أول ما يخطر في ذهن السامع عندما تقول “يسار”، هو استبعاد الدين عن الحياة السياسية. واليسار، هو طيف واسع جداً يبدأ من اليسار الجذري الذي يريد استبعاد الدين من كامل التشكيلة الاجتماعية الاقتصادية السياسية للمجتمعات، وينتهي باليسار الديمقراطي، الذي يسعى لمشاركة السلطة مع آخرين، وأول أولئك الآخرين في المجتمعات العربية هو حركات الإسلام السياسي، على اعتبار الإسلام السياسي هو تعبير “طبيعي” عن جزء كبير من المجتمع، ولا يمكن إقصاؤه دون اللجوء للديكتاتورية التي تعد النقيض الحقيقي لكل ديمقراطية مهما كان نوعها.

لن يسعنا في هذا المقال مناقشة جميع أطياف اليسار العربي، حيث هناك اختلافات واسعة جداً بين تلك الأطياف، فحزب البعث على سبيل المثال هو يسار، والقومي السوري يسار، والحزب الشيوعي يسار. وتحت راية “الحزب” الشيوعي نجد أنه لم يعد هناك أي رابط مثلاً بين حزب “خالد بكداش” الشيوعي اليساري، وحزب “رياض الترك” الشيوعي أيضاً.

وقد اعتدنا منذ زمن ليس بالقليل، على أن يأتي إسلامي متخلف ليصف ببساطة مجمل الطيف اليساري الواسع بكلمة واحدة “ملحد”، أو معادٍ للدين، أو معادٍ للمجتمع “الإسلامي”.. إلخ، وبذات الطريقة بات مألوفاً أن يأتي يساري متخلف ليصف الطيف الإسلامي الواسع بكلمة واحدة “إرهابي” أو معادٍ للديمقراطية، أو معادٍ للتنوع أو للعلمانية.. إلخ.

جدير بالذكر، أنه تحت حكم الديكتاتورية لا وجود حقيقي فاعل لأي من كل تلك الأطياف مهما كان توجهها، فإن كان النظام الحاكم إسلامياً، “السعودية مثلاً”، فلا وجود إلا لنوع واحد من الإسلام السياسي هو إسلام السلطة، وإن كان النظام الحاكم يسارياً “سوريا مثالاً”، فلا وجود إلا لطيف واحد من اليسار، هو يسار السلطة وحزبها الحاكم. ولا حاجة للشرح بأن مشاركة بعض أطياف اليسار في السلطة على طريقة “الجبهة الوطنية التقدمية في سوريا” ليس إلا مشاركة شكلية بلا أي معنى سياسي فاعل على الإطلاق.

كما أنه من الواضح جداً، أن التنوع الحقيقي الفاعل تحت حكم الديكتاتورية لا يُعامَل إلا كنوع من الخيانة والعمل ضد الوطن ولصالح أعدائه الذي يتربصون به من كل حدب وصوب. فلا يوجد تنوع عندما تكون السلطة أحادية ومركزية، سواء كانت تلك السلطة إسلامية أم علمانية. وجليّ للعيان أيضاً أن الثورات العربية لم تقم إلا لإزالة ذلك النوع من السلطات الواحدية، بحثاً عن التنوع القائم في المجتمع والمعبّر عنه، وبحثاً عن المشاركة الفاعلة في إدارة شؤون ذلك المجتمع من خلال تداول السلطة بين المختلفين سلمياً.

يتحدد نقاشنا في هذا المقال حول التناقض الكبير الذي عبّر عنه، وما يزال، معظم الطيف اليساري العربي في موقفه من حركات الإسلام السياسي، لا سيما منذ صعود هذا الأخير بشكل كبير نهاية سبعينيات القرن الماضي، أي بعد اختمار الهزيمة التي تلقاها المجتمع العربي أمام إسرائيل بعقد من الزمان.

كانت إسرائيل هي الثابت الوحيد تقريباً الذي تدور حول العداء له، متغيرات اليسار والإسلام السياسي، لا بل إن المزاودات بين الأطياف المتنوعة لليسار وللإسلام السياسي كانت أهم الوسائل الموضوعية لإضفاء الشرعية على الذات، ومحاولة استبعاد الآخرين من طريق السلطة وتخوينهم أو تكفيرهم.

والملفت أن حركات اليسار الجذري الأكثر معاداةً لمشاريع الإسلام السياسي وأسلمة المجتمعات، لم تتبنَّ سابقاً أسلوب الإسلام السياسي في العمليات الانتحارية والاستشهادية فحسب، بل إن اليسار كان رائداً في تلك العمليات، وجميعنا يذكر عمليات دلال المغربي عام 1978، وسناء محيدلي عام 1985، تلك الأخيرة التي أهدت استشهادها لحافظ الأسد.

كما أن اليسار ذاته، كان وما يزال يحتفل بحركات إسلامية التوجه والأجندة والتمويل، مثل حزب الله وحركة حماس، حتى بعدما توجه إرهاب تلك الحركات نحو المجتمع ذاته، وأصبحت السياسة هي الحاكم الرسمي للعلاقة مع إسرائيل، حيث لا توجد دولة عربية واحدة تقرع طبول الحرب مع إسرائيل أو تسعى لرمي اليهود في البحر. وقد كان حزب الله مثالاً ساطعاً لتحول إرهاب تلك الحركات نحو الداخل منذ عام 2005، وصولاً إلى الثورة السورية.

 بعد الثورة ظهر التناقض اليساري بأجلى صوره في الموقع من الإسلام السياسي، حيث بتنا نرى طيفاً واسعاً من اليسار “التاريخي” يؤيد الإسلام السياسي بقوة عندما يتعلق الأمر بحزب الله مثلاً، أو عمليات حماس في غزة، لكن يرفض قطعاً أي توجه للإسلام السياسي في سوريا أو مصر مثلاً، وبتنا نرى كيف أن معادين بارزين للثورة السورية من أمثال أدونيس أو زياد الرحباني أو سماح إدريس، يعبرون عن طيف وازن من اليسار الذي يقع في التناقض ذاته، أي تأييد الإسلام السياسي مهما كان إرهابياً، ضد إسرائيل، والعداء الوجودي له، مهما كان شكله، في سوريا وفي غيرها.

والسؤال الذي يطرح نفسه اليوم: هل الخلاف بين اليسار والإسلام السياسي، هو خلاف مبادئ أم خلاف أيديولوجي؟ فإن كان خلافاً مبادئياً (في المبدأ والجوهر)، لماذا يؤيد اليسار الإسلام السياسي في مكان وينبذه في مكان آخر؟ وإن كان خلافاً أيديولوجياً، لماذا لا يقبل ذلك الطيف اليساري بالإسلام السياسي باعتباره خصماً شرعياً في الصراع على السلطة، وبالتالي يصبح الدفاع عن أحقية الخصم السياسي في الوجود دفاعاً عن أحقية الذات في وجودها؟

هل سيؤدي الدفاع عن الإسلامين إلى شكل من أشكال الدفاع عمّن سيقتلونك أو يستبعدونك من السلطة مستقبلاً (مثلما حصل مثلاً مع رياض الترك أو غيره في تجربة المجلس الوطني القصيرة)؟

يبدو التوجه العالمي اليوم متناغماً مع توجه الثورات المضادة ومع التوجه اليساري العام في معاداة الإسلام السياسي، لا سيما بعد فشل السوريين في إسقاط النظام. ولم يقدم الإسلام السياسي من جهته، وبأي من أشكاله، أي نموذج طيب أو مُطمئِن أو يعتد به لقبوله والتشارك معه، لكن ألن يؤدي ذلك العداء الثلاثي القائم نحو الإسلام السياسي إلى دفعه إلى المزيد من التطرف والعدمية؟ وهل يمكن لليسار معاداة الإسلام السياسي وجودياً دون أن يقع في خدمة الأنظمة الديكتاتورية التي تبني شرعيتها الجديدة على معاداة الإرهاب الإسلامي؟

تحتاج تلك الإشكاليات إلى تفكير جدّي، مسؤول، وعقلاني من كل فاعل سياسي أو ثقافي. تفكير لا يكتفي بما ينطق به حال اليوم، حيث تراوح مجمل النقاشات الدائرة بين رمي التهم وطرح المظلوميات وتبرئة الذات ولوم الآخرين، ولن تؤدي تلك الطريقة باعتقادنا إلا للعودة للحلول القديمة المتجددة، أي دعم عالمي للديكتاتوريات، مشفوع بقبول ضمني من قبلنا، لتتولى تلك الديكتاتوريات مصيرنا. وتلك الردّة، لا تقل سواداً بتقديرنا عن أكثر الردّات الإسلامية سواداً وتطرفاً بالعودة لعصر الخلافة.

*كاتب سوري