين، ولا هي عملية تأسيسية تحضر فيها أطراف سورية متعددة ولا يكون النظام غير واحد منها. إنها “مفاوضات من أجل المفاوضات” تذكر بالمسار الفلسطيني البائس على ما ذكر ماجد في المقالة نفسها.

ما يبدو غريباً جداً أنه بينما العالم متركز في سوريا، والسوريون منثورون في العالم، وبينما عرفت سوريا أشكالاً من القتل لم تر منذ زمن طويل، وقد تكون بنيت محارق لتصريف الجثث قرب واحد من مصانع القتل فيها، وعرفت كذلك أشكالاً من الحياة لم تر كذلك من زمن طويل، منها عبور حدود العديد من الدول، وصولاً إلى ألمانيا وأبعد، من أجل ملاذ ومستقبل، فإن سوريا لا تكاد تحضر في النقاش العالمي إلا من مدخلين مبتذلين، جيوسياسي وثقافوي، وهي غائبة كلياً عن النقاش الفلسفي والأخلاقي وضعيفة الحضور في مجال الإنسانيات. هذا بمثابة رفض لأخذ العلم بالحدث الرهيب وطرد عملي لسوريا من العالم. ثمة حالة إنكار متصلبة جداً في أوربا والغرب بعامة، ترفض أن ترى ما هو عالمي في سوريا وما هو سوري في عالم اليوم، رغم أن العالم تغير كثيراً في سنوات الإبادة السورية. هذا خطأ كبير، هائل.

بعد الحرب العالمية الأولى بعقدين بالكاد جاءت حرب عالمية أخرى، أشد هولاً. وبعد العالمية الحربية الأولى التي يرفض التفكير في عالميتها حتى المشاركون فيها، هل يحتمل ألا نرى عالمية حربية ثانية، أفظع؟ نبدو سلفاً على الطريق المنزلق إلى الهول العظيم.

ربما نتذكر أن الحرب العالمية الأولى بدأت بواقعة اغتيال سياسي في مكان طرفي من أوربا. بموازاة الحرب العالمية الأولى المستمرة، وقعت حادثة قتل وتقطيع لصحفي في قنصلية السعودية في اسطنبول، بأمر مرجح من حاكم السعودية الفعلي، ولي العهد محمد بن سلمان. ما كان للحدث أن يقع لولا أن الشرق الأوسط صار بمثابة جنة للإفلات من العقاب، أي جنة للجريمة. إذا كان ممكناً قتل مئات الألوف في سوريا والبقاء في الحكم، فلم لا يكون ممكناً قتل صحفي وتقطيعه بمنشار كهربائي؟ إذا كان بشار الكيماوي يستطيع أن ينجو من محو الفرق بين الجريمة والسياسة محتمياً ببوتين، فلم لا يستطيع من يحميه ترامب الجشع أن يستخدم سياسة المنشار؟

في هذه الحيثية، الإفلات من العقاب، العالم يقترب من سوريا، وسوريا تبدو مستقبل العالم. وبوجود رئيس فاسد في أميركا وآخر مجرم حرب في روسيا، واستمرار دولة السلالة الأسدية التي تحظى بدعم اليمين الفاشي واليسار الستاليني في الغرب، وعلى خلفية أزمة الديمقراطية وعدم الثقة بالسياسة عالمياً، يبدو مستقبل الاستثناء مضموناً عالمياً. وليس بعيداً أن نحصل من تطبيع الاستثناء على “حالة طبيعية” أو حالة هوبسية عالمية، استثنائية في وحشيتها.

*كاتب سوري

** الحرب العالمية الأولى انتهت يوم 11 تشرين الثاني 1918.

كتبت المقالة في أواخر تشرين الأول الماضي بطلب من أسبوعية ألمانية، ويبدو أن نشر الترجمة الألمانية لم يتقرر بعد!