يتسابق النظام وحليفه الروسي من أجل الحصول على مبالغ طائلة من أجل ما يسمى بــ “إعادة إعمار سوريا”.  فمنذ انخفضت حدة القتال في مناطق سورية متعددة في أواخر 2017 وأوائل 2018، بدأ حليف النظام السوري بوتين بالنشاط في المحافل الدولية لإقناع الدول الغربية على وجه الخصوص من أجل المساهمة المالية في إعادة الإعمار. بالتأكيد، لم يكن المقصود بالدرجة الأولى من العرض على الدول الغربية المساهمة إعادة الإعمار، بلإعادة الاعتراف بالنظام السوري كنظام “شرعي” في دمشق.

ما تزال الأعمال القتالية في سوريا متواصلة في أكثر من مكان، وأي كلام عن إعادة الإعمار هو خيال سياسي لا أكثر. وهنالك تقارير من نشطاء في الداخل السوري عن قيام النظام بتدمير البيوت التي لم تدمر أثناء القتال في أماكن مثل القابون والزبداني وغيرها من ضواحي دمشق، بالإضافة إلى مصادرة أملاك السوريين والسوريات الذين هربوا من جحيم الحرب التي شنها النظام على سوريا، عبر إصدار المرسوم رقم 10 الذي يسمح للنظام بمصادرة أملاك الذين يتواجدون في الخارج كنازحين أو لاجئين، إذا لم يعترضوا على القانون خلال عام واحد بشكل شخصي، أي بالتوجه إلى داخل سوريا.

تعبر أي مساهمة في إعادة الإعمار في الفترة الحالية على خلل أخلاقي، لأن ما كان يحدث في سوريا منذ سبع سنوات ما زال يحدث حتى هذه اللحظة. فالنظام القمعي لم يقم بأي خطوة في اتجاه الإصلاح الديمقراطي أو التغيير السياسي، وأي فرضية تقدم للمانحين بأن الأموال سوف تُستخدم للإصلاح الإداري أو السياسي هي فرضية كاذبة، لأن النظام أثبت عبر سنواته الطويلة وبالأخص عبر السنوات السبعة الماضية بأنه لن يقوم بأي عملية إصلاح أو تغيير. ومازالت معتقلاته مليئة بالمعتقلين والمعتقلات والمخفيين قسرياً وما زالت حالات الاعتقال جارية بكل قوة. لا يمكن أن يقوم النظام بجناية الأرباح نتيجه لجرائمه. 

أما في المناطق التي لم يستطع النظام أن يسيطر عليها حتى الآن أو ما يسمى بــ “مناطق خفض التصعيد”، هنالك ميليشيات متطرفة تتبع لتنظيم القاعدة الإرهابي ولا وجود لمعارضة حقيقية يمكنها أن تأخذ زمام الأمور. وكما في مناطق سيطرة النظام، قامت المنظمات المتطرفة بتصفية منظمات المجتمع المدني والمجالس المحلية بالإضافة للقصف المستمر من قبل طائرات النظام والطائرات الروسية. فلا يمكن ولا بأي حال التكلم عن أي احتمال لإعادة الإعمار.  

إن أي محاولة لإرسال الأموال الآن إلى النظام السوري هي مخاطرة كبيرة، لأن مافيا النظام ما زالت قائمة وتتحرك بسهولة ضمن أجهزة النظام. سوف يستخدم هذا النظام الأموال لأشياء أخرى تخدم مقومات بقائه. وسوف تستخدم بعض الأموال لدعم مؤيدي النظام ومواليه، لا لدعم الشعب السوري بكافة أطيافه، وخصوصاً الفئة الأكثر تضرراً من الحرب.  

وتقوم خطة بوتين على استدراج الغرب للمساهمة في إعادة الإعمار باللعب على وتر قضايا اللاجئين، التي تعد قضايا ساخنة في الغرب الأوربي حالياً. يحاول بوتين إقناع الغرب بوهم أن إعادة الإعمار ستساعد في إعادة اللاجئين إلى سوريا، وهو موضوع  حساس حالياً. ويقوم اليمين الأوربي بالدعوة لذلك بحجة انتهاء الحرب. في نفس الوقت يقوم النظام بمصادرة أملاك اللاجئين. وهنالك حالات عديدة من الاعتقالات في صفوف اللاجئين الذين عادوا من بلدان مجاورة مثل لبنان والأردن، بالإضافة إلى منع عودة عدد كبير من اللاجئين إلى قراهم ومدنهم. ما هو واضح للعيان، أن النظام سوف لن يسمح بإعادة اللاجئين بالأعداد التي يقترحها بوتين، ولا اللاجئون قادرون على الوثوق بالنظام الذي قام بتهجيرهم بشكل ممنهج وقتل أهلهم ودمر قراهم. 

ينبغي على الدول الأوربية الآن تركيز جهودها على دعم منظمات المجتمع المدني، لا سيما تلك التي تنشط في البلدان المجاورة لسوريا، وتنميتها وتهيئتها لأن تكون جاهزة حين تأتي الظروف المناسبة، للقيام بمهامها  في ترميم ما خلفته الحرب التي شنها النظام وحلفاؤه، ومعهم المتطرفون من الجهة المقابلة، ضد السوريين. لا يمكن لنظام قام بتدمير البلد وتدمير المجتمع السوري أن يقوم بالبناء ما دامت إمكانية وجود هذا النظام قائمة. النظام السوري قام عبر خمسين عاماً بقمع المجتمع المدني وقمع الأحزاب السياسية، ولا بديل الآن عن وجود مؤسسات مجتمع مدني تعمل على تأصيل أسس ومعايير الديمقراطية. قد تكون محاولات بناء مجتمع مدني متماسك أولى ضحايا أي مخاطرة في دعم وهم إعادة الإعمار، حيث سيتركز تقديم الأموال لنظام سوف لن يسمح بأي هامش، ولو محدود، لأي من هذه المنظمات إلا الموالية له منها. 

أخيراً، لا يمكن لعملية إعمار سوريا أن تبدأ ما لم تتم محاسبة المسؤولين عن هذا الدمار، وعن الجرائم بحق الإنسانية التي ارتكبت خلال السنوات السبع الماضية في سوريا. ووما لم يتم التوقف عن الممارسات القمعية التي يرتكبها النظام في دمشق، والتخلي عن الأسباب التي أدت لانتفاضة السوريين والسوريات ضد النظام الحاكم. لا بد من وجود قيادة جديدة تعمل على محاولات توحيد السوريين وإعادة الأمان الحقيقي ليتم العمل ضمن مناخ ملائم لإعادة البناء. ولن يتم هذا إلا عبر العدالة الانتقالية والبدء بعملية ديمقراطية.  

*كاتب سوري